Sunday 26th of July 2026 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    26-Jul-2026

د. جواد العناني يكتب عن " الهوية والتنمية الاقتصادية"

عمون-

 
د. جواد العناني-
 
شغل علماء الاجتماع وعلماء النفس الاجتماعي بالعلاقة بين الهوية التي يتآلف معها الانسان، والاسلوب الذي يحدد في ضوئه مقدار ما يقدمه من جهد لخدمة بلده ووطنه، وفي هذا الصدد، أهداني الدكتور محمود قظام السرحان نسخة من كتابه العلمي والقيّم المنشور عام (2022) بعنوان " لا تغضب: إدارة الغضب". وهو لا يتحدث فيه عن ظاهرة سرعة فقدان الاعصاب، والدخول في مهاترات واشتباكات مع الآخرين، بل يذهب إلى أعمق من ذلك بكثير ليرينا أن الغضب قد يكون طويل الأجل، ويطبع صاحِبَهُ بالسلبية والسلوك المعادي للمجتمع، ويفت في عضد جهوده الإيجابية لتصبح مساهمته المجتمعية سالبة تأكل جهود الآخرين الإيجابية.
 
وكذلك قرأت الكتاب الصادر عن الاقتصادي الهندي " أمارتيا سين" والموسوم " الثقافة والهوية"، ويتحدث في جزء أساسي منه عن " العنف والهوية". وقد ذكر في بداية الكتاب أنه كان في الثامنة من عمره لما انفصلت الهند والباكستان عن بعضهما البعض. ومن هذه المناطق كانت البنغال التي قسمت إلى جزء هندي وآخر سمي بباكستان الشرقية. في ذلك العام، (أي 1947 ) لحقت مجموعة من الهندوس البنغاليين شاباً مسلماً لقتله. ووصل أثناء هروبه إلى قصر والد هذا الاقتصادي وأخذ يرجو السماح له بالدخول إلى بيتهم. ولكن قبل أن يسمحوا له بذلك، كان اللاحقون به قد أدركوه وقتلوه.
 
وشهد الطفل أمارتيا هذه الحادثه. أما أبوه وقد كان من البراهمه التي هي أعلى طبقة في الهند قد غضب على القَتَله وسألهم لماذا قتلتموه، فقالوا " إنه مسلم: إنه مسلم". وتساءل الطفل لماذا عرَّفوه بأنه مسلم، ولم يعرفوه بأنه هندي؟ ولماذا لم يعرفوه على أنه بنغالي، وهما هويتان واسعتان. ولكن هذين التعريفين لهوية المغدور لا يبرران قتله . ولذلك لجأ المهاجمون إلى اختصار هويته بالإسلام حتى يبرروا فعلتهم فيه.
 
وقد استقى الطفل أمارتيا لما كبر العبرة من هذه التجربة العميقة واستخدمها لتشكل جزءاً من كتابه المرموق الذي ذكرناه أعلاه. وقد فاز أمارتيا سين" بجائزة نوبل في الاقتصاد عام 1998 على مؤلفاته التي تربط مفهوم التنمية بالتركيبة المجتمعية.
 
ونحن في الأردن نعلم أن هذا البلد العزيز الغالي لم يبخل بفتح أبوابه للذين أتوا إليه طالبين الملاذ والأمن في ربوعه من الوطن العربي وغيره. وعلى الرغم من شح موارده القابلة للاستثمار عبر الزمن، إلا أنه حافظ على تلك الميزة، والتي انعكست على سلوكه الجمعي ليس في التعامل مع اللاجئين والنازحين إليه، ولكنها انعكست أيضاً على وفائه بالتزاماته تجاه كل عمل عربي مشترك. فهو عضو في كل تجمع عربي يُقْصد به دعم التكامل والتداخل العربي المثمر باستثناء الأوابك. ولم يتخلف يوماً عن دفع المستحقات عليه إلى كل المؤسسات الإقليمية والإسلامية والدولية والتي هو عضو فيها. وهذا السلوك هو جزء نابع من هوية الشعب الأردني وروحه، ويتصرف الأردني حيالها بعفوية خالصة بدون مِنَّه أو ملامة.
 
