Tuesday 21st of July 2026 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    20-Jul-2026

د. العناني يردّ على منتقديه .. لو علمتْ والدتي لما تحدثت!

 

عمون -
 
خص نائب رئيس الوزراء الاسبق ورئيس الديوان الملكي الاسبق الدكتور جواد العناني، عمون بالرد على منتقديه، بعد الجدل الواسع الذي اثير عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تعليقا على حديثه في لقاء له.
 
وكتب العناني بعنوان "من الأشمل إلى الأخص":
 
في العام 1927 من القرن الماضي، بلغ عدد سكان الكرة الأرضية حوالي (2) مليار نسمة. أما في العام 2026 أو بعد مئة سنة تقريباً، تجاوز عدد سكان الكرة الأرضية (8.5) مليار نسمة. وبتصور آخر، فإن عدد البشر على الأرض قد وصل ملياري نسمة بعد أكثر من ثلاثمائة ألف سنة. أما خلال المئة عام الأخيرة، فقد بلغ عدد السكان أكثر من أربعة أضعاف ذلك وأكثر في فترة وجيزة. هذا التحول خطير جداً لما ينطوي عليه العدد الكبير من استهانة بحياة الناس، ومن تراجع في الأخلاق والسلوكيات، ومن هيمنة الجهل على العلم والتنوير.
 
ويقال أننا نعيش الآن في بداية الثورة الصناعية الخامسة. والتي إن تُرِكت تأخذ مجراها، فإنها تجعل الروبوتات بديلاً للإنسان في مواقع كثيرة. ولكن الأدهى أن كل الثورات الصناعية بدءاً من اختراع الآلة البخارية وانتهاء بالذكاء الاصطناعي قد ساهمت كلها في إساءة توزيع الدخل والثروة إلى حد كبير.
 
وكثرة الناس وتفوق التكنولوجيا الحديثة يعطي لمن يملكها العودة إلى عالم العبودية. والناس في كثير من أقطار العالم تشقى لتأمين لقمة العيش، وإن حصت عليها يكون ثمنها مرتفعاً بمقاييس الكرامة الإنسانية.
 
وفي هذه الظروف تزدهر الجريمة بشكلها الأعقد والأصعب لأن العصابات المنظمة التي تتحول إلى منظمات إجرامية بقدرات مالية ولوجيستية كبيرة تجعلها قادرة على تأمين نجاح الأفعال التي ترتكبها مثل تهريب المخدرات، وتجارة الرقيق الأبيض، وتبييض الأموال، وتدمير حياة الأسر التي يقع أبناؤها أوبناتها تحت قبضتهم إما بالخطف، أو بالقتل وبيع الأعضاء، أو باغوائهم في دروب الرذيلة وبيع الأعراض. ولا توجد تقديرات مستقرة ومتفق عليها على حجم موجودات وأرباح هذه المنظمات الاجرامية عبر العالم، ولكنها لن تقل عن (2) تريليون دولار في العام الواحد.
 
وبفعل كبر عدد السكان وسرعة التحضر، فقد نشأت ظاهرة المدن الكبيرة أو ما يسمى باللغة الإنجليزية ميجا سيتيز ( Mega Cities)، والتي يزيد عدد سكان كل واحدة منها عشرة مليون نسمة. هذه المدن فيها طبقات من السلطة. فهنالك سلطة حكومية، ولكن حواري هذه المدن وحاراتها اصبحت مرتعاً لكثير من النظم والترتيبات غير الرسمية أو الموازية. ولهذا كبر حجم ما يسمى بالاقتصاد غير الرسمي، حتى شكل ما قدره أربعين إلى خمسين بالمئة من اقتصادات كثيرٍ من الدول النامية، وأقل من ذلك في الدول الأكثر غنى وبحبوحة.
 
وفي هذا الحال يشعر عدد كبير من الناس أنهم خارج نطاق النظام الرسمي للدول، وفي هذا الأمر مرتع كبير لمن يريدون الهيمنة، فيجدون ضالتهم في القطاع المهمش من سكان تلك المدن، والذين يَكِدّون من أجل لقمة العيش ويطلبون العون من الجهات الرسمية، فلا يجدون ما يكفيهم منها، فيلجأون إلى الترتيبات غير الرسمية ليؤمنوا ما يُقيهم أَوَدَهم ويؤمن لقم العيش لأبنائهم.
 
وهنالك مؤشرات اجتماعية تعكس هذه التطورات العميقة في الكيانات المجتمعية، ولعل من أبرزها ارتفاع نسبة الطلاق، وعزوف الشباب عن الزواج والارتباط الدائم، وارتفاع نسب الجريمة وزيادة الإقبال على المقاهي، وتراجع الآداب العامة مثل احترام الكبار للصغار والعكس. ويقل الاهتمام بالمال العام وتكثر السلوكيات التي تتحدى القيم والمُثل التي بناها المجتمع- أي مجتمع- عبر الأجيال.
 
