Saturday 19th of September 2020 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    03-Sep-2020

أنيس الرافعي: قراءة الصمت في «صانع الاختفاءات»

 القدس العربي-فدوى العبود

يتابع الكاتب المغربي أنيس الرافعي مشروعه الجماليّ، فكل نص جديد هو غرزة في نسيج أكبر؛ وهو يعكس بحثه الدائم في الكينونة البشريّة، والوجوه التي تبدلها، وهي وجوه تُعدي بعضها بعضاً، فتجعلنا أشبه بحصان طروادة الذي كان يحمل في داخله عشرات الجنود. ويتعزز هذا المنحى في مجموعته «صانع الاختفاءات» بعنوان فرعي «متوالية قصصية تطبيقيّة على نظريّة الألعاب». الصادرة عن دار بتانة/ القاهرة/ 2020.
فالسؤال المهموم بالذات والوجوه المتبدلة في «خياط الهيئات» حيث الحريق ينهض من رماد حريق سابق، والكائن مجرد من أي قوة، سوى الوحوش التي تتصارع في داخله «لقد انسدلت منمنمات الوحوش وقد اتخذت مني ميدان حرب للتصارع كل ليلة» يتحول في «صانع الاختفاءات» إلى عرض لكيفية تآكل الداخل. فالمكان الطارئ في خياط الهيئات «فندق ريتز» لا يحفظ ذكرياتك وستتكفل عاملة الفندق بتنظيف أي أثر لك. أما الفضاء المكاني في «صانع الاختفاءات» (ساحة السراغنة) يدعونا لنكون شركاء في النص، نراقب الإشارات الجسديّة، والعلامات البصريّة التي تشكل دلالة لا نبلغها إلا عبر المتخيل، بحيث يكون اشتغاله في تلك المنطقة المنزاحة من الوجود فلا هي «وجود بيّن ولا هي عدم معدم» إنها تقع ـ بين بين- بين اللاوجود والوجود، وتنتمي إلى عالم النسيان والتجاهل؛ لا فرق.
وهي هنا تتم على المستوى الجمالي والميتافيزيقي، الجمالي حيث تقوم العلامة الجسديّة مقام اللغة، والميتافيزيقي عبر سارد يمحو ذاته في الوجود لإعطاء الصدارة للرؤية القلبية عبر المشاهدة البصرية. وما يمكن أن نسميه «قراءة الصمت» والسارد هنا بخلاف السارد ـ الفوق أرضي- في «خياط الهيئات» الذي يراقب التحلل والموت التدريجي للشخوص ـ قارئ للحركات الجسدية لشخوصه الثمانية وهم وجوه مختلفة في اللعبة ـ لعبة الوجود- وعبر لغة «البانتوميم». فالشخصيات الثماني ـ التي جُسّدت رسماً من خلال مجموعة من الأيقونات الساخرة، التي أبدعها الكاتب والفنّان العراقيّ برهان المفتي- تظهر في معظم النصوص صامتة وفي صمتها إبانة- ونحن نراها بعيني سارد يتنقل بين مقاهي حي السراغنة، إنه يقدم نفسه كموظف في «الوكالة الوطنيّة للاختفاء» لكن هل هو مؤلف؟ ربما كان أحد وجوه مكعب الروبابيكا! ما أدرانا؟ ألا يحتمل أن يكون مجنوناً أو وجهاً من الوجوه الثمانية للعبة؟
