الغد
يديعوت أحرونوت
د. ميخائيل ميلشتاين
أثارت المقابلة التي أعلن فيها نتنياهو للإسرائيليين ضرورة الاستعداد لعصر تُفرض فيه عليهم عقوبات مصرفية دولية، وضرورة تطوير أساليب للالتفاف عليها، كما هي الحال في الدول التي تعاني من العزلة، ولا سيما باستخدام العملات المشفرة، جدلا حادا وقلقا عشية الانتخابات. ويتبلور خطاب أقل حدة بشأن دوافع فرض هذه العقوبات، وكيف يمكن أن يتطور الوضع إلى حدٍّ تدير فيه واشنطن ظهرها لإسرائيل.
يبدو أن الإسرائيليين يتهربون من الحقيقة، أو أن النقاشات المليئة بالشعارات السائدة في بلادنا تحول دون وصولنا إليها. والحقيقة التي يجب الاعتراف بها هي أن التوجه نحو النبذ الدولي ينبع أساسا مما يحدث في يهودا والسامرة: من الضم التدريجي للمنطقة، وتصوير انهيار السلطة الفلسطينية بوصفه هدفا، وإنكار أي نقاش حول التسوية السياسية، فضلا عن العنف غير المسبوق من الجانب اليهودي، المشبع بالقومية المتطرفة والنزعة المسيحانية.
ويتجلى كشف الحقيقة في رؤية أخرى: "ثورة الاستيطان"، وهي "الخطة" الرئيسة لسموتريتش، مشروع فئوي بامتياز، تدعمه وتقوده أقلية من الشعب لأسباب دينية، لكنه مفروض في الواقع على الأغلبية. ويحاول هذا المشروع التستر وراء صفة المشروع الوطني، رغم أن معظم الإسرائيليين لا يعبرون الخط الأخضر، ولا يعلمون ما يجري في الأراضي الخارجة عن السيادة الإسرائيلية في يهودا والسامرة. ويزعم مروّجو هذا المشروع أنه يحظى بالإجماع، ويحمي الجميع، ويجسّد دروس السابع من أكتوبر، ولا سيما ضرورة انتزاع الأراضي من العرب، الذين يُسمح أحيانا بمعاملتهم بطرق تخالف القيم اليهودية، بما في ذلك اللجوء إلى العنف والنهب.
وما يُخفى عن عامة الناس، وهو ما يثير تساؤلات عدة، أن هذا المشروع ليس خطة إستراتيجية منهجية، بل رؤية أيديولوجية لا تقتصر غايتها على توسيع مساحة الدولة فحسب، بل تسعى أيضا إلى جعلها أكثر تدينا، وإلى منح آراء المراجع الشرعية وزنا أكبر في مسائل الأمن والسياسة، كما تجلّى ذلك في الأسابيع الأخيرة داخل حركة الصهيونية الدينية. ويترافق ذلك مع تزايد استخدام المصطلحات والقيم المستوحاة من العصور التوراتية، وترسيخ عدم المساواة، التي لا تُعدّ فصلا عنصريا بحسب سموتريتش، وتطبيع جرائم الحرب، ولا سيما ما يُسمّى "الترحيل الطوعي"، فضلا عن الانزلاق شبه المؤكد نحو عزلة دولية شاملة.
في الخلفية، يُسمع صوت مسؤولين كبار في المستوطنات يبدو مثقلا بالمعاناة، وهم يتذمرون من أن عنف شباب التلال يسيء إلى صورة المشروع برمّته، ويعيق تحقيق رؤية السيادة التي يرون أنها قابلة للتطبيع داخل إسرائيل وفي العالم. ومرة أخرى، لا تُقال الحقيقة. فلا مزارع، ولا مزيد من الأراضي، ولا سيطرة مباشرة ومطوّلة على الناس دون منحهم حقوقا، يمكن أن تتحقق دون تصاعد العنف. وعلى كل من يريد ثورة استيطانية، ولا سيما تلك التي لا تستند إلى القانون، أن يدرك التكاليف الإضافية المصاحبة لها: انقسامات حادة في الداخل حول القيم والرؤية، وتراجع مكانة إسرائيل السياسية ووضعها الاقتصادي، فضلا عن انعدام فرص التطبيع مع دول المنطقة، واحتمال كبير لتدمير العلاقات مع الدول التي تربطها بإسرائيل اتفاقيات. ولن تجدي أي دعاية نفعا؛ فلا الضم الزاحف، فضلا عن العنف، يمكن تبريره بالدعاية.
