الدستور - رنا حداد -
لا يبدو الفنان التشكيلي الأردني أنور حدادين معنيًا بأن تبقى اللوحة مجرد مساحة معلقة على جدار. في تجربته، للون حكاية، وللخامة ذاكرة، وللعمل الفني قدرة على أن يغادر مكانه ليصل إلى الناس والمؤسسات والمناسبات وحتى إلى طوابع البريد.
وربما لهذا السبب جاءت تجربته ممتدة بين الفن والتصميم، وبين المعرض والفضاء العام، وبين المحلية والانفتاح على العالم. فالفنان الذي اختار «الكولاج» مساحة أساسية للتعبير، استطاع أن يقدم أعماله في عواصم ومدن عربية وأجنبية، وأن يحصد جوائز ومراكز متقدمة، فيما بقي الأردن حاضرًا في تفاصيل تجربته وفي كثير من أعماله وتصاميمه.
من أبرز محطات مسيرته مشاركته في مهرجان الفن التشكيلي الدولي في دبي، ضمن فعالية شارك فيها فنانون يمثلون 50 جنسية من مختلف دول العالم، حيث كان الرسم يجري في الوقت نفسه بمشاركة هذا العدد الكبير من الفنانين. وكانت تلك المشاركة محطة استثنائية في تجربته، انتهت بحصوله على شهادة غينيس للأرقام القياسية المرتبطة بأكبر مشاركة فنية في المهرجان.
لكن غينيس لم تكن وحدها في سجل الفنان. ففي لبنان، حقق حدادين المركز الأول في السمبوزيوم الدولي في بيروت عام 2019، بدعوة من بلدية زوق مكايل، كما عاد من فيينا، عاصمة النمسا، بالمركز الأول في مهرجان الألوان الدولي عن أفضل عمل فني.
وفي عام 2016، كان له حضور آخر مع جوائز جامعة فيلادلفيا، حين حصل على المركز الأول وأفضل عمل فني على مستوى المملكة، في محطة أخرى عززت حضوره ضمن المشهد التشكيلي الأردني.
الكولاج.. أكثر من تقنية
يحتل الكولاج موقعًا خاصًا في تجربة أنور حدادين. فهو لا يتعامل معه بوصفه مجرد تقنية فنية، بل كمساحة مفتوحة للتجريب والمزج بين عناصر مختلفة، وإعادة ترتيب التفاصيل بطريقة تمنحها معنى بصريًا جديدًا.
ولأن تجربته في هذا المجال لفتت الانتباه، انتقلت من قاعات العرض إلى المجال الأكاديمي، حيث نوقشت في جامعة اليرموك أول رسالة ماجستير عن أعماله في فن الكولاج، لتصبح تجربته موضوعًا للدراسة والبحث إلى جانب حضورها في المعارض.
كما وصلت إحدى لوحاته في الكولاج إلى فضاء مختلف تمامًا عن قاعات الفن. فقد طُبع أحد أعماله، ويحمل عنوان «المجوس»، على بطاقات بمناسبة عيد الميلاد، ووزعت في أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا، بينما توجد اللوحة الأصلية في إحدى الكنائس في ألمانيا.
من اللوحة إلى ذاكرة الوطن
إلى جانب تجربته التشكيلية، صنع حدادين حضورًا مهمًا في عالم التصميم، خصوصًا في مجال الشعارات والطوابع البريدية. وقد صمم عددًا كبيرًا من الشعارات الخاصة بمؤسسات وطنية وجامعات ومناسبات وأعياد وطنية.
ومن بين الأعمال التي ارتبط اسمه بها تصميم شعارات الهيئة الخيرية الأردنية الهاشمية، ووكالة الأنباء الأردنية، وبلدية المفرق، واتحاد الجامعات العربية، إلى جانب شعار مجموعة السلام العربي وشعار اليوبيل الماسي لنقابة المحامين الأردنيين، فضلًا عن مجموعة من الشعارات الخاصة بالمناسبات الوطنية وأعياد الاستقلال.
