الغد
هآرتس
بقلم: جاكي خوري 29/4/2026
ربما تكون تصريحات نفتالي بينيت وزعيم المعارضة يئير لبيد، أنهما لن يشكلا حكومة تعتمد على دعم حزب عربي، تنبع من حسابات سياسية دقيقة. وربما تكون هذه تكتيك يهدف إلى استقطاب أصوات اليمين المعتدل، وخلق الشعور بـ"التوافق الصهيوني"، وبالتالي، تحييد الهجمات المتوقعة من اليمين السياسي و"آلة التشويه" المنظمة. والأمر نفسه، ينطبق على دعوة رئيس حزب "يشار" لغادي ايزنكوت للقاء بين رؤساء أحزاب المعارضة من دون الأحزاب العربية. ولكن من وراء هذا التكتيك تكمن حقيقة مقلقة وعميقة، تكشف مدى نجاح حملة نزع الشرعية التي يشنها اليمين ضد الجمهور العربي في إسرائيل، ومستوى عمق خوف ما تبقى من اليسار من الرد عليها.
لذلك، فإن عبارة "الاعتماد على الصهاينة" ليست مجرد رسالة انتخابية، بل هي خط فاصل أخلاقي يرسم خطا فاصلا بين الداخل والخارج، بين الشرعي والباطل، من البداية. عندما يرسم ثلاثة من قادة المعسكر الذي يسعى لخلافة رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو هذا الخط الفاصل، فإن الرسالة الموجهة للجمهور العربي تصبح واضحة جدا، حتى البديل لا يعتبر أنكم شركاء كاملون.
لا يمكن للمرء إلا أن يتخيل ماذا سيحدث، إذا أعلن مرشح في دولة غربية نيته تشكيل حكومة "بدون يهود"، أو بدون التعاون معهم. كانت عندها ستندلع ضجة شعبية عارمة في إسرائيل، وستنهال اتهامات معاداة السامية من كل حدب وصوب. في السابق كانت شرعية هذا المرشح ستقوض، وكان النظام السياسي كله سيحتشد ضده. أما بالنسبة للمواطنين العرب في إسرائيل، الذين يمثلون حوالي خمس السكان، فإن تصريحات مشابهة تطلق بشكل روتيني من دون أن تثير أي استغراب يذكر.
كثيرا ما يتحدث لبيد عن رؤية "إسرائيل الجديدة"، وهي دولة يفترض أن تضمن مستقبلا أفضل لكل مواطنيها. ولكن الواقع على الأرض يقوض أساس هذه الفكرة. فعمليا، عندما تتضمن نقطة انطلاق لبيد الإقصاء السياسي لشريحة كبيرة من الجمهور، يصعب تخيل كيفية تحقيق رؤيته. فبدلا من "إسرائيل الجديدة"، سنحصل على نسخة محدثة من السياسة القديمة نفسها، معسكر "نعم لنتنياهو" في مواجهة معسكر "لا لنتنياهو"، من دون تغيير جذري في مفهوم الشراكة المدنية، وبالتالي من دون أفق سياسي أو نهاية للاحتلال.
على النقيض من ذلك، أوضح بينيت أيضا أنه في حالة انتخابه سيبقي نصف قطاع غزة تحت سيطرة إسرائيل، وأكد أنه لن يتنازل عنها مهما كانت الظروف. وعلى النقيض من القطاع، لم يشر بينيت على الإطلاق للضفة الغربية، حيث يقوم المستوطنون والجيش بضمها بحكم الأمر الواقع، في حين يطردون الفلسطينيين من مساحات كبيرة ويرتكبون أعمال عنف. وفي إسرائيل تطبق قوانين مثل، قانون القومية وقانون كمنتس.
