الغد
إسرائيل هيوم
بقلم: البروفيسور ابراهام بن تسفي
مر نحو 53 سنة منذ أن واجهت إسرائيل أحد التحديات الصعبة التي هددت أمنها، في أعقاب الهجوم المفاجئ الذي بادرت به ضدها مصر وسورية في يوم الغفران. في أواخر تلك الحرب، التي دارت منذ بدايتها بالدعم الصلب لإدارة الرئيس ريتشارد نيكسون، نجحت قوات الجيش الإسرائيلي في محاصرة الجيش الثالث المصري من شرق قناة السويس وقطع خطوط الإمداد عنها.
بالذات في هذا المفترق المصيري، غطت فجأة سحابة السماء الأميركية – الإسرائيلية – التي تميزت حتى ذلك الحين بانسجام تام بين الحليفتين. فبينما تطلعت حكومة غولدا مائير إلى إخضاع الجيش المحاصر وتحقيق إنجاز استراتيجي فكري عظيم القيمة – بالنسبة لوزير الخارجية عظيم القوة هنري كيسنجر، كان حيويا من نصر جارف ومطلق عن إسرائيل.
على خلفية تطلع الرئيس المصري أنور السادات لقطع أمته عن مجال نفوذ الاتحاد السوفييتي، كان مهما لوزير الخارجية أن يثبت أن القوة العظمى الأميركية وحدها، هي القادرة على ممارسة ضغط فاعل على إسرائيل وبذلك تعفي بلاد النيل من إهانة أليمة.
وبالفعل، فإن الضغط الشديد الذي مارسه كيسنجر على إسرائيل تضمن تهديدا بفتح محور إمداد للجيش المحاصر، أعطى ثماره وأُزيل الحصار. الاعتبارات الدولية والإقليمية للوزير وروافع الضغط التي استخدمها تجاه إسرائيل، أجبرت غولدا مائير التي كانت متعلقة تماما باستمرار المساعدة الأميركية على قبول القضاء.
والآن، يعود ليظهر المنطق ذاته مرة أخرى. رغم أن الرئيس ترامب ورئيس الوزراء نتنياهو أدارا بشكل مشترك جولتي الحرب الجوية ضد إيران، إلا أنه سرعان ما ظهرت بوضوح الفجوة في الرؤية وفي تحديد الأهداف بين شريكي الطريق. مثل مئير في العام 1973، تطلع نتنياهو للقضاء التام على التهديد المحدق من إيران، ولاحقا أيضا من وكيلها في لبنان. بالنسبة لترامب، فإن إطالة الحرب تنطوي على ثمن أخذ بالتصاعد كل يوم. إغلاق مضيق هرمز الذي مس بشكل فوري بالتجارة العالمية وهدد بإدخال الاقتصاد الأميركي في دوامة خطيرة من التضخم المالي، هدد أيضا أكثر فأكثر المكانة السياسية للرئيس، الذي هبط مستوى التأييد الجماهيري له بسرعة – وفي بداية تشرين الثاني (نوفمبر)، ستجري انتخابات منتصف الولاية للكونغرس. على هذه الخلفية، حين لا تكون المقدرات الهائلة التي استثمرت في إدارة الحرب ساهمت في تحقيق أهدافها، وأيقظت من طي النسيان الذكرى الصادمة لتورطات أميركية سابقة في حروب طويلة وباهظة الثمن – قرر الرئيس تقليص الخسائر والسعي إلى وقف إطلاق نار فوري.
التاريخ يكرر نفسه
وإسرائيل وقعت ضحية تحديد المصالح الجديدة للبيت الأبيض. محاولتها المحقة لمواصلة الحرب من أجل إزالة تهديد حزب الله، لاقت كتفا باردة ونهجا كديا من جانب المقيم في المكتب البيضوي. ترامب، الذي كان مصمما على أن يحافظ بكل ثمن على وقف إطلاق الانار الهش، قبل عمليا التعريف الإيراني بالربط المباشر بين الساحة الإيرانية وجبهة لبنان. ليس هذا فقط، بل إنه أقصى ويقصي تماما حليفه الإسرائيلي عن مؤتمر لوسيرن، حيث أقيمت ضمن أمور أخرى الآلية التي تستهدف تخفيف الاحتكاك وتسوية الخلافات التكتيكية في جنوب لبنان.
وهكذا، مثلما كان في العام 1973، الآن إسرائيل معزولة، بلا شبكة أمان داخلية أميركية، تتخوف من مواجهة مباشرة مع البيت الأبيض، تضطر إلى أن تعمل (أو تمتنع عن العمل وفقا للخطوط الهيكلية وقاعدة اللعب الجديدة التي يمليها سيدها).
في تشرين الأول ( أكتوبر) 1925، وقعت في لوكرانو اتفاقات تستهدف ضمان السلام مع أوروبا، لكن بعد 11 سنة انهارت مع الاعتداءات النازية. في نهاية الأسبوع، أطلقت الولايات المتحدة خطوة جديدة (لم تتضمن إسرائيل)، تستهدف تسوية المواجهة مع إيران. فهل ستنجح هذه المحاولة، مثلما حصل في السنوات الأولى بعد التوقيع على اتفاقات لوكرانو، أم ربما ستذوي وتتبخر بسرعة إلى غياهب النسيان.