Wednesday 20th of May 2026 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    20-May-2026

عصر ما بعد الحقيقة

 الغد

ترجمة: علاء الدين أبو زينة
سيف زمان* - (كاونتربنش) 14/5/2026
 
لا يتعلّم التلاميذ الكثير عن القمع والاستغلال والانتهاكات التي تعرّضت لها الشعوب الأصلية والمجتمعات المستعمَرة على أيدي القوى الإمبريالية. وحتى عندما يتم الاعتراف بهذه الوقائع، فإنها كثيرًا ما تُقدَّم باعتبارها جزءًا من "رسالة تمدينية" مزعومة، بدلًا من مواجهتها بنزاهة باعتبارها مظالم وانتهاكات صرفة.
 
 
إننا نعيش، بلا أدنى شك، في عصر ما بعد الحقيقة؛ في حقبة تتغلّب فيها الأكاذيب والتحريفات والسرديات المُصنَّعة، في كثير من الأحيان، على الوقائع والعقل. ويبدو المجتمع عالقًا في معضلة متكررة: هل نحن بصدد إعادة تعريف ما يُشكّل "الحقيقة"، أم أننا بصدد إعادة تعريف "الزيف" نفسه فحسب؟ في بعض الأوقات، نبدو كأننا منخرطون بلا نهاية في محاولة عبثية لإعادة اختراع العجلة.
بوصفي شخصًا ينتمي إلى جيل طفرة المواليد في أواسط القرن العشرين، والذي قضى معظم حياته المهنية في الأكاديميا، أصبحت أقدّر امتيازات الشيخوخة وأعباءها معًا. ثمة مزايا متواضعة لبلوغ السبعين من العمر، لكنها تقترن أيضًا بآلام جسدية ونفسية لا يمكن لأي تنازلات أو تعزية أن تخفف وطأتها.
تبدو الأزمنة التي نعيشها اليوم كابوسية ومثيرة لقلق عميق متزايد. اليوم، تبدو الولايات المتحدة في نظر الكثير من المراقبين، وهي التي اعتُبرت طويلًا حصنًا للحرية والمثل الديمقراطية وسيادة القانون، وكأنها تنجرف نحو ثقافة سياسية أكثر سلطوية. وقد أبقاني هذا الواقع مستيقظًا في ليالٍ لا تُحصى. ولم يكن ذلك خوفًا من المجهول، وإنما لأنه يثير في النفس تأملًا لا يهدأ. وغالبًا ما أجد نفسي وأنا أتفكّر في مدى التغيّر العميق الذي أصاب الحياة؛ بل العالم نفسه، وفي ما إذا كان مُقدّرًا لهذا التحوّل أن يستمر لأجيال مقبلة.
ربما تكون الحقيقة نفسها هي أكبر ضحايا عصر ما بعد الحقيقة. ثمة الحقيقة الأصيلة التي تُدفن في كثير من الأحيان تحت طبقات من التضليل، وأنصاف الحقائق، والسرديات المتنافسة، ونظريات المؤامرة، والوقائع المصنَّعة بعناية. وقد أدّى انتشار الأخبار الكاذبة و"الحقائق البديلة" إلى حجب ما كان يبدو ذات مرة بديهيًا. لقد أصبحت الحقيقة سلعة هشّة وموضوعًا للتنازع في هذا العصر ما بعد الحداثي، الذي قد تكون حالة ما بعد الحقيقة عرَضًا طبيعيًا له.
