الغد
هآرتس
بقلم: جاكي خوري
عشم إبليس في الجنة، هذا مثل شعبي مصري، وهو يعني بالعبرية "أحلام خيالية"، هذه بالضبط هي صورة الوضع الذي يرتسم مرة تلو الأخرى لمن ما زال يعلّق الآمال على دونالد ترامب في كل ما يتعلق بمستقبل قطاع غزة، وبشكل عام فيما يتعلق بالساحة الفلسطينية في السنة القادمة.
الأصوات المتفائلة، أو الذين يريدون بالقوة العثور على ضوء أمل، يميلون إلى التركيز على ما حدث في "الغرفة" ويتجاهلون بشكل كبير ما قيل خارجها مثل الثناء والمديح التي تم إغداقها أمس على نتنياهو، والتبني شبه الكامل لحجة ضرورة نزع سلاح حماس كشرط لأي تغيير في سيطرة إسرائيل، والتهديد الصريح الموجه لحماس إذا لم تستسلم تمامًا.
ترامب استخدم المثل الذي يقول "لا دخان بلا نار" في الإشارة إلى إيران واحتمالية شن هجوم إسرائيلي عليها إذا ثبت أن الجمهورية الإسلامية تسعى من جديد إلى تعزيز قدرتها العسكرية. ولكن المثل نفسه ينطبق على قطاع غزة. لو أنه كانت هناك بالفعل نية حقيقية لتسوية لها معنى لكان السلوك على أرض الواقع وفي الخطاب السياسي مختلفًا كليًا.
أصحاب النظرة الثاقبة يدركون أن الرئيس الأميركي، سواء بشكل متعمد أو لا، يتجاهل التفاصيل الصغيرة. هو يتحدث بالعناوين: سلام في الشرق الأوسط، تحسين الوضع في غزة، مساعدات إنسانية واستقرار إقليمي. هذه شعارات كبيرة، لكنها فارغة من المضمون. عندما طُلب منه التفاصيل سارع إلى نقل الأمر لآخرين وقال: "ستيف وجارد سيعالجان ذلك"، بالإشارة إلى مبعوثه ويتكوف وصهره كوشنر.
من يريد وبحق الدفع قدماً بخطوة سياسية لا يتهرب من التفاصيل الدقيقة، بل هو يحسمها. هنا بالذات، مع ويتكوف وكوشنر، يتجلى عمق الفراغ. فالأسئلة الجوهرية ما زالت بلا جواب. فهل يعتبر نزع السلاح في القطاع خياراً مطروحاً مقابل انسحاب إسرائيل الكامل، أو أنه طلب أحادي الجانب يهدف إلى ترسيخ سيطرة بعيدة المدى لإسرائيل؟ هل ستكون القوة متعددة الجنسيات، إذا تم تشكيلها، قوة لحفظ الأمن والاستقرار أو قوة سلام تقليدية تمنع الاحتكاك وتسهل عملية مدنية أو قوة تشمل ولايتها العملياتية مواجهة الجماعات المسلحة وإدارة واقع أمني متفجر؟ وإذا تم تشكيل هذه القوة فما هي ولايتها بالتحديد ومن الذي سيشرف عليها وكم من الوقت يفترض أن تعمل وما هي نقطة انطلاقها؟ الأهم من ذلك هو أين السلطة الفلسطينية من كل ذلك؟ هل هي شريكة أم أنها مستبعدة أو أنها تُذكر فقط كحاشية عند الحاجة إلى تقديم "عنوان فلسطيني مسؤول"؟ طالما بقيت هذه الأسئلة مفتوحة فإن الأمر لا يتعلق بمسار سياسي بل بإدارة الصراع، ليس برؤية بل بتأجيل القرار. في غزة وفي الساحة الفلسطينية يعرفون ذلك تماماً. فهم يعرفون أن العام 2026 هو عام الحفاظ على الوضع الراهن مع تغييرات شكلية فقط. وهذه التغييرات لا تقوض حكم نتنياهو، بل تسمح لترامب بالادعاء أن "هناك شيء ما تغير". الصيغة واضحة: إسرائيل ستواصل السيطرة على 53 في المائة من مساحة قطاع غزة، بل وقد توسعها إلى 60 في المئة.
وإذا حدثت أي إزالة للأنقاض أو أي تغيير في الوضع المدني فهذا سيكون تحت رعاية حكم عسكري إسرائيلي، وإذا تم إنشاء قوة محلية فستقتصر عملياتها على المناطق المحددة تحت اسم "المناطق التجريبية". وسيتمكن نتنياهو من القول بأنه لم يتنازل عن أي شيء، وسيعرض ترامب البنية التحتية كإنجاز، والفلسطينيون سيجدون أنفسهم عالقين بين حكم حماس وحكم إسرائيل برعاية أميركية، بدون أفق أو التزام بالانسحاب أو مخرج سياسي واضح. وهذه ليست عملية سلام واستقرار.
هكذا فإنه من أسبوع إلى آخر ومن شهر إلى آخر، إسرائيل ستغرق في حملة الانتخابات والفلسطينيون سيغرقون أكثر في واقع الاحتلال في القطاع، وربما أيضًا في واقع الضم الفعلي في الضفة الغربية.
هذا هو الواقع وهذه هي الصورة التي يجب وصفها إزاء المعطيات والوضع على الأرض، بدون أوهام وبدون أحلام خيالية. سنة سعيدة.