إن عدم الرغبة في قبول الجمهور العربي كشريك سياسي، له بعد أمني واجتماعي. بل إن الأمر يسوء أكثر. فمنذ هجوم 7 تشرين الأول (أكتوبر)، أصبحت قطاعات واسعة من الجمهور اليهودي تجد صعوبة في تقبل فكرة الشراكة السياسية مع الأحزاب العربية. فقد أصبح الخوف والصدمة وعدم الثقة أدوات سياسية، من السهل استخدامها لتبرير الخطوط الحمراء وكسب المزيد من المقاعد، لكن القيادة الحقيقية تقاس بالقدرة على توسيع أفق الشراكة وليس تضييقه، ولا سيما، في أوقات الأزمات.
كما يكشف رد فعل النظام السياسي على تصاعد العنف في إسرائيل، في المجتمع اليهودي والمجتمع العربي، عن النفور من المواطنين العرب. فقد حشد النظام كله قوته عندما وقعت جريمة قتل فظيعة في بيتح تكفاه، لكن عندما يندلع العنف في المجتمع العربي، فعلى الأغلب يكون الرد بطيا أو جزئيا أو مشروطا. في السياقات السياسية كانت تصريحات بينيت ولبيد بشأن قضية العنف مهمة، لكنها لم تغير الشعور السائد في الرأي العام العربي: هذا اهتمام انتقائي، وليس سياسة متسقة.
في الوقت نفسه، تستمر الحملات السياسية على النهج المنفر نفسه. فمحاولة حزب الليكود استخدام صورة منصور عباس كأداة للهجوم، على سبيل المثال من خلال صور مولدة بالذكاء الاصطناعي، تقارنه بلبيد وبينيت، تهدف إلى إثارة مخاوف قديمة. ولكن الرأي العام لا ينسى بسهولة أن نتنياهو نفسه، دون غيره، هو الذي شرع في السابق شراكة مع حزب عربي عندما حاول استمالة أصوات الجمهور العربي، في حملة "أبو يئير" في انتخابات 2020.
الوضع لا يختلف كثيرا الآن. البديل السياسي المتمثل ببينيت ولبيد وايزنكوت يتوقع من الجمهور العربي التوجه إلى صناديق الاقتراع ودعم التغيير، سواء بالتصويت لأحزابهم أو للأحزاب العربية التي يمكن التعاون معها. من جهة أخرى، يتبنون خطابا يبعدهم عنهم، وهذا توتر لا يدوم طويلا. فالجمهور الذي يشعر بالإقصاء من اللعبة السياسية مسبقا، قد يختار مسارا من مسارين: مقاطعة الانتخابات بسبب اليأس، أو الاتحاد مع تمثيل مستقل أقوى. قد يتخذ هذا التمثيل شكل قائمة مشتركة كبيرة، تسعى إلى تعظيم النفوذ السياسي والتأثير على الحكومة المستقبلية من الخارج.
بهذا المعنى، تصبح استراتيجية بينيت ولبيد وايزنكوت سلاحا ذا حدين. فقد تجذب أصواتا من اليمين، لكنها قد تشجع الناخبين العرب على مقاطعة الانتخابات، الأمر الذي سيؤدي إلى تغيير ميزان القوة، أو التصويت للأحزاب العربية فقط. إضافة إلى ذلك، يعمق رؤساء حزب "معا" وحزب "يشار" الشعور بالاغتراب لدى الجمهور العربي. وحتى لو تم تشكيل حكومة جديدة من دون نتنياهو، فإنه لن يزول هذا الشعور.
المصوتون في الانتخابات المقبلة، سيضطرون إلى تحديد ليس فقط من سيخلف نتنياهو، بل والأهم من ذلك، كيف سيكون النظام السياسي الذي سيقام بدلا منه، الذي صمم على صوته. إذا أقيمت "إسرائيل الجديدة" على أساس استبعاد 20 % من مواطنيها، فلن تكون جديدة حقا، بل ستكون استمرارية مباشرة للنظام القديم نفسه. يحتاج التغيير السياسي الحقيقي نوعا مختلفا من الشجاعة، ليس فقط تغيير القيادة، بل أيضا إعادة تعريف حدود الشراكة المدنية.