وقد أسهمت التيارات الفكرية المألوفة، مثل النسبية الأخلاقية والمادية التاريخية -"المتهمان المعتادان"، إذا جاز التعبير- في تشكيل هذا المناخ. فقد سعت ما بعد الحداثة، في أصلها، إلى تحدّي البنى الراسخة للسلطة والأيديولوجيا والهيمنة. لكنّ إرثها الثقافي الأوسع ربما أسهم أيضًا في خلق عالمٍ لم تعد فيه أي فكرة أو مؤسسة أو سردية تاريخية أو مبدأ أخلاقي في منأى عن التشكيك، حتى عندما يستند هذا التشكيك نفسه إلى أسس واهية. كل شيء موضع للاستنطاق، لكن القليل جدًا يجري تأكيده أو إقراره.
مع ذلك، لم تكن الحقيقة في أي يوم شيئًا يسهل تقبّله. وهي تصبح شيئًا غير مرحَّب به بشكل خاص عندما تهدد مصالح أولئك الذين يمسكون بزمام السلطة. إننا نأسف لتآكل الديمقراطية، والإجراءات القانونية الواجبة، وسيادة القانون، وحقوق الإنسان، بل وحتى المبادئ المكرّسة في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. وتبدو هذه القيم على نحو متزايد وقد طغت عليها السرديات السياسية والأجندات الأيديولوجية والمصالح الاستراتيجية. وربما لا يكون ما نشهده مجرد انحدار سياسي بقدر ما هو تحوُّل عميق في وعينا الأخلاقي والاجتماعي الجمعي.
أصبح حتى "التاريخ الموضوعي" أشبه بمفارقة لفظية. من نواحٍ كثيرة، ظلّ التاريخ يحمل دائمًا بصمةَ الذاتية، وربما يعود ذلك إلى زمن هيرودوت نفسه. واليوم، أصبحت الأحداث الجارية في الزمن الحقيقي تتحوّل على الفور إلى سرديات مفصّلة لخدمة مصالح أو أيديولوجيات بعينها، بينما تبقى الحقيقة نفسها محجوبة تحت طبقات من التأويل والدعاية.
فما هو التاريخ الحقيقي إذن؟ إنه، من الناحية المثالية، الحفظ الأمين للأحداث كما وقعت، بعيدًا عن الانحياز الشخصي والتلاعب السياسي. لكنّ التاريخ نادرًا ما يُدرَّس بهذه الطريقة. وغالبًا ما لا يتعلم التلاميذ الكثير عن القمع والاستغلال والانتهاكات التي تعرّضت لها الشعوب الأصلية والمجتمعات المستعمَرة على أيدي القوى الإمبريالية. وحتى حين يتم الاعتراف بهذه الوقائع، فإنها كثيرًا ما تُقدَّم باعتبارها جزءًا من "رسالة تمدينية" مزعومة، بدلًا من مواجهتها بنزاهة باعتبارها مظالم وانتهاكات. هكذا يجري في كثير من الأحيان تلميع التاريخ قبل نقله إلى الأجيال اللاحقة.
من النتائج الحتمية الأخرى لهذا العصر أيضًا انتشار الدجّالين والدعائيين والمخادعين المحترفين -أولئك الذين يمكن وصفهم بـ"سحرة السياسة" أو، بعبارة أكثر مباشرة ودقة، "مروّجي الهراء". إنهم في كل مكان: داخل دوائرنا الاجتماعية، وعبر شبكات البث الإعلامي، وبين المثقفين العموميين والشخصيات الإعلامية، وخصوصًا داخل عالم السياسة نفسه. والكثير منهم شخصيات كانت تعتبر ذات مرة متزنة وجادة وذات إنجازات يُعتدّ بها. واليوم، لم يعد الخداع والاستعراض والغضب الأدائي  ظواهر مألوفة فحسب. لقد أصبحت سمة طاغية ومتفشية في هذا العصر.