ونتيجه لهذا السلوك الواضح، بادل غالبية القادمين إلى الأردن هذا الصنيع ببذل ما يستطيعونه كي لا يكونوا عبئاً على موارده العامة والخاصة. فالسوريون الذين لجأوا إلى الأردن من سوريا ولبنان بعد مفاوضات سايكس بيكو، أسهموا في بناء الأردن مع رجال الأعمال الأردنيين، واستثمروا في الفوسفات والإسمنت والمصفاه والكهرباء والبطاريات، والدباغة، وغيرها من المصانع التي مُنِحت حق الامتياز لأعوام طويلة. ورأينا أيضا أن الهجرة من فلسطين قد جلبت معها رؤوس أموال وخبرات صناعية وتجارية ولوجستية كثيرة، وحتى مخيمات اللاجئين الفلسطينيين محدودة المساحة والجغرافيا وكثيفة السكان، وفرت المناخ المناسب للشراكات بين سكان المخيم والبيئة الأردنية الحاضنة حولها. وهكذا أصبحت المخيمات كأنها مناطق اقتصادية خاصة في الزراعة والحرف والخدمات.
 
وكذلك كان الحال مع القادمين من العراق وسوريه وليبيا واليمن وغيرها من الأقطار العربية خاصة منذ بدء الربيع العربي والحروب الداخلية والخارجية التي ارتبطت به في العقدين الأولين من هذا القرن الحادي والعشرين، دخل إلى الأردن أعدادٌ بالملايين، إما طلبا للملاذ أو سعياً للعمل، ولذلك يقدر في الوقت الحاضر أن أكثر من ثلاثة مليون عربي يسكنون في الأردن، ولذلك ارتفع حجم السكان إلى أكثر من (12) مليون نسمة. علماً أننا في العام 2009 كنا نتوقع أن يصل عدد سكان الأردن إلى هذا الرقم في عقد الأربعينات من هذا القرن، وهذا يعني أننا خسرنا حوالي عشرين عاماً لبناء الطاقة الاستيعابية لهذا العدد المتزايد والكبير من السكان المقيمين في الأردن. وقد خلق هذا الوضع ازدحاماً كبيراً على الخدمات والسكن والطاقة والماء وإعادة التدوير والمدارس والعيادات والمستشفيات الحكومية، وأدى إلى زيادة الإنفاق على البنية التحتية، ورفع من تكاليف المعيشة على الأردنيين.
 
وينحدر أهل الأردن والمقيمون فيها من حوالي (52) هوية على أساس الجغرافيا أو العرق أو الدين. وإذا كنت تجلس في سهرة مع مجموعة وأرادوا أن يهاجموا شخصاً ما، فإنهم يبدأون بممارسة اختزال هويته حتى يجدوا له واحدة لا تنطبق على أي من الجالسين في السهرة، فينهالون عليه استغابة وأكلاً في لحمه.
 
هذا السلوك الغاضب عدو للتنمية، خاصة عندما يبدأ يؤثر في السياسات العامة وفي سلوك الأردنيين الذين يجدون في التزاحم مع القادمين الجدد ما يقض مضاجعهم ويشوش عليهم انماط رزقهم ومصادر معيشتهم. ولهذا يلجأ البعض إلى هويته لكي يستعملها ضد من لا يشاركونه تلك الهوية. ويصاحب هذه الظاهرة الشعور بأن من لا يشاركهم هويتهم هو شخص من السهل التهجم عليه لأنه ليس له عُزْوة. وحيث أن الناس لا تقبل الظلم طويلاً، فإن المستضعفين سيبدأون في تشكيل ترتيبات مضادة حتى يدافعوا عن أنفسهم. وهنا تكمن الخطورة في أن المجتمع يفقد تآلفه وتماسكه وتتراجع معدلات النمو فيه، ويزداد النفور، وتصبح الكلمات سيوفاً حادة تؤرق المجتمع.
 
ولذلك ليس أمامنا إلا أن نقبل بالهوية الشاملة بدون التفريط بالهويات الفرعية التي تغني المجتمع وتنوع قدراته، وتسمو به إلى الأعلى. إن المواطن الأردني الذي يدفع ضريبة ويؤدي حقوقه المدنية له الحق أن ينافس على الوظائف، وأن يستفيد من الحكومة وأن تتوفر له الحماية، وأن تيسر أمامه أبواب الاستثمار.
 
في نظرية الديناميكا الحرارية الثانية يبرز مفهوم البعثرة والتي تسمى Entropy))، وهي عكس كلمة الطاقة المتكاملة( Synergy). وفي القانون نرى أن الإنتاج من الكهرباء نتيجة استخدام الشلالات (كهرومائية) يتضاعف عندما تسقط جزيئات الماء في اتجاه واحد ومتزامن، ولكنها إن تبعثرت ضاع جزء كبير من الطاقة الكهربائية التي يمكن توليدها.
 
هذا هو حال المجتمعات. لما كنا متآلفين كانت لنا طاقة إيجابية خلاقة يفوق فيها إنتاج المجموعة المتآلفة عن مجموع كل فرد واحد فيها. وهذا ما يمكن أن نسميه بالبركة. أما علماء الاقتصاد فيسمونه "رأس المال الاجتماعي".