الرأي - كامل إبراهيم -
قبل 9 أيام من انتخابات الكنيست السادسة والعشرين، تتجاوز المنافسة السياسية في إسرائيل المواجهة التقليدية بين معسكر بنيامين نتنياهو ومعارضيه، لتتركز على هوية الشخصية القادرة على قيادة البديل وإنهاء حكم رئيس الوزراء.
وفي هذا السياق، يسعى غادي آيزنكوت إلى إعادة صياغة المعركة الانتخابية، مستفيداً من إخفاقات معسكر التغيير في انتخابات عام 2022، ومراهنًا على استقطاب ناخبين من داخل اليمين، بدلاً من الاكتفاء بإعادة توزيع الأصوات بين أحزاب المعارضة.
وتقوم استراتيجية آيزنكوت على تحويل الانتخابات إلى منافسة بين قوى رئيسية، بما يقلص فرص الأحزاب الصغيرة في استنزاف أصوات معسكر نتنياهو أو تعقيد الحسابات اللازمة لتشكيل حكومة جديدة.
ويأمل أن يقدم نفسه بديلاً يمتلك خلفية أمنية وشرعية مؤسسية، من دون أن يرتبط بالإرث السياسي والشخصي الذي جعل بعض قيادات المعارضة موضع نفور لدى قطاعات من ناخبي اليمين.
وتستند هذه المقاربة إلى دروس انتخابات 2022، حين أسهم تشتت الأصوات في إضعاف معسكر التغيير. ووفق تحليل نشرته القناة 12 الإسرائيلية في 18 تشرين الأول الحالي، أدى إخفاق حزبي ميرتس والعمل في توحيد جهودهما إلى إهدار نحو 300 ألف صوت، بما يعادل سبعة مقاعد، بعد فشل أحدهما في تجاوز نسبة الحسم، وقد عزز ذلك فرص معسكر نتنياهو في الحصول على أغلبية برلمانية.
ويحاول آيزنكوت تفادي تكرار هذا السيناريو عبر دفع الناخبين نحو الأحزاب الأكبر، وتقليص تأثير القوى اليمينية الصغيرة التي قد تفشل في دخول الكنيست، أو تفوز بمقاعد تجعل تشكيل الائتلاف أكثر تعقيداً. وبدلاً من منافسة شركائه على أصوات المعسكر المناهض لنتنياهو، يراهن على جذب ناخبين من الليكود نفسه، مقدماً الانتخابات باعتبارها مواجهة على هوية القيادة المقبلة.
لكن هذه الاستراتيجية تواجه انتقادات من داخل معسكر المعارضة. فقد وصف أفيغدور ليبرمان آيزنكوت، في منشور على منصة «إكس» في 15 تشرين الأول الحالي، بأنه «غانتس 2.0»، معتبراً أن دعوته إلى التصويت لحزب كبير قد تؤدي إلى نقل الأصوات بين أحزاب المعارضة بدلاً من استقطاب ناخبي نتنياهو، كما اتهمه بالسعي إلى تشكيل حكومة تضم نتنياهو وأرييه درعي ويتسحاق غولدكنوبف.
في المقابل، ترى إيريس ليعال، في تحليل نشرته صحيفة «هآرتس»، أن المقارنة بين آيزنكوت وبيني غانتس تتجاهل اختلافات جوهرية بين تجربتيهما، فقد شارك غانتس مرتين في حكومات برئاسة نتنياهو، ما أضعف صورته باعتباره بديلاً حاسماً، وأثار شكوكاً بشأن قدرته على الالتزام بمواجهة سياسية تنهي حكم رئيس الوزراء.
أما آيزنكوت، فيحاول الاستفادة من خلفيته العسكرية وعدم ارتباطه بتجربة مماثلة في التحالف مع نتنياهو، لتقديم نفسه خياراً مقبولاً لدى شرائح من ناخبي الليكود.
ويأمل أن يتمكن هؤلاء من تأييده من دون الشعور بأنهم ينتقلون إلى معسكر سياسي معادٍ لهم، مستنداً أيضاً إلى أصوله المغربية وقدرته على مخاطبة فئات من قاعدة اليمين.
وتكتسب هذه الرهانات أهمية في ظل تراجع الليكود في استطلاعات الرأي إلى نحو 18-20 مقعداً، مقارنة بمتوسط بلغ نحو 35 مقعداً خلال الجولات الانتخابية الأربع بين عامي 2019 و2020، غير أن تراجع الحزب لا يعني بالضرورة انتقال ناخبيه إلى المعارضة، إذ قد يفضل بعضهم البقاء ضمن اليمين إذا وجدوا بديلاً يتمتع بخبرة أمنية ولا يرتبط بتحالفات تقليدية مع اليسار.
ولا تتوقف الحسابات عند حجم الأحزاب، بل تمتد إلى إمكان تشكيل حكومة قابلة للاستمرار، فقد أشار تحليل نشرته «جيروزاليم بوست» في 15 تشرين الأول الحالي إلى أن مجموع مقاعد الأحزاب المعارضة لاستمرار حكم نتنياهو، بما فيها الأحزاب العربية وأحزاب أخرى، قد يصل إلى نحو 67 مقعداً، وفق تصنيف التحليل، إلا أن هذا الرقم لا يضمن تشكيل حكومة موحدة، في ظل الاختلافات السياسية وتباين المواقف بشأن رئاسة الحكومة وتركيبة الائتلاف.
لذلك، يسعى آيزنكوت إلى منع نتنياهو من بلوغ عتبة 61 مقعداً اللازمة لتأمين الأغلبية البرلمانية، وتعزيز موقعه باعتباره المرشح الأكثر قدرة على تشكيل حكومة بديلة، لكن نجاحه سيظل مرتبطاً بقدرته على التوفيق بين القوى المختلفة، وليس فقط بتصدر نتائج الانتخابات.
وفي حال تعذر حسم الأغلبية، قد تدخل إسرائيل مرحلة من المفاوضات المطولة وعدم اليقين. ووفق السيناريوهات المطروحة، قد تستغرق إجراءات تكليف مرشح بتشكيل الحكومة أسابيع، فيما يُمنح المرشح المكلف مهلة أولية تبلغ 28 يوماً، قابلة للتمديد 14 يوماً، وخلال هذه الفترة، قد يتحول الكنيست الجديد إلى ساحة أساسية للصراع على النفوذ، حتى قبل الاتفاق على الحكومة المقبلة.
ويبرز انتخاب رئيس الكنيست بوصفه إحدى نقاط المواجهة المحتملة، نظراً إلى أن انتخابه يتم بالأغلبية البسيطة، بينما يتطلب عزله لاحقاً تأييد 90 عضواً.
وقد يتيح امتلاك معسكر التغيير 61 صوتاً التأثير في رئاسة المجلس وتشكيل اللجان والأولويات التشريعية، حتى إذا لم يتمكن من الاتفاق سريعاً على حكومة جديدة، في حين قد تستمر حكومة نتنياهو المنتهية ولايتها في تصريف الأعمال.
وفي موازاة ذلك، يحرص نفتالي بينيت على الاحتفاظ بهامش مناورة سياسي، إذ لم يمنح آيزنكوت دعماً صريحاً باعتباره المرشح الوحيد للمعارضة، كما لم ينضم إلى هجوم ليبرمان عليه.
ويعكس هذا الموقف رغبته في الحفاظ على موقع تفاوضي مؤثر، خصوصاً في ظل التوقعات التي تمنح حزبه نحو 13-14 مقعداً، ما قد يجعله شريكاً أساسياً في أي مفاوضات ائتلافية.
وهكذا، يجد آيزنكوت نفسه أمام تحديين متلازمين: استقطاب ناخبين من داخل معسكر نتنياهو، وإقناع شركائه في المعارضة بأنه الأقدر على قيادة المرحلة المقبلة، فالتنافس بين قادة المعسكر الواحد قد يضعف فرص التغيير إذا انشغلت الأحزاب بتقويض بعضها بدلاً من توسيع قاعدة مؤيديها.
ويراهن آيزنكوت على تقديم نفسه بديلاً يجمع بين الخبرة الأمنية والشرعية المؤسسية، وقادراً على تغيير القيادة من دون مطالبة ناخبي اليمين بالتخلي عن هويتهم السياسية، غير أن نجاح هذا الرهان لن يُقاس بعدد المقاعد وحده، بل بقدرته على تحويل النتائج إلى أغلبية برلمانية متماسكة.
وبينما يسعى إلى نصب فخ انتخابي لنتنياهو، يبقى احتمال انقلاب هذا الفخ عليه قائماً إذا عجز عن تجاوز الانقسامات داخل المعسكر الذي يطمح إلى قيادته.