العربية -
فتحت الهزيمة الساحقة التي مني بها الجمهوريون في الانتخابات النصفية الأميركية فصلاً جديداً من الصراع داخل الحزب، بعدما خسر السيطرة على مجلسي النواب والشيوخ في واحدة من أسوأ نتائجه الانتخابية منذ عقود، وسط تصاعد الاتهامات للرئيس دونالد ترامب، وتحميله مسؤولية تراجع شعبية الحزب وإخفاق مرشحيه في ولايات كانت تعد معاقل جمهورية تقليدية.
ومع اتضاح حجم الخسائر، لم يتجه النقاش داخل الحزب إلى مراجعة أداء المرشحين فحسب، بل امتد إلى سياسات الرئيس نفسه، بدءاً من الرسوم الجمركية وارتفاع تكاليف المعيشة، مروراً بالحرب مع إيران وما خلفته من زيادة في أسعار الوقود، وصولاً إلى قراراته بشأن المرشحين الذين دعمهم في السباقات الانتخابية الحاسمة وفقا لصحيفة نيويورك تايمز الأميركية.
وقال الجمهوريون إن نتائج الانتخابات تعكس تداعيات مباشرة لقرارات ترامب خلال العام السابق للاقتراع، معتبرين أن الرئيس أضعف فرص حزبه بدلاً من أن يعززها، رغم الجولات الانتخابية التي قام بها لحشد الناخبين الجمهوريين.
الحرب مع إيران والتضخم.. أبرز أسباب الهزيمة
برزت الحرب الأميركية مع إيران بوصفها أحد أبرز العوامل التي ألحقت الضرر بالمرشحين الجمهوريين، بعدما أدت إلى ارتفاع أسعار البنزين والديزل، في وقت كان فيه الناخبون يواجهون ضغوطاً اقتصادية متزايدة.
وقال كريغ شيرلي، الذي عمل مساعداً في البيت الأبيض خلال إدارة الرئيس الأسبق رونالد ريغان، إن الحرب ألحقت ضرراً واضحاً بالمرشحين الجمهوريين، مضيفاً: "لولا الحرب، لكانت النتائج مختلفة كثيراً".
وأضاف شيرلي: "هناك كثيرون يحبون ترامب، لكنهم لا يحبون هذه الحرب اللعينة، ولا ما فعلته بالتضخم وأسعار البنزين والديزل".
كما شكّلت الرسوم الجمركية التي فرضها ترامب عاملاً إضافياً في تراجع الجمهوريين، مع تصاعد المخاوف بشأن ارتفاع تكاليف المعيشة وتأثير السياسات التجارية على الشركات والمستهلكين.
وقال برينكر هاردينغ، الجمهوري الذي خسر في الدائرة الانتخابية بولاية نبراسكا التي مثلها النائب دون بيكون لعقد من الزمن: "أسعار البنزين مرتفعة، والرسوم الجمركية كانت مشكلة".
وفي ميشيغان، اتبع المرشح الجمهوري لمجلس الشيوخ مايك روجرز نهجاً انتقادياً لسياسات الرئيس الجمركية، كما دعا إلى إنهاء الحرب مع إيران، في محاولة لاحتواء الغضب الشعبي من تداعياتها الاقتصادية.
لكن روجرز خسر الانتخابات، في مؤشر على صعوبة فصل المرشحين الجمهوريين عن تداعيات سياسات الإدارة.
مرشحون ضعفاء وقرارات انتخابية مثيرة للجدل
لم تقتصر الاتهامات على الاقتصاد والحرب، بل امتدت إلى خيارات ترامب بشأن المرشحين الذين دعمهم في السباقات الحاسمة.
وقال النائب الجمهوري دون بيكون إن عدم شعبية الرئيس كان "السبب الأول" وراء خسائر الحزب، تليه قراراته بدعم مرشحين ضعفاء في انتخابات مجلس الشيوخ.
وأشار بيكون إلى كين باكستون، المرشح الجمهوري في تكساس الذي تحيط به الفضائح، والسيناتور دارلين غراهام في ساوث كارولينا، معتبراً أن ترامب دفع بمرشحين غير قادرين على تحقيق الفوز.
وقال: "لقد خسرنا سباق مجلس الشيوخ في ساوث كارولينا، بحق السماء! لقد دفع بمرشحين سيئين إلى الواجهة".
وفي تكساس، بدا أن باكستون خسر بفارق أكبر بعدما لم يسعَ إلى إبعاد نفسه كثيراً عن الرئيس، فيما تكبد الجمهوريون خسائر في ولايات محافظة أخرى، رغم تأييد ترامب لمرشحيهم.
