Thursday 16th of April 2026 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    16-Apr-2026

بديل للإستراتيجية القائمة

 الغد

هآرتس
بقلم: اوري بار - يوسيف
 
كتب بول جونسون، وهو أحد أبرز مؤرخي القرن العشرين، في كتابه بعنوان "تاريخ العصر الحديث"، عن العمليات التي أدت إلى تدمير اليابان في نهاية الحرب العالمية الثانية: "كان القادة العسكريون والسياسيون المدنيون في اليابان جميعهم بارعون في التكتيك، ولم يكن أي واحد منهم استراتيجي. جميعهم كانت لهم أفكار مدهشة للبدء في الحرب، لكن من الأول وحتى الأخير من بينهم، من العام 1931 وحتى الهزيمة المرة في 1945، لم يقف أي ياباني، مدني أو عسكري، لتقييم بواقعية كيف يمكن ان تنتهي الحرب".
 
 
أنا أتساءل ماذا كان سيقول جونسون لو أنه سمع تصريح رئيس المعارضة في إسرائيل، يئير لبيد، عند بدء الحرب ضد إيران. لم يتردد لبيد في تذكيرنا أن "شعب إسرائيل قوي، الجيش وسلاح الجو قويان، وأقوى قوة في العالم تقف إلى جانبنا. في مثل هذه اللحظة نقف في صف واحد وننتصر معا. لا وجود لتحالف أو معارضة، بل شعب واحد وجيش إسرائيلي واحد نقف كلنا خلفه". تميز خطاب لبيد بالحزم، لكن هذه اللهجة كانت مشتركة بين جميع قادة المعارضة اليهود.
حتى الآن، وفي ظل شعور الجميع بالمرارة من نتائج الحرب، وتكرار المعلقين على الشاشات الوعد بجولة حرب أخرى، وفي ظل غياب أي بديل في الأفق، لم ينهض أي أحد للقول بصوت مرتفع: الأمر انتهى. نحن ضربنا ودمرنا وتسببنا بالأذى، وبالطبع قمنا بالتصفية، ولكن النظام في طهران ما يزال قائما، واليورانيوم المخصب مخبأ في مكان ما، ويجري ترميم منظومة الصواريخ، وما يزال حزب الله يقاتل، ولم يقل الحوثيون كلمتهم الأخيرة حتى الآن.
هذه كارثة. إذا كان هناك درس واضح من الحرب الأخيرة، فهو أن القوة لن تحل كل شيء، وأنه يجب البحث عن بديل. هذا البديل موجود، وقد أثبتت التجربة التاريخية فعاليته. كلمة المفتاح هنا هي "الاحتواء" – وهي استراتيجية مصممة لمنع انتشار ووجود تهديدات غير محتملة على أمل أن تؤدي الأحداث التاريخية في نهاية المطاف، إما إلى انهيار الخصم أو دفعه إلى اليأس والتنازل عن الأفكار التي يروج إليها الآن.
على الصعيد العالمي، يتمثل النموذج بسياسة الاحتواء التي اتبعتها الولايات المتحدة ضد الاتحاد السوفييتي في الحرب الباردة، إلى حين انهيار الكتلة السوفييتية في العام 1991. كان الصدام الأيديولوجي بين القوتين حاسما ولا هوادة فيه. تمثلت الرؤية الشيوعية في انتصار الاشتراكية والقضاء على الامبريالية والرأسمالية، بينما تمثلت الرؤية الأميركية بعالم ديمقراطي واقتصاد رأسمالي. عمليا، حذرت القوتان من استخدام القوة العسكرية ضد بعضهما البعض، وتمكنتا من الحد من خطر اندلاع حرب نووية. في نهاية المطاف الغلبة كانت للاستراتيجية الأميركية، وتحقق الانتصار من دون إطلاق رصاصة واحدة.
استراتيجية الاحتواء لدى المشروع الصهيوني معروفة باسم "الجدار الحديدي"، وهو مصطلح صاغه جابوتنسكي وتبناه بن غوريون. الاثنان اعتبرا ان استخدام القوة هو الاساس الذي يضمن بقاء الدولة اليهودية في مواجهة التهديد العربي. ولكنهما أدركا أيضا، أن القوة هي وسيلة، ومهمتها هي إجبار الخصم على التنازل عن طموحاته في القضاء علينا. وكلاهما توقع أن العرب سيرغبون في نهاية المطاف في إنهاء الصراع، وبالتالي سيتحقق أمن المشروع الصهيوني.
لقد صدقت توقعاتهما. فقد أثبتت انتصارات الجيش الإسرائيلي في المعارك، ولا سيما، نتائج حرب الأيام الستة، للعرب أنهم لا يملكون القدرة على القضاء على دولة إسرائيل. وبالتالي عليهم قبول وجودها. وكان اتفاق السلام مع مصر تعبيرا واضحا على ذلك. حتى أن تساحي هنغبي، الذي كان رئيس المعارضة التي ناضلت ضد الانسحاب من شبه جزيرة سيناء، أقر بذلك في نهاية المطاف.
ولكن يوجد تعبير آخر لا يقل أهمية عن نجاح الجدار الحديدي الإسرائيلي، وهو مبادرة السلام العربية للجامعة العربية في العام 2002، التي دعت إلى إنهاء الصراع واعتراف الدول العربية بدولة إسرائيل وتطبيع العلاقات معها، مقابل الانسحاب من الأراضي التي احتلتها في العام 1967. وكان آباء الصهيونية، وعلى رأسهم بن غوريون، سيرون في هذه المبادرة تحقيقا لحلم جيل كامل. أما ورثتهم، قادة المعارضة، فتجاهلوها كليا، وبالتالي لم يعد مطروحا إلا الرؤية البديلة التي طرحها نتنياهو وهي: "العيش على حد السيف". ومصير هذه الرؤية مرهون بنا في كل مرة.
يمكن لاستراتيجية الاحتواء أن تساعد أيضا ضد إيران، وينبغي أن يستند جوهرها إلى عناصر أساسية: أولها، منع إيران من امتلاك قدرة نووية عملياتية، الأمر الذي يمثل تهديدا وجوديا. ومن أجل تحقيق ذلك، يمكن التخلي عن بعض الجوانب الأخرى مثل، التسلح بالصواريخ. فالخطر الناتج عنها لا تتم إزالته بالكامل، لكنه لا يعتبر تهديدا وجوديا. من الأفضل ترك تغيير النظام لآخرين، بل ويمكن، حسب شروط معينة، التنازل حتى بشان القدرة النووية إذا تحقق هذا الهدف.
ثانيها: هو تخفيف شدة المواجهة مع إيران. إن العداء التاريخي بيننا وبين النظام الإيراني يجعل هذا الهدف صعبا جدا. لكن تصعيد نتنياهو المستمر للتهديدات لا يزيد إيران إلا تصميما على الانتقام. ينبغي أن يكون الهدف إضعاف هذا الدافع وليس تقويته.
إضافة الى ذلك، كما أشار داني سترونوفيتش ("هآرتس"، 12/4)، فإنه من الضروري أيضا العمل دبلوماسيا لتعزيز المصالح المشتركة مع المحور المناهض لإيران، ولا سيما سورية والسعودية والحكومة اللبنانية. قد يكون محور هذا المسعى هو استعداد إسرائيل لقبول اقتراح السلام الذي قدمته جامعة الدول العربية، من حيث المبدأ والتحرك نحو حل الدولتين.
صحيح أن كل ذلك يظهر الآن وكأنه كارثي، إلا أن التمسك بالخيار البديل الحالي، يعرضنا لأخطار أكبر بكثير.