ولو عدنا إلى بلدنا العزيز، لابد أن نثير التساؤل: هل نحن متأثرون بهذه الظواهر العالمية في زمن تشتد فيه الحروب والفتن، ويسود القلق وعدم اليقين حيال المستقبل بسبب ما يفعله الآخرون في عالمنا؟
 
لابد أن نقول أن توزيع الدخل والثروة في الأردن ما يزال عادلاً إلى حد كبير وفقاً للمقاييس العالمية، ومقياس عدالة توزيع الدخل في الأردن يصل إلى حوالي 32 ( معامل جيني) علما أنه تراجع عما كان عليه قبل عقد من الزمان. وكذلك فإن توزيع الدخل والثروة في الأردن بدأ يشهد تركيزاً متزايداً بيد أناس حديثي الثراء في الوقت الذي تراجعت فيه مداخيل الأسر التقليدية والتي رافقت بدايات الأردن الهاشمي، وبرزت مكانها فئة جديدة خاصة في قطاعات العقار والتجارة الكبيرة والمصارف، وأخيراً في قطاع التكنولوجيا الحديثة، وما فاض من مال على بعض العاملين الأردنيين في دول الخليج ودول أخرى، حيث عاد أصحاب هذه الفوائض ليستثمروها في الأردن.
 
ومن هنا، لابد أن نؤكد أن نمط الاستثمار خاصة بعد انهيار أسواق المال عام 2008 وحتى الآن، لم يخلق فرص عمل كافية للشباب والنساء والمتقاعدين داخل الأردن، مما جعل السباق محموماً على الوظائف في القطاع العام، والذي بات مرهقاً من لعب دور الملجأ الأخير للتوظيف، وما يزال حديثنا عن الاستثمار يصب في خانة المستثمرين الأغنياء لأن الحكومات تنوي تنفيذ مشاريع كبيرة ضمن مخططاتها التنموية وهي واقعة في شرك إرضاء الأغنياء وأصحاب الفوائض المالية محلياً وعربياً لكي تنفذ مشروعاتها، لأن هذه المشروعات تستهدف في نهاية المطاف خلق فرص عمل جيدة للعاطلين عن العمل، وما زال النموذج الذي تقدمه قاصراً عن جسر الفجوة بين المعروض من الفئات الباحثة عن عمل والمطلوب منها.
 
ولذلك وقعنا في مصيدة "الفجوات" الكثيرة، فهنالك حاجة لزيادة عرض النقد، ولكن السماح بذلك قد يؤدي إلى انفلات التحكم المالي، ووقوع التضخم دون أن يؤدي ذلك إلى زيادة الاستثمار وتقليل نسب البطالة. ولكن بقاء العسرة المالية والنقدية في الاقتصاد يخلق ضغوطاً على الأسر وأربابها، ويفرض على الحكومة إن لم ترتفع إيراداتها إلى زيادة المديونية المؤرقة.
 
واجتماع فجوة سوق العمل، وفجوة عرض النقد والطلب عليه، وزيادة المديونية العامة والخاصة، تجعل كثيراً من الناس في حالة قلق دائم. ومع حالة التشويش والضبابية التي تخلقها ظروف المنطقة، يصبح الناس أكثر حساسية، وتنافسية ضارة بحثاً عن الوظائف ولقمة العيش، والتي يضطر أصحاب الدخول المنخفضة فيها إلى طلب العون من الناس مما يضع كرامتهم أمام امتحان صعب. عـ مـون
 
وأمام هذا الواقع الذي يتحدى دولة محترمة كالأردن، لابد من الانتباه إلى الظواهر الاجتماعية والسلوكيات العامة، والتي تعطي مؤشرات على صعوبة الأوضاع التي تواجهها أسر أردنية كثيرة. وما الانفعال واللغة القاسية التي تتعدى حدود اللباقة إلا تعبيراً عن عدم الاجابة على السؤال: وما هو العمل المطلوب؟
 
إن حل المشاكل لا يتأتى عبر صندوق النقد الدولي أو عبر القروض الميسرة، ولا عبر الخطط الكبيرة التي يصعب تنفيذها. وفي ظل التهديدات الإسرائيلية وإجبار الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة على الهجرة من وطنهم، وبسبب ما يتعرض له الأردن من ضغوط خارجية، فإننا بحاجة إلى وقفة تأمل وتفكر وتبصر عميقة في أحوالنا وبرامجنا الهادفة إلى معالجة القضايا الداخلية. وما لقيته أنا شخصياً من أدبيات على الوسائل الإلكترونية ضدي أو معي خلال الأسبوع الماضي قد نبهني إلى أن كلمة قالتها والدتي المرحومة قبل 74 عاماً لأنها ملّت من التنقل وخافت من الرحيل إلى عمان عام 1952 لأنها كانت قد ملكت البيت الذي تسكنه في حلحول خاصة وأنها كانت قد أنجبت حتى العام 1952 خمسة ذكور وأنثى سادسة كانت تريدها. ووجدت أن عبء الانتقال لتسكن في بيت مستأجر ثقيل عليها، وقد تربت في المدن الكبيرة في فلسطين (حيفا) وبيت لحم وغيرها، وكانت الحمامات في تلك المدن داخل البيوت. وخشيتها من أن يراها الناس تدخل حماماً خارج المنزل لم يتوافق مع ما تعودت عليه.
 
لو علمت والدتي أن ما قالته آنذاك سيثير كل هذا اللغط لما قالتها، ولكن ردة الفعل عليها بأبعادها كلها ليست إلا تذكرة بما يسمى "أثر الفراشة". ويقول العلماء أن تركيبة الرياح والغيوم قد تجعل رفرفة جناح فراشة في الصين وفي الوقت المناسب قد تتسبب في أحداث إعصار في الولايات المتحدة وأثر الفراشة كان واضحاً في التعليق على ما كتبت. وإلى من قال كلاماً قاسياً عني فإنني أحيله إلى الآية السادسة من سورة الرعد، وسامحهم الله جميعاً.