وقال ديك وادهامز، المستشار الجمهوري في كولورادو، إن معظم المرشحين الذين خسروا سباقات مجلس الشيوخ المهمة في الولايات المحافظة جرى استقطابهم أو تأييدهم من جانب ترامب. وأضاف: "لم يكن هذا تصويتاً مؤيداً للديمقراطيين، بل كان تصويتاً معادياً لترامب".
الجمهوريون: الرئيس قاد الحزب إلى الانهيار
وصف الاستراتيجي الجمهوري جيسون رو، من ولاية ميشيغان، تحليل ترامب للنتائج بأنه "سخيف"، قائلاً إن الرئيس كان "المهندس الذي قاد الجمهوريين إلى الانهيار".
وأضاف أن ترامب كاد يتحدى الأميركيين للتصويت ضده، مشيراً إلى أن الرئيس اختتم حملته الانتخابية بجولة تضمنت كل ما يمكن أن يثير غضب الناخبين.
وفي ولاية أوهايو، أرجع مؤيدون للسيناتور الجمهوري جون هستد خسارته أمام الديمقراطي شيرود براون إلى سياسات الرئيس.
وقال لويس جيو، وهو مترجم في المحاكم يبلغ من العمر 59 عاماً: "لقد تجاوزنا الحدود"، منتقداً مشروعات البناء التي ينفذها ترامب في واشنطن، ومنها قاعة الاحتفالات في البيت الأبيض. وأضاف: "لماذا الإصرار على أمور كهذه في وقت تحتاج فيه البلاد إلى أشياء أكثر أهمية؟".
وفي مدينة أوكلاهوما، وصف العمدة الجمهوري ديفيد هولت حزبه بأنه "مفلس أخلاقياً وفكرياً"، معتبراً أن أداء الجمهوريين كان إخفاقاً استثنائياً للرئيس.
وقال هولت، الذي عمل في إدارة جورج دبليو بوش: "لا أستطيع التفكير في انتخابات منتصف المدة ترتبط بشكل مباشر أكثر بشخص واحد وبإخفاقه التام. يبدو الأمر وكأن بلداً بأكمله اجتمع ليقول: كفى".
قيادات الحزب تدافع عن ترامب وسط تساؤلات بشأن مستقبله
في المقابل، حاولت القيادات الجمهورية الحد من تداعيات الهزيمة، إذ أصدر زعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ جون ثون بياناً احتفى فيه بما وصفه بإنجازات الحزب خلال العامين الأولين من الولاية الثانية لترامب، من دون التطرق إلى أسباب الخسارة.
وقال ثون إن الجمهوريين سيواصلون العمل مع الرئيس لوقف ما وصفه ب"أسوأ نزعات التطرف الديمقراطي".
كما دافع رئيس مجلس النواب مايك جونسون عن ترامب، قائلاً إن الديمقراطيين يعانون من "متلازمة اضطراب ترامب"، رغم خسارة حزبه السيطرة على المجلس.
لكن الهزيمة أثارت تساؤلات بشأن مدى قدرة الرئيس على الاحتفاظ بنفوذه داخل الحزب خلال العامين الأخيرين من ولايته، خصوصاً مع دعوات جمهوريين إلى تجاوز مرحلة ترامب وإعادة النظر في استراتيجية الحزب.
ترامب: خسارتنا لأنني لم أكن على بطاقة الاقتراع
وفي ختام ردوده على الهزيمة، سعى ترامب إلى إبعاد المسؤولية عن نفسه، معتبراً أن غيابه عن بطاقات الاقتراع حال دون حشد عدد كافٍ من الناخبين الجمهوريين.
وقال ترمب في مقابلة مع صحيفة "نيويورك تايمز"، مساء الثلاثاء، قبل إغلاق مراكز الاقتراع في بعض أنحاء البلاد: "لم أكن على بطاقة الاقتراع، وبسبب عدم وجودي عليها، لم نتمكن من إخراج عدد كافٍ من الناس للتصويت".
كما ألقى الرئيس باللوم على بعض المرشحين الذين أيدهم، قائلاً إنهم لم يتمكنوا من إلهام الناخبين، وإن بعضهم عارضه، وهو ما لم يعجب قاعدته الانتخابية.
غير أن تصريحات ترامب لم تقنع عدداً من الجمهوريين، الذين رأوا أن الرئيس كان حاضراً في الانتخابات من خلال سياساته وقراراته، وأن الناخبين استخدموا التصويت ضد مرشحي الحزب للتعبير عن غضبهم من إدارته.
وقال جون فلايشمان، المدير التنفيذي السابق للحزب الجمهوري في كاليفورنيا، إن الناخبين لم يتمكنوا من التعبير عن إحباطهم مباشرة أمام الرئيس، ولذلك عبّروا عنه من خلال التصويت ضد حزبه.