Thursday 9th of July 2020 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    22-Jun-2020

الوصفة السحرية لنجاح رواية

 القدس العربي-بروين حبيب

يعتقد الكتّاب المبتدئون أن كتابة حادث مهم من حياتهم كافٍ ليصبحوا أدباء، معتمدين على نسبة الألم الذي تعرّضوا له، سواء كان مواجهة مرض، أو فراق حبيب، أو صدمة عمل، أو غيرها.
يتراءى لهم أن القارئ قد يتلقى مأساتهم بالدهشة والإعجاب المتخيلين لديه. وفي الغالب يرى نفسه في مركز عمله السردي، بدون معرفته السابقة بأدوات كتابة السيرة، وطرق استثمار حكايته أدبيا. يقع هؤلاء في فخ أنفسهم، حين يتخيلون اهتمام أصدقائهم المقربين بتفاصيل وقائع حياتهم في الأحاديث العادية، دافعا لتوسيع دائرة الاهتمام تلك، فما يثير الأقارب والأصدقاء في الجلسات الخاصة، قد يجده القرّاء سخيفا، في ما قد يواجه هؤلاء محنة حقيقية أمام النقد الجاد.
«الرواية التي تعتبر مختبرا لتحول وتطور الشخصيات»، تنسف تماما بكل الوقائع التي يسردها الكاتب المبتدئ بحماس، بدون أدنى اهتمام بالشخصيات، ناسيا تماما أن الوقائع التي يرويها، والشخصيات التي يتحدث عنها، يجهلها القارئ وليست أليفة لديه مثله. تروي أغلب المبتدئات مثلا صدمة الحبيب الخائن لهن، ينتحبن في مخطوطاتهن أمام جمهور اختبر التجربة بتفاوت في حدتها، على نسق «كم كنت أحبه وأخلصت له، وقدمت له كذا وكذا، ولكنني اكتشفت ذات يوم خيانته مع امرأة أقل مني جمالا وشأنا». تختلط اللوعة بالمقارنات البائسة، التي تشفي غليل كاتبها، لكنّها ليست أكثر من «كلام معلوك» مستهلك عند القارئ، الذي ينتظر حفرا في الذات الساردة، وفي كل شخصية من الشخصيات، ووصفا لغويا يلامس الإدراك والحواس، بجمالية لا يتميز بها إلا الأدب.
الغرض من هذا النوع من الكتابة هو إفراغ الحمولة السلبية، التي يعاني منها الشخص، بعد خوض تجربة صعبة. إنها «بسيكوثيرابي»، تجعل الكاتب هنا يعالج نفسه، ويحصل من خلالها على دعم معنوي إضافي، ممن قد يقرأ تجربته من المحيطين به، لكنها كافية جدا للشعور بالتحسن بمجرّد إخراجها كاملة من الأعماق المنكوبة. أمّا الرواية فلها دور آخر، إنها تقوم على تشتيت انتباه القارئ، وجمع تركيزه، بعملية أخذ اعتبار مهمة، فالكلام موجه إليه منذ البداية. المبتدئ بإصرار غريب يكتب لنفسه فقط، ولا اعتبار له لذلك القارئ الذي يتواجد خارج محيطه الضيق. هل هذا يعني أن كتابة قصة انطلاقا من حياته الشخصية أمر غير محبذ؟ بالطبع لا، فإن يروي الشخص وقائع حياته، أمر، وأن يروي قصة عن حياته، أمر آخر مختلف تماما.
في الحوارات التي نتابع لأدباء محترفين، تبدو عملية الكتابة تجربة تستحق الخوض، فكل ما يلزمنا هو الجلوس إلى أجهزتنا، وتدوين ما يتدفق من كلمات من داخلنا، إنّها عملية سهلة جدا، قد لا تحتاج لكثير من التفكير، لكن الأمر أكثر تعقيدا، فلا أحد يكشف أسراره الخاصة حول الكتابة في حدّ ذاتها، لأنّ ما يُكشَف في الغالب بعض عراقيل البدايات، قبل تحقيق النجاح وجذب الأضواء، وتأسيس قاعدة صلبة لحضور جيد في المشهد الأدبي. لا يبوح الكاتب النّاجح بمقادير طبخته الجيدة، وربما لا يتقصّد ذلك، فوصفة النجاح لا وجود لها، كونها تعتمد على ذكاء فطري ينمي الموهبة بصقلها وتطويرها بالتجربة. تقول حكمة قديمة «أضمن لكِ عريسا جيدا، لكن لا أضمن لكِ زواجا ناجحا»، وهذا بالضبط ما يحدث حين يعتقد أي مبتدئ أنه يملك عتاد الكتابة، بمجرّد امتلاكه مأساته الخاصة، أو فاجعته، أو قصة نجاحاته بعد معاناة.
بعض هؤلاء يدركون في أعماقهم أن عدتهم «السردية» غير صالحة لكتابة رواية، أو حتى «بيوغرافيا» ناجحة، فيستعينون بكاتب، عادة ما يسمى «الكاتب الشبح» أو «محرر» كالذي تعتمد عليه الصحف، ولعلّ قلّة من يعرفون مثلا أن الكاتب الأفغاني الشهير خالد الحسيني، على سبيل المثال كتب رواياته بهذه الطريقة.
 