عندما ينخرط القادة السياسيون -من رؤساء ورؤساء حكومات وممثلين منتخبين- في ترويج التحريفات والأكاذيب، فإن العواقب تتجاوز المجال السياسي نفسه، وتؤدي إلى تآكل الثقة العامة، وإفساد الثقافة المدنية، والإضرار بالصحة النفسية، والتطبيع التدريجي للكذب بوصفه سمة مقبولة من سمات الحياة العامة. ويرسّخ القادة الذين يزدهرون عن طريق الخداع ثقافة يصبح فيها الكذب ممارسة نفعية ومربحة وملائمة سياسيًا. فهو يجلب الفوز بالانتخابات، ويهدّئ الجماهير المحبطة، ويحمي أصحاب النفوذ من المساءلة، ويدعم صناعات كاملة مكرّسة للتلاعب والدعاية والعلاقات العامة.
كما أن الحروب أيضًا نادرًا ما تُعرض كما هي في حقيقتها. كثيرًا ما يصوغ القادة السياسيون سردياتٍ يظهرون فيها بوصفهم مدافعين نبلاء عن الحضارة أو الأمن أو الحرية، بينما يُخفون الوقائع الأكثر تعقيدًا المتعلقة بالقوة والجيوسياسة والمصالح الاقتصادية والحسابات الاستراتيجية. وغالبًا ما لا يُعامَل الجمهور بوصفه مواطنين مطّلعين، وإنما باعتباره جمهورًا ينبغي إقناعه واستمالته. ولنتذكّر في هذا السياق مثالين تاريخيين -من بين أمثلة كثيرة أخرى- حيث تُدفن التعقيدات تحت ركام السرديات المبسطة.
أزمة الصواريخ الكوبية
صوّرت السردية السائدة لأزمة الصواريخ الكوبية الأزمةَ أساسًا على أنها جاءت نتيجة لقيام الاتحاد السوفياتي سرًا بنشر صواريخ نووية هجومية في كوبا، وهو ما يشكل تهديدًا مباشرًا للولايات المتحدة ولنصف الكرة الغربي.
لكن قراءة تاريخية أوسع وأكثر قربًا ستشير إلى أن الأزمة نشأت نتيجة لعوامل مترابطة عدة: سعي الاتحاد السوفياتي إلى ردع أي عدوان أميركي جديد على كوبا بعد فشل غزو "خليج الخنازير"؛ ورغبة موسكو في تقليص الاختلال الاستراتيجي النووي مع الولايات المتحدة، بالإضافة إلى نشر الولايات المتحدة صواريخ نووية في تركيا قرب الحدود السوفياتية.
من هذا المنظور، كان استعداد كوبا لاستضافة الصواريخ السوفياتية مدفوعًا بدرجة كبيرة بالخوف من غزو جديد تدعمه الولايات المتحدة بعد عملية "خليج الخنازير"، خاصة في ظل العداء المستمر بين واشنطن وهافانا. ولا يمكن فهم القطيعة الطويلة بين الولايات المتحدة وكوبا من دون الإقرار بهذا السياق الجيوسياسي الأوسع.
 
