الغد
هآرتس
بقلم: إيلانا هيمرمان
كتبت باليستا العقاد، وهي فتاة غزية عمرها 22 سنة، في 18 تشرين الأول 2023، في مذكرات مؤثرة وثّقت فيها باللغة الإنجليزية الأسابيع الثلاثة الأولى للتدمير في قطاع غزة، "عيون غزة":
"لقد انتهت الحرب اليوم. لم يعد هذا هجوما، بل إبادة جماعية، إبادة جماعية بكل معنى الكلمة. لا توجد كلمة أخرى تصف حجم العنف الذي أشاهده".
في غضون ذلك، امتدت هذه الأسابيع الثلاثة إلى أكثر من ثلاث سنوات، واستمر القتل من الجو والبر والبحر بلا انقطاع. لا يوجد وقف لإطلاق النار. الإبادة الجماعية مستمرة.
يتم قتل وإصابة رجال ونساء، كبار وصغار، كل يوم في قطاع غزة، ويُحكم على ما يقارب مليوني نازح، مكتظين في خيام في مساحة صغيرة هي خُمس مساحة القطاع تقريبا، بالمعاناة في سبع مناطق تشبه الجحيم بين الحياة والموت. يسيطر الجيش الإسرائيلي على قرابة 70 في المئة من أراضي القطاع، التي كانت ذات يوم موطنا لتجمعات وقرى وأحياء وضواحٍ فلسطينية. تم تدمير هذه التجمعات بشكل كامل، وأُجبر سكانها على النزوح قسرا أو الهرب، ومُنعوا من العودة.
في 7 تموز، كتب الدكتور محمد الكحلوت، خبير الصحة النفسية والكاتب الغزي، في صفحته على فيسبوك:
"السماء مليئة بالعيون التي تتابع ما تصوره الطائرات، والطائرات قريبة إلى درجة أنها تستطيع عدّ الأسنان المزروعة في فم نازح عجوز، ما كان سيصاب بأذى لو عاش يوما آخر... لكن الطائرة تريد موته الآن. كم من الشظايا تكفي لجسمك النحيل، يا جدي؟ نصف شظية وربما أقل. ولكن الطائرة تقصفه بألف شظية حتى يتحول إلى أشلاء. في الصباح سيُضاف الرجل العجوز إلى قائمة الموتى، مجردا من إنسانيته، وسيمر مرور الكرام على الشريط الإخباري المعتاد في أسفل الشاشة".
في 17 تموز، كتبت الشاعرة حُسن نعمة في صفحتها على فيسبوك:
"قبل لحظة شاهدت فيلم فيديو لفتى ابن 15 سنة سقط في إحدى قنوات الصرف الصحي المنتشرة حول خيامنا. عندما تم نقله إلى المستشفى كان قد مات. وقبل ذلك لعب ولد آخر بجسم مشبوه فانفجر به ومات. وعبر ولد آخر الحواجز الصفراء فأطلق عليه جنود الاحتلال النار. وأصيبت فتاة داخل الخيمة برصاصة فقتلتها. وسقط أولاد عن العربة التي كانت تجر، وسُحقوا تحت عجلاتها. ومات أطفال من سوء التغذية، بينما لم يحصل آخرون على العلاج. وهناك أطفال لم يتم نقلهم لتلقي العلاج فماتوا وهم ينتظرون... الموت يتربص بأطفالنا من كل جهة، حتى من أعماق الأرض في غزة. هل هناك أحد يسمع؟ هل هناك أحد يرى؟"
(نُشرت هذه المنشورات بواسطة تمار غولدشميدت، ضمن مشروع توثيقي فريد من نوعه على فيسبوك، تشرف عليه مع آية كانيوك، ويُخصص بالكامل، يوما بعد يوم، لمجموعة مختارة من منشورات سكان قطاع غزة المدمر).
في 16 تموز، كتب نير حسون في "هآرتس": "يواصل سلاح الجو قتل الأطفال في غزة بشكل روتيني. فقد قتل 274 طفلا منذ وقف إطلاق النار في تشرين الأول، بمعدل طفل في كل يوم".
مع ذلك، لسبب ما، تحفظ الكلمة الأخيرة في مثل هذه الأخبار والمقالات دائما للمتحدث باسم الجيش، الذي يعلن دائما في رده:
"يرفض الجيش الإسرائيلي بشدة ويدين الادعاء بوجود سياسة أو نمط لإلحاق الأذى بالأطفال بشكل متعمد... الجيش الإسرائيلي يبذل جهدا للحد من الأضرار التي تلحق بأرواح المدنيين والبنى التحتية المدنية، وفقا لقوانين الحرب، ويتخذ الاحتياطات اللازمة قبل شن أي هجمات".
الحد من الأضرار التي تلحق بالمدنيين والبنى التحتية المدنية؟
كان الهجوم على غزة منذ البداية حرب إبادة ممنهجة، وردا غير متناسب ومتهورا على هجوم حماس الوحشي في 7 أكتوبر. حرب لم تميز، منذ اليوم الأول، بين المقاتلين والمدنيين، أو بين البنى التحتية العسكرية لحماس والبنى التحتية المدنية. وقد تجلى ذلك بوضوح في القصف العنيف للمناطق السكنية المكتظة بالسكان، والذي لم يسمح بأي تمييز، وأدى إلى إصابة وإعاقة عشرات آلاف النساء والأطفال وكبار السن، وتدمير كل البنى التحتية المدنية: المستشفيات، ومؤسسات التعليم، وشبكة الطرق، وشبكات الكهرباء والمياه، والمحاصيل الزراعية.
ما زال التدمير مستمرا حتى اليوم، ليس فقط بقصف الطائرات والمسيّرات، بل أيضا في تأثيره على ظروف عيش معظم السكان، والضرر الكبير الذي لحق بالبنى التحتية الحيوية. نزح أكثر من 80 في المائة من سكان غزة من بيوتهم، ودُمرت بيوتهم، ويعيشون في مخيمات مكتظة، يعانون من حرارة الصيف اللاهبة، وتغمرهم مياه الأمطار في الشتاء. وتتدفق مياه المجاري بين الخيام وتتجمع في برك، ويُتركون فريسة لآفة الفئران والجرذان والبراغيث، ولأمراض معدية فتاكة، تصبح في ظل غياب الأدوية المناسبة بمثابة حكم بالإعدام، لا سيما لكبار السن والأطفال.