Tuesday 20th of October 2026 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    20-Oct-2026

المحور السري في الرياض… هل تستخدم واشنطن حرب الحوثيين لإدخال إسرائيل إلى قلب التحالف الدفاعي الإسلامي؟
جو24 -
من غرف عمليات «سنتكوم» إلى تحالف مكة… تقرير استخباراتي إسرائيلي يتحدث عن لقاء ضباط إسرائيليين وباكستانيين على الأراضي السعودية، وسط تساؤلات عن الدور الأمريكي في إعادة هندسة أمن الجزيرة العربية. فهل تتحول الحاجة إلى مواجهة الصواريخ الحوثية إلى بوابة لشراكة استخباراتية مع إسرائيل، تتجاوز التطبيع السياسي وتضع التحالف الإسلامي أمام اختبار السيادة والقرار المستقل؟
 
ليست كل التحالفات العسكرية التي تُعلن أمام الكاميرات هي التي تصنع موازين القوى، فبعض أخطر التحولات الاستراتيجية يبدأ داخل غرف مغلقة، حين تتحول المعلومات الاستخباراتية إلى أداة لإعادة ترتيب العلاقات بين الدول، ويصبح العدو السياسي شريكاً أمنياً غير معلن، وتتحول الحاجة إلى الحماية من تهديد خارجي إلى مدخل لاختراق منظومة الأمن القومي من الداخل.
 
بهذا المعنى، لا يمكن التعامل مع التقرير الذي نشره موقع «نتسيف نت» الإسرائيلي، في التاسع عشر من تشرين الأول 2026، باعتباره مجرد تسريب عن اجتماع استخباراتي في الرياض، وإنما بوصفه مؤشراً إلى تصور إسرائيلي أوسع لمستقبل التحالفات الأمنية في المنطقة، حتى وإن بقيت تفاصيل الرواية بحاجة إلى إثبات مستقل.
 
فالتقرير، الذي حمل عنوان «المحور السري في الرياض: هكذا اجتمع ضباط استخبارات إسرائيليون وباكستانيون تحت الرعاية الأمريكية»، نقل رواية عن ضابط باكستاني فوجئ، خلال مشاركته في اجتماع لتبادل المعلومات الاستخباراتية على الأراضي السعودية، بوجود ضباط إسرائيليين إلى جانب ممثلين عن القيادة المركزية الأمريكية «سنتكوم».
 
والأهمية هنا لا تتعلق فقط بصحة الاجتماع أو نفيه، بل بما يكشفه طرح هذه الرواية عن محاولة إدخال إسرائيل إلى معادلة الأمن الخليجي من بوابة التهديد الحوثي، وبمظلة أمريكية تسمح بتجاوز الحساسيات السياسية والدينية التي تحول دون قيام علاقات رسمية بين الأطراف المعنية.
 
فالسعودية، التي تواجه تحديات أمنية مرتبطة بالصواريخ والطائرات المسيّرة الحوثية، تجد نفسها أمام معضلة استراتيجية تتجاوز القدرة على اعتراض المقذوفات؛ إذ إن الحماية الفاعلة تتطلب منظومة متكاملة من الإنذار المبكر والاستطلاع الفضائي والاستخبارات الإلكترونية وتحديد منصات الإطلاق قبل استخدامها.
 
وهذه تحديداً هي المساحة التي تسعى إسرائيل إلى تقديم نفسها من خلالها شريكاً أمنياً يمتلك قدرات يصعب الاستغناء عنها.
 
لكن السؤال الأخطر: هل تحتاج السعودية إلى إسرائيل لحماية أمنها، أم أن واشنطن تحاول تحويل الحاجة السعودية إلى المعلومات الاستخباراتية إلى وسيلة لإعادة تشكيل التحالفات الإقليمية وفق المصالح الأمريكية والإسرائيلية؟
 
تزداد حساسية هذا السؤال عند ربط التقرير الإسرائيلي بتحالف مكة الدفاعي، الذي يجمع السعودية وباكستان وتركيا، والذي يفترض أن يشكل إطاراً لتعزيز القدرات الدفاعية المشتركة، وتوسيع التعاون العسكري بين ثلاث دول تمتلك ثقلاً سياسياً وعسكرياً واقتصادياً مهماً في العالم الإسلامي.
 
فباكستان ليست دولة عادية في هذه المعادلة؛ إنها قوة نووية، وجيشها من أكبر الجيوش الإسلامية، وترتبط بعلاقات دفاعية تاريخية مع السعودية، بينما تمتلك تركيا قاعدة صناعية عسكرية متقدمة وخبرات عملياتية واسعة.
 
ومن الناحية الاستراتيجية، فإن اجتماع هذه القدرات يفترض أن يفتح الطريق أمام بناء منظومة دفاع إقليمية أكثر استقلالاً، لا أن تصبح هذه المنظومة محتاجة إلى طرف إسرائيلي للحصول على المعلومات التي تمكنها من أداء وظائفها الأساسية.
 
وهنا يظهر التناقض الذي يستحق التوقف عنده.
 
فإذا كانت السعودية قد اتجهت إلى تعزيز تحالفها مع باكستان وتركيا بهدف توسيع خياراتها الأمنية، فما الذي يدفعها، وفق الرواية الإسرائيلية، إلى البحث عن معلومات استخباراتية إسرائيلية عبر القيادة الأمريكية؟
 
هل يتعلق الأمر بثغرات تقنية محددة في منظومات الرصد والاستطلاع، أم بمحاولة أمريكية للإبقاء على مفاتيح الأمن الإقليمي داخل منظومة تقودها واشنطن، حتى عندما تسعى دول المنطقة إلى إقامة ترتيبات دفاعية مستقلة؟
 
لا يقدم التقرير دليلاً حاسماً على أي من الاحتمالين، لكنه يفتح الباب أمام قراءة تتجاوز التفاصيل العسكرية إلى طبيعة النفوذ الأمريكي في المنطقة.
 