ومن أجل تشغيل اللعبة يجب فهم رموزها وهو يقدم لنا سلسلة مفاتيح، تبدأ من العتبة باقتباس عنوان كتاب لبيسوا «لست ذا شأن» فشخصياتنا هنا منحازة بكليتها في حركاتها وسكناتها للزوال، وكأن الزوال قدرها مذ أتت للوجود. والسرد هنا ليس معنياً ببداية أو نهاية وقاعدة؛ إنه يتدفق كنهر في كل اتجاه. ولفهم الرموز والإشارات لا بدّ من إدارة اللعبة وتأمل كافة وجوهها؛ فالكائنات تحضر كعلامات بصرية، قبل أن يتخذ قرار اختفائها رحمة بها. والاختفاء يأتي خلاصاً وتحرراً لها من سجن الجسد. فنحن نستطيع بلوغ جوانيّة الشخوص من خلال المتخيّل. ومراقبة المعنى «معنى الوجود الإنساني» عبر ما يبدو في ظاهره لا معنى له، وهو سماع الموسيقى الداخلية عبر الحواس كلها وليس عبر اللغة فقط. أول وجوه المكعب هو «رجل العلبة» لا نعرف عنه سوى مظهره، قامته الضئيلة والمحدودبة؛ يحيط نفسه بالعلب.. تملؤه الخدوش الزرقاء يسير بقدميه المنتفختين جراء الإصابة بداء الفيل، وهما تنزان إفرازات صديدية وماء متقيحا برتقاليا. ونحن نراقب تآكله الجسدي ونتأمل في هذا «الجسد الهش الخؤون» حتى يقرر السارد تغييبه عن مجال الرؤية. مفسحاً المكان «لرجل الأكياس» إنه «أزرق البشرة، أصلع الرأس، عتيد البنية، مترهّل البطن مستكرشه، لديه هالات سوداء تحت جفنيه، القسم العلويّ من أسنانه ناقص، في حين تقاربت أضراس القسم السفليّ حتّى لا تلحظ بينها فرجة، مدلّياً للسانه، مسيّلا الزبد الأبيض على جانبي فمه، واضعاً سدادات من القطن داخل طبلتي أذنيه، سارحاً بسلحفاة خشبيّة يجرّها خلفه طيلة النهار بحبل من قنّب، في عنقه ناب حيوانيّ حتّى لتخال أنّه محارب متوحّش. وأكعابه متشقّقة من مبلغ التهام السبل للحم قدميه وإدمانه السير وحيدا. خرسه صارم لا يمكن التغرير به». فمن هو رجل الأكياس؟
لقد كان مصارعاً شديد البأس، لكن و- بخيانة زوجته- ضربته الحياة بالضربة القاضيّة، وسواء سقط إثر إصابة في الرأس، أو بخيانة الزوجة فقد كسرت الحياة قوس اتزانه الداخلي بضربة لا قيامة بعدها. خمّنت بيني وبين دخيلتي: «بأنّ المرء، أحياناً، لا حاجة به إلى أيّ غريم ملموس، إذ عليه فقط أن يكتفي بذاته لإلحاق اندحار ماحق بنفسه الأمّارة بالهزائم المظفّرة.
 