كما صمم طوابع بريدية، من بينها أول طابع بريدي لتسلم جلالة الملك عبدالله الثاني سلطاته الدستورية، وهي أعمال تتجاوز قيمتها التصميمية لتصبح جزءًا من الذاكرة البصرية للمكان والزمان.
وفي القاهرة، حصل على المركز الأول في مسابقة تصميم بوستر اليوم العربي للإسكان الذي ينظمه مجلس وزراء الإسكان والتعمير العرب المنبثق عن جامعة الدول العربية، عن تصميم حمل عنوان «المسكن حق إنساني».
حضور أردني في المشهد العالمي
لم تكن مشاركاته الدولية مجرد محطات عابرة. فقد تنقل بتجربته بين إيطاليا وفرنسا والنمسا وألمانيا واليونان ومصر ولبنان وتونس والمغرب والإمارات وتركيا، إلى جانب مشاركاته في المعارض والمهرجانات الأردنية.
وفي الأردن، كان حاضرًا في مناسبات فنية وثقافية بارزة، من بينها مهرجان جرش للثقافة والفنون ومهرجان الفحيص للثقافة والفنون، إلى جانب مشاركته في معرض مادبا بمناسبة اختيارها عاصمة للسياحة العربية.
كما شارك في معرض دولي أقيم في القاهرة داخل قاعة جريدة الأهرام للفنون، تحت عنوان «الفلكلور والشعوب»، في تجربة فتحت مساحة أخرى للتفاعل بين الفن والهوية والثقافات. وفي الجامعة الألمانية، شارك في مؤتمر حول الثقافة والفنون في كلية التصميم والفنون، وحصل على درع الجامعة تقديرًا لمشاركته.
امتدت علاقته بالمشهد الفني إلى ما هو أبعد من إنتاج الأعمال، إذ شارك عضوًا في لجان تحكيم فنية لعدد من المؤسسات والمدارس والجامعات وأندية الليونز الدولية، وحصل على شهادات تقدير عربية ودولية ومحلية وكتب شكر من مؤسسات أردنية مختلفة. وهو عضو في رابطة الفنانين التشكيليين الأردنيين، وعضو في عدد من الروابط الفنية المحلية والعربية والدولية، كما يحمل عضوية شرفية في أندية منظمة زيرفاس آرت العالمية للفنون ونادي اليونسكو للفن، إلى جانب عضويته في الاتحاد العالمي للفنانين التشكيليين العرب وجمعية تكوين للفنون في لبنان.
وتوجد أعماله ضمن مقتنيات عدد من المؤسسات الأردنية والسفارات الأردنية في الخارج، إضافة إلى مقتنيات شخصية، وهو ما يمنح تجربته امتدادًا يتجاوز زمن المعرض إلى ذاكرة الأشخاص والأماكن.
عشرون عملًا في الفحيص
وفي الدورة الثالثة والثلاثين من مهرجان الفحيص للثقافة والفنون، عاد أنور حدادين إلى المشهد المحلي بحضور لافت، مقدمًا نحو 20 عملًا فنيًا في فن الكولاج، مستخدمًا ألوان الأكريليك إلى جانب مجموعة من الخامات.
كانت مشاركته امتدادًا لتجربة لم تتوقف عند شكل واحد أو مادة واحدة، بل ظلت تبحث عن احتمالات جديدة للوحة.
وربما تختصر هذه التجربة حكاية أنور حدادين كلها: فنان بدأ من اللوحة، لكنه لم يسمح لها أن تكون حدودًا. ترك للخامة أن تقوده إلى الكولاج، وللتصميم أن يأخذه إلى الشعارات والطوابع، وللمشاركة أن تفتح أمامه أبواب العالم، ثم عاد في كل مرة إلى المكان الذي انطلقت منه الحكاية، إلى الأردن. فالفن بالنسبة إليه ليس مجرد إنجاز يوضع في سيرة ذاتية، بل أثر يتركه الإنسان خلفه، في لوحة، أو طابع، أو شعار، أو ذاكرة شخص وقف ذات يوم أمام عمل فني وشعر أن شيئًا منه يشبهه.