فالولايات المتحدة، بعد إدراج إسرائيل ضمن نطاق مسؤولية القيادة المركزية الأمريكية، أصبحت تمتلك إطاراً مؤسسياً يسمح بتنسيق أمني بين إسرائيل ودول عربية دون اشتراط قيام علاقات دبلوماسية مباشرة بينها.
 
وهذا التحول ليس تفصيلاً إدارياً، بل تطور استراتيجي يمنح واشنطن القدرة على إدارة شبكات تبادل المعلومات والإنذار المبكر والتنسيق العسكري، ويتيح لإسرائيل الاستفادة من موقعها داخل هذه الشبكات.
 
ومن هنا يصبح التطبيع الأمني، إن حدث، سابقاً للتطبيع السياسي، بل قد يتحول إلى وسيلة للضغط باتجاهه.
 
أما باكستان، فإنها تجد نفسها أمام اختبار أكثر تعقيداً؛ لأنها لا تعترف بإسرائيل، وتتبنى موقفاً معلناً داعماً للحقوق الفلسطينية، بينما ترتبط في الوقت نفسه بالتزامات دفاعية مع السعودية وعلاقات عسكرية وثيقة مع الولايات المتحدة.
 
ولذلك فإن مجرد احتمال وجود ضباط باكستانيين وإسرائيليين داخل غرفة استخباراتية واحدة، إذا ثبت، يثير أسئلة عن حدود التنسيق العسكري، ومدى معرفة إسلام آباد بطبيعة الترتيبات التي تشارك فيها قواتها.
 
لكن ثمة احتمالاً آخر لا يجوز إغفاله، وهو أن يكون تسريب هذه الرواية جزءاً من حرب نفسية تهدف إلى إحراج السعودية وباكستان، وإثارة الشكوك داخل تحالف مكة، وإظهار إسرائيل باعتبارها طرفاً حاضراً في الترتيبات الأمنية الإسلامية، سواء تحقق ذلك فعلياً أم لم يتحقق.
 
وهذا الاحتمال لا يقل أهمية عن الرواية الأصلية، لأن الحروب الاستخباراتية لا تستهدف دائماً كشف الأسرار، بل قد تستهدف صناعة انطباعات سياسية تفرض نفسها على حسابات الدول.
 
وفي الحالتين، تبدو إسرائيل المستفيد المحتمل من انتشار هذه الرواية؛ فإذا صحت، فإنها تعني اتساع حضورها الأمني غير المعلن، وإذا لم تصح، فإن مجرد تداولها قد يخدم محاولات إرباك العلاقات بين أطراف التحالف الإسلامي.
 
غير أن القضية الأعمق تبقى مرتبطة بمستقبل الأمن السعودي نفسه.
 
فمواجهة الحوثيين لا ينبغي أن تتحول تلقائياً إلى مبرر لإعادة رسم التحالفات بصورة تجعل أمن الجزيرة العربية مرتبطاً بإسرائيل، ولا إلى مدخل يضع الدول الإسلامية أمام خيار مصطنع بين الحماية العسكرية والاستقلال السياسي.
 
فالسعودية تمتلك من الثقل السياسي والاقتصادي، ومن العلاقات الدفاعية مع باكستان وتركيا، ما يجعل بناء قدرات أمنية مستقلة خياراً استراتيجياً يستحق الاستثمار، حتى لو استمر التعاون العسكري والتقني مع الولايات المتحدة.
 
كما أن التوصل إلى ترتيبات سياسية وأمنية مستقرة مع اليمن يبقى مساراً لا يمكن تعويضه بمنظومات الاعتراض أو غرف الاستخبارات مهما بلغت كفاءتها.
 
فالتهديد الحوثي، مهما بلغت خطورته، يظل تحدياً أمنياً يمكن التعامل معه بأدوات عسكرية وسياسية، أما تحويله إلى ذريعة لإعادة هندسة أمن الجزيرة العربية وإدخال إسرائيل إلى بنيته الاستراتيجية، فقد يخلق تحديات أبعد مدى من التهديد الذي يُراد احتواؤه.
 
وهنا تتجاوز المسألة اجتماعاً استخباراتياً مزعوماً في الرياض، لتصل إلى سؤال يتعلق بمستقبل المنطقة بأكملها: من يمتلك القرار الأمني، ومن يحدد طبيعة التهديدات، ومن يختار الشركاء، ومن يتحكم بالمعلومات التي تُبنى عليها قرارات الحرب والسلام؟
 
إن التحالفات لا تفقد استقلالها بالضرورة عندما تتبادل المعلومات مع الآخرين، لكنها تصبح عرضة للتبعية عندما تفقد القدرة على إنتاج معلوماتها الخاصة، وتصبح قراراتها الأمنية رهينة تقديرات أجهزة استخبارات خارجية.
 
وفي النهاية، لن يكون السؤال الأهم ما إذا كان ضابط إسرائيلي قد جلس إلى جانب ضابط باكستاني في الرياض، بل ما إذا كانت واشنطن تسعى إلى بناء مظلة أمنية إقليمية تحمي دول المنطقة، أم إلى هندسة منظومة تجعل إسرائيل شريكاً لا يمكن تجاوزه في أمن الجزيرة العربية.
 
فأخطر الاختراقات الاستراتيجية ليست تلك التي تعبر الحدود بالطائرات والصواريخ، وإنما تلك التي تدخل من أبواب الحماية، وتستقر داخل غرف القرار، ثم تتحول مع مرور الوقت من تعاون استخباراتي مؤقت إلى واقع سياسي يصعب التخلص منه.