المواجهة الأميركية - الإيرانية
بالطريقة نفسها، يمكن النظر إلى العلاقات بين الولايات المتحدة وإيران منذ العام 1979 باعتبارها جزءًا من مواجهة جيوسياسية طويلة الأمد شكّلتها الأيديولوجيا وصراعات النفوذ الإقليمي والهواجس الأمنية وسياسات الطاقة.
كان أحد أبرز المنعطفات التاريخية في هذا السياق هو الإطاحة برئيس الوزراء الإيراني المنتخب محمد مصدّق في العام 1953، بعد أن قام بتأميم صناعة النفط الإيرانية انطلاقًا من قناعته بأن الموارد الطبيعية للبلاد ينبغي أن تبقى تحت السيطرة الإيرانية لخدمة التنمية الاقتصادية الوطنية. وقد أعاد ذلك الانقلاب -الذي يُفهم على نطاق واسع أنه تمّ بمشاركة وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (سي. آي. إيه) وجهاز الاستخبارات البريطاني (إم. آي-6) الشاه محمد رضا بهلوي إلى سُدة الحكم -وهو الشاه الذي حافظ نظامه الملكي متزايد السلطوية على علاقات وثيقة مع القوى الغربية لعقود طويلة.
في ذلك الوقت، قام بعض المسؤولين الغربيين بتصوير مصدّق على أنه شخصية شديدة القابلية للتأثر بالنفوذ الشيوعي. لكنّ كثيرًا من المؤرخين رأوا لاحقًا أن مثل هذه الادعاءات كان مبالغًا فيها وذات دوافع سياسية نفعية، حيث تم استخدامها أساسًا لتبرير تدخل أجنبي تحرّكه مصالح استراتيجية واقتصادية.
لكنّ المشهد تغيّر جذريًا مع قدوم الثورة الإيرانية بقيادة آية الله روح الله الخميني، التي أطاحت بالشاه وأقامت "الجمهورية الإسلامية". ومنذ ذلك الحين، ظلّت العلاقات بين واشنطن وطهران شديدة العداء، تتخللها العقوبات والصراعات بالوكالة والعزلة الدبلوماسية والتوترات العسكرية المتكررة.
ويرى منتقدو السياسة الأميركية أن المصالح الاستراتيجية -خاصة أمن الطاقة والنفوذ الإقليمي- لعبت دورًا محوريًا في استمرار هذه المواجهة. كما يجادلون بأن السرديات العامة المتعلقة بالطموحات النووية الإيرانية ونفوذ إيران الإقليمي كثيرًا ما صيغت بلغة تخويفية ومبالغ فيها، بما في ذلك الادعاءات المتكررة على مدى عقود بأن إيران كانت دائمًا على عتبة امتلاك سلاح نووي.
وفي المقابل، يؤكد مؤيدو السياسة الأميركية، إلى جانب حلفاء مثل إسرائيل وعدد من دول الإقليم، أن تطوير إيران للصواريخ، ودعمها جماعات مسلحة في المنطقة، وأنشطتها النووية، كلها أمور تبرر استمرار الضغوط الدولية وسياسات الاحتواء.
ثمة مفارقة لافتة في هذا الموقف: يُعتقد على نطاق واسع أن إسرائيل تمتلك أسلحة نووية، على الرغم من تمسكها بسياسة الغموض المتعمد، في حين أنه ليس معروفًا علنًا عن إيران حتى الآن أنها تمتلك قنبلة نووية جاهزة للاستخدام. ومع ذلك، يظل الخطاب العالمي متركزًا بصورة شبه كاملة على الخطر الافتراضي لإيران مسلحة نووية بينما يُخصَّص اهتمام أقل بكثير للقدرات النووية الإسرائيلية الموجودة فعليًا -أو للوقائع التاريخية الأوسع المتعلقة بالصراع الإسرائيلي-الفلسطيني منذ العام 1948.
ربما يطرح المرء تساؤلًا مشروعًا: إذا كان المجتمع الدولي يخشى احتمال أن تستخدم إيران، في يوم ما غير محدد، قدراتٍ نووية كورقة ضغط، أفلا ينبغي لهذا المجتمع أن يفحص أيضًا المخاطر التي ينطوي عليها امتلاك أي دولة في العالم لهذه الأسلحة من الأساس؟ في الحقيقة، إذا ما أريد للمساءلة النووية أن تتمتع بمصداقيتها الأخلاقية والسياسية، ينبغي أن تُطبَّق بصورة عالمية وليست انتقائية، وألا تخضع للاصطفافات الجيوسياسية. ومن المهم في الوقت نفسه التمييز بين انتقاد سياسات الدول وبين التعميمات الفضفاضة بشأن الشعوب أو الهويات. وسوف تُبنى النقاشات الجادة حول الانتشار النووي والأمن الإقليمي وحقوق الفلسطينيين على أفضل وجه إذا ما أقيمت على مبادئ متسقة، ودقة وقائعية، ومعايير متساوية يجري تطبيقها على جميع الدول بالتساوي.
في نهاية المطاف، لم يعد الكذب في هذا العصر مجرد سلوك يجري التسامح معه، وإنما أصبح مصدرًا للربح أيضًا. والحقيقة تكافح فقط من أجل البقاء حيّة وسط كل هذا الضجيج.
 
*سيف زمان Saif Zaman: هو أكاديمي وكاتب يقيم في كندا، يعمل أستاذاً متعاقداً في جامعة يورك. يحمل درجة الدكتوراه، ويكتب في قضايا السياسة والمجتمع والعلاقات الدولية من منظور نقدي يهتم بالشأن العام، ويشارك بمقالات وتعليقات تتناول التطورات السياسية والإنسانية المعاصرة.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: The Age of Post-Truth