ثمة حقيقة دائما تبنى عليها الروايات الناجحة، لكن ليست كل صياغة منقذة لهذه الحقيقة. يُفتَرض أن تكون الصياغة سرا آخر من هذه الأسرار الثمينة، التي يجب أن يتدرب عليها الكاتب قراءة قبل الاندفاع في مغامرة الكتابة.
 
يعرف الكاتب المتمرّس كيف يبني الأحداث، وكيف يختار الحدث الأكثر غموضا ليكون نقطة انطلاق له، قبل الذهاب بعيدا في حبكة متينة، لا خلل فيها ولا مبالغات. يعرف أيضا كيف يقدم شخصياته، وأي الصفات أنسب لتقديمها وتأخير إبرازها في المشهد الروائي. في السيرة الأدبية، أو الشخصية يكون الحرص زائدا، إذ أن كتابة السيرة، مثل العرض المسرحي الجريء، قد يكون من الأفضل انتقاء ما يراه الجمهور واضحا، وما يتم الإيحاء إليه بطرق ذكية. لهذا السبب يصطدم البعض بحائط في منتصف الطريق، حين يستنزف هذا المبتدئ كل ما لديه، في أربعين أو خمسين صفحة، ويتوقف النزف الذي دفعه للكتابة، حينها يجب أن يفهم أن جلسته العلاجية أتت ثمارها، وأن ما كتبه حقق النتائج المرجوة، فلماذا يصرُّ على أن ما ينقصه هو الإلهام لإتمام مشروعه الروائي؟ يحدث ذلك، حين يظن «الكاتب» أن كل أنواع الكتابة تصلح لتنتج رواية، هناك شيء يفوته، خاصة في زمن السوشيال ميديا، وهو مأخوذ بالمديح الزّائف لأصدقائه الافتراضيين، إن الكتابة الإبداعية ليست مجرّد إخبار عن حياته، والنقد ليس مجرّد «لايك».
نعرف ذلك، ونعرف أيضا أن ما يزعج المبتدئ هو أن كل ما يكتبه الكتاب الجيدون يقول شيئا عن أنفسهم، فهم يستمدون عن عمد عناصر كثيرة من حياتهم الخاصة، ويوظفونها في أدبهم، في الغالب قد يعودون لطفولتهم، أو خبايا قديمة عن إخفاقاتهم وأحلامهم، ولكن هذا لا يعني أنهم يروون بالتفصيل ما حدث، بدون إدخال عناصر أخرى لجعل نتاجهم في أبهى حلة لغوية، فهم يعتمدون على موارد أخرى صغيرة، ذات قوة عاطفية عالية، وتقديمها كشكل من أشكال الحقيقة التي تهزُّ القارئ.
ثمة حقيقة دائما تبنى عليها الروايات الناجحة، لكن ليست كل صياغة منقذة لهذه الحقيقة. يُفتَرض أن تكون الصياغة سرا آخر من هذه الأسرار الثمينة، التي يجب أن يتدرب عليها الكاتب قراءة قبل الاندفاع في مغامرة الكتابة. يقول ليوناردو دا فينشي «الفن لا ينتهي أبدا، بل يهجر فقط»، وهذا يحيلنا لكتّاب يبحثون عن الكمال، فيعيدون كتابة العمل، ثم تنقيحه عدة مرات، قبل دفعه لناشر، لكن الذي يحدث أنهم يصابون بنوبة هلع خفية، تجعلهم يهجرون كل ما اجتهدوا في كتابته، إذ بدون انتباه منهم يتعاملون مع نتاجهم تعامل القارئ القاسي مع النص، وهذه فئة أخرى، حيث المؤلف لا يشعر أبدا بأنّه أنهى عمله، مع أن كل ما يجب عليه فعله هو التوقف عن العمل، فالهدف هو اكتمال العمل بدلا من كماله. لا يخبرنا الكتّاب الجيدون أنهم يشعرون بنوع من الهزيمة بعد صدور أعمالهم، وقلة منهم يعترفون بمشاعر الفقدان التي تنتابهم بعد الانتهاء من كتابة رواية، بعضهم يشعر بفقدان الشرارة، الطاقة، القدرة على رؤية المشهد، والبعض الآخر يردد بلغة غير مسموعة «كان من الممكن أن يكون العمل أفضل».
أدهشني بيتر هاندكه حين قال إنّه ينسى تماما ما كتب، ولا يعود لأي عمل صدر له، يقول ذلك بثقة مفرطة، وأعتقد أن من أهم وصفات النجاح هذه الوصفة، كون الشك حجر عثرة أمام كل إبداع، فقد يكون مدمّرا، قد يقضي على صاحبه تماما، ويدخله في دوّامة من التأجيل وأخذ الآراء من هنا وهناك، بدون أي تقدم أو خروج للعلن من مغارة الذات المظلمة. أعتقد أن الكاتب الجيد يتعايش مع شكّه، ومع شك الآخرين فيه، وأن ما يجعله يتقدم هو اكتشاف ثغراته بنفسه، بعد كل إصدار له، وأن تجربته الحقيقية في الكتابة لا تكتمل سوى بهذه الثغرات، إنّها جيدة كمعطىً إبداعيِّ له ولغيره، إنّها بصمته البشرية العادية، قبل أن يصدق تلك الكذبة الإعلامية التي ترفعه لمرتبة القداسة وتحوّله لرمز.
 
٭ شاعرة وإعلامية من البحرين
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات