الغد
هآرتس
بقلم: شاؤول اريئيلي
خلال سنوات ترسخ في الخطاب الإسرائيلي تصور مريح وهو أن المستوطنات الموجودة خلف الخط الأخضر هي فضاء له التزام أمني مرتفع، ويتسم بكل خصائص الخدمة العسكرية. الصورة النمطية للمستوطنين هي صورة جمهور مؤيد، مساهم، مقاتل ويسيطر على مركز قيادة الجيش الإسرائيلي. لكن البيانات تظهر صورة أكثر تعقيدًا.
فالأمر لا يقتصر على فئة واحدة، بل على ثلاث فئات مختلفة، كل واحدة منها لها نمط خدمة مختلف. الخلل الرئيسي لا يكمن في طبيعة الخدمة العسكرية، بل في هوية المجندين أصلًا. هنا يظهر الخلل بوضوح. ففي مدن علمانية مثل أريئيل ومعاليه أدوميم يتجاوز معدل تجنيد الرجال والنساء المعدل الوطني، 69 في المائة و56 في المائة على التوالي. ولكن في موديعين عيليت وبيتار عيليت، حيث يعيش 32 في المائة من الإسرائيليين في الضفة الغربية، ينعدم معدل التجنيد.
هذا ليس مجرد اختلاف كمي، بل واقعان مختلفان للمشاركة في النظام نفسه. في المجتمع المتدين القومي ينخفض معدل تجنيد النساء بشكل واضح أيضًا، نتيجة الانتقال إلى مسار الخدمة الوطنية. هذا يقود إلى الاستنتاج الأول: الخطاب العام يركز على السؤال الخطأ. ليس على كم هو عدد المقاتلين في يهودا والسامرة، بل على كم هو عدد المجندين؟ البيانات تظهر أن عدد المجندين في يهودا والسامرة هو أقل من عدد المجندين في تجمع مشابه في إسرائيل. عندما يدرس المجندون تتغير الصورة. تتراوح نسبة المقاتلين من بين المجندين في مدن يهودا والسامرة حول المتوسط الوطني، 50 في المائة. في المجالس المحلية (22 في المائة من إجمالي الإسرائيليين) والمجالس الإقليمية (35 في المائة من إجمالي الإسرائيليين) تتشابه الأرقام، بل تتجاوزها أحيانًا، حيث تصل نسبة المقاتلين من بين المجندين في المجالس الدينية القومية إلى 77 في المائة. بكلمات أخرى، بمجرد التجنيد يصبح أداء الخدمة متشابهًا بين المجموعات ويتجاوز المعدل الوطني.
ويؤكد الرقم الأكثر إثارة للدهشة هذا الأمر. فبين النساء المجندات في المدن الحريدية (التي يعتبر عددها ضئيلاً جداً) تتجاوز نسبة المقاتلات المعدل الوطني (7 في المائة)، بل وتتجاوز نسبة المقاتلات في المدن العلمانية. لا يغير هذا الرقم الصورة العامة، لكنه يبين إلى حد ما أن المشكلة لا تكمن في قدرة الفرد أو رغبته، بل في نطاق المشاركة.
أما الاستنتاج الثاني فهو واضح: عندما يُجنَّد الحريديون فإنهم لا يقلون قتالية أو أهمية. تكمن الفجوة قبل التجنيد، وليس بين المجندين أنفسهم، وتظهر صورة مشابهة في مؤشرات الضباط، رغم أن معدل الضباط في المدن الأربعة في الضفة الغربية أقل من المتوسط الوطني (8.5 في المائة)، إلا أن الفجوة بين المجموعات تتقلص مقارنة مع معدل التجنيد.
بل إن معدل الضباط أعلى في المجالس المحلية الـ 13 والمجالس الإقليمية الـ 6. وفي مجالس الحريديين يقترب معدل الضباط (من بين المجندين) من المتوسط الوطني. هذا يعني أنه حتى في مسارات القيادة لا يوجد استبعاد تام لمجموعات معينة، بل مشاركة محدودة.
أما الاستنتاج الثالث فيتعلق بوضع المتدينين القوميين. فهم بارزون بشكل خاص في الخدمة القتالية والقيادية. ففي المجالس الإقليمية يتجاوز معدل المقاتلين والضباط المتوسط الوطني، الأمر الذي يمثل مساهمة كبيرة في العمود الفقري القتالي والقيادي في الجيش الإسرائيلي. بكلمات أخرى، إذا كانت هناك مجموعة ما زالت تجسد الصورة القديمة لـ "الالتزام الأمني العالي"، فهي المجتمع الديني القومي. مع ذلك، هي لا تمثل كل المستوطنين، بل فقط ما يزيد قليلاً عن الثلث.
وتتعلق النتيجة الرابعة بالفجوة بين النساء، وهي أعمق من الفجوة بين الرجال. ففي حين تشهد مشاركة الرجال انتشاراً واسعاً نسبياً، إن لم يكن متساوياً، يوجد انقسام حاد بين النساء: معدل التجنيد مرتفع جداً في المجتمع العلماني ومنخفض جداً في المجتمع الديني القومي، ويكاد يكون معدوماً في المجتمع الحريدي. مع ذلك ترتفع نسبة الضابطات بين المجندين المتدينين القوميين، وهذا يعني من جديد النمط نفسه: انتقائية عالية تنتج جودة خدمة عالية ضمن فئة صغيرة.
أما النتيجة الخامسة فتتعلق بالاختلاف بين أنواع السلطات، لكن هنا أيضاً يتبين أن هذا يعكس التركيبة الاجتماعية: المجالس الإقليمية ذات الكثافة السكانية العالية من المتدينين القوميين تظهر أعلى معدلات الخدمة، لا سيما في أوساط الرجال.
وتتصدر المجالس المحلية العلمانية معدل التجنيد، في حين تظهر المجالس الحريدية معدل تجنيد منخفض، لكنها لا تختلف بشكل جذري في معدل المقاتلين والضباط بين المجندين.