سيُطلب من الإسرائيليين تحديد ملامح دولتهم في المستقبل القريب. وقد تقرر بالفعل، من دون استشارتهم، وفي محاولة لإقناعهم بأن كل من يخالفهم الرأي هو "فلسطين"، أنهم يسيرون نحو فرض السيادة على يهودا والسامرة، بما يعني الإطاحة بالسلطة الفلسطينية وابتلاع ثلاثة ملايين فلسطيني، تمهيدا لمزيد من المغامرات الأيديولوجية القائمة على الأوهام والاعتقاد بأن الرب سينصرهم، وأن رأي العالم لا قيمة له. ويحدث كل ذلك في ظل استمرار الحروب على جميع الجبهات، واختلاق التهديدات لتأجيجها، في إطار ما يصفه الكاتب بروح "إسبرطة الخارقة". وستصبح إسرائيل كيانا منبوذا ومتطرفا ومثيرا للريبة، أشبه بمزيج من كوريا الشمالية وألبانيا في الماضي.
من المستحيل الحفاظ على دولة تقوم على "ثورة الاستيطان" وتطلعات الخلاص وبناء الهيكل وتطبيق الشرائع التوراتية في القرن الحادي والعشرين. وكل من يدّعي إمكان تحقيق ذلك، أو يقبله دون تردد، ينكر الحقيقة، أو يفتقر منذ البداية إلى الفضول والفهم اللازمين لإدراك ما يجري في العالم. ومع ذلك، قد تكون هناك إسرائيل أخرى: دولة قوية، لكنها تدرك في الوقت نفسه حدود قوتها، وتقرّ بضرورة استخدامها بدقة، لا في كل موقف. وهي دولة مستعدة لخوض نقاش معمّق حول الإستراتيجيات والتكتيكات السياسية، وهي أمور تسخر منها إسرائيل منذ أحداث السابع من أكتوبر، وتتجاهلها بسبب تقديس "العدوانية" لدى من يرون أنفسهم متعلمين وواعين، لكنهم لا يتعلمون من الماضي.
يثير الخطاب الحالي بشأن يهودا والسامرة مؤشرات مقلقة حول ما قد يحدث في الأيام المتبقية قبل الانتخابات أو بعدها، ولا سيما في ظل السعي إلى تأجيج الأزمات لأسباب سياسية. وبعيدا عن النقاش الدائر حول "قلب السلطة الفلسطينية للأوضاع"، الذي يُفترض أنه يفتقر إلى أي أساس استخباراتي، ويُشتبه في كونه مجرد عملية استهداف بصرف النظر عن الحقائق، تبرز التصريحات التالية: تصريح نتنياهو الذي أعلن فيه ضرورة شن عملية واسعة النطاق في مدينة الخليل وإخلاء مناطق من الفلسطينيين، على غرار ما حدث في مخيمات اللاجئين شمال السامرة، رغم اختلاف الظروف؛ وتصريح سموتريتش الذي يسعى باستمرار إلى إيجاد مبررات لتحقيق رغبته في الإطاحة بالسلطة الفلسطينية.
ينظر الإسرائيليون، عن حق، إلى الانتخابات باعتبارها حدثا مصيريا ومفترق طرق تاريخيا. وتكتسب قضية الضفة الغربية أهمية بالغة في هذا السياق. ولا يقتصر السؤال المطروح هنا على نتائج الانتخابات فحسب، بل يمتد إلى ما سيحدث إذا تشكّلت حكومة جديدة تتبنى نهجا مختلفا عن نهج الائتلاف الحالي. فكلما ازداد المناخ تشبعا بنزع الشرعية عن المعارضين، والادعاءات بالتوجيه الإلهي، والنظر إلى السياسات المختلفة بوصفها عائقا أمام طريق الخلاص، ازداد خطر الانزلاق إلى صراعات مريرة من النوع الذي جلب الدمار لليهود عبر التاريخ.
رئيس منتدى الدراسات الفلسطينية في مركز ديان بجامعة تل أبيب.