ينتزع المؤلف سلطة الحكي ويسلمه إلى ضمير محايد، ويدخل مساعد خفي يتحدث إلى كليهما (رجل الوكالة ومساعده) عن لاعب آخر في هذا الوجود، رجل يتقلب بين الغناء والشتائم والدعاء.
 
في ساحة السراغنة يجلس «صانع الاختفاءات» لتناول قهوته وتأمل هؤلاء – الذين ينتمون إلى عوالم محايدة- ثم يتخذ القرار بتغييبهم تباعاً، ليدير المكعب إلى وجه جديد فيظهر «رجل البانتوميم» الذي يقدم عروضه في تقليد هزلي للبشر وحركاتهم. ومن خلال نوبات صرعه، ونحن مدعوون لنقرأ ما يفوق حركاتهم الجسدية، فهي ليست سوى إشارة أوليّة.. نعبر من خلالها وعبر «المتخيل» إلى جوانية وجودهم ووجودنا المشترك. والروح هنا بخلاف «خياط الهيئات» لا تراقب الجسد من علٍ إنها مخفيّة موصد عليها بإحكام داخل جسد يبعث على الأسى الشديد؛ فمن رجل مصاب بداء الفيل، تنهش قطة من لحمة المتساقط، وتفتك الجروح به، إلى مصاب بالسحايا وضمور النسيج العضلي. إن الجسد هنا «مجرد أسمال حياة» يتحقق هذا المعنى عبر قراءة سيمائية للندوب الجسدية والأمراض والتآكلات، من خلال مراقبته في حركاته وسكناته. والإنصات للغة فوق اللغة (حركة الأصابع واليدين وهزة الرأس، تآكل الأقدام، رقصات رجل البانتوميم ونوبات صرعه، هيئة رجل الأكياس. الوجه المحترق لسيدة المكواة) وعبر مراقبة الفعل الحي والمباشر- وقبل أن يعمد إلى «تقطيب وفرة بروزهم بخيوط التلاشي» حيث يتركون أشياءهم- كالعصا والأرنب القماشي، كيس النقود. السلحفاة الخشبية، أقنعة، أو مرآة سحرية مهشمة. وهي لا تختزل وجودهم بكليته، فما نتركه يدل علينا ويتجاوزنا، وكل وجود هو مرآة لوجود آخر.
في القسم الثاني من الكتاب وهو بعنوان «وقت مستقطع» ينتزع المؤلف سلطة الحكي ويسلمه إلى ضمير محايد، ويدخل مساعد خفي يتحدث إلى كليهما (رجل الوكالة ومساعده) عن لاعب آخر في هذا الوجود، رجل يتقلب بين الغناء والشتائم والدعاء، ونتعرف إلى «رجل الأوركسترا» فهو ومن خلال الشتائم البذيئة والسخرية يشكل بمفرده فرقة أوركسترا كاملة بكافّة آلاتها، وعازفيها، ومقاماتها، وتركيباتها، وتنويعاتها، وطبقاتها، كما يشتمل هذا القسم على رسالة لاذعة يوجهها «صانع الاختفاءات» إلى مدير «الوكالة الوطنية للاختفاء» الذي يبدو كقوة عليا(ميتافيزيقيّة) محتجبة، ولذلك دلالة مهمة هنا. إنها رسالة عتب كبير. «أنا نسختك المعيبة» فماذا أنت فاعل أمام احتجاجي؟ أنا القاتل الرمزي المتسلسل المفوض تغييب هذه الأشكال من الوجود. وهنا يشير إلى مهمة الكاتب الأزليّة فهو «يقوم بخلق الوجود الفني المعادل للوجود الحقيقي، ويقرر محو هذا الوجود». إنها رسالة رفض وتمرد على مدير مجهول وغير مرئي، لا نعرف عنه سوى إدارته لهذه المهزلة وليس عبثاً ظهور «رجل العصافير» في هذا الشطر. فهو مجرد أبله يخدع العصافير بإيهامهم أن «حبة الزؤان» هي قمح أو حنطة، إن» فن التجهيز القصصيّ في الفراغ هو الانحياز لمناطق خالية أو تبدو خالية من الوجود. (الصمت- الوهم- الجسد الهش- الآمال) الآمال التي تبدو كحبات الزؤان، فالاختفاء هو عدالة الوجود، حين لا ينصفنا الحضور. إنّه انتقام مريح، وانتقال من ضفة الهوس بالحضور المبالغ به وحب الظهور إلى ضفة أخرى، بكل ما فيه (من روحانية ونأي وتخل).
إن صانع الاختفاءات يعزز حضور المناطق «المغيّبة» بإنارتها وتسليط كشاف عليها ثم يغيبها من جديد. ويصف أنيس الرافعي ذلك بقوله: «فكلّ صانع اختفاءات خليق بهذه الصّفة، هو كذلك بائع جيّد للأرواح» حينما بشّر الله سبحانه وتعالى زكريا بيحيى أمره أن يكفّ عن الكلام ثلاثة أيام متتالية، قال «ربّ اجعل لي آيةً قال آيتُكَ ألاّ تكلّم الناس ثلاثةَ أيامٍ إلا رمزًا واذكر ربّك كثيرًا وسبّح بالعشي والإبكار» إن الرمز في اللغة هو الإيماء إنه العلامة أو الإشارة أو الرمز، وقد تنزل منزلة الكلام واللغة. وعلينا أن ننتبه ونراقب العلامات البصرية للهامش والفراغ، والمناطق المعتمة من الوجود.
إن «صانع الاختفاءات» تقترح وعبر ثمانية نماذج صامتة متآكلة- ومن خلال قراءة الحركات الجسدية لشخوص الهامش- على القارئ المشاركة في سبر الآلام العميقة للذات الانسانية – الآلام التي تفر باستمرار من اللغة-وهي تطرح بقوة أشكالاً من الحضور تعادل الغياب. وهي تظهر كندبة أو عبر التخلي عن الذات، حد أن تصير- الذات- نسخة مكررة. عبر نماذج تهدم ذاتها بذاتها، وتوجه طاقتها المدمرة إلى داخلها. هؤلاء الذين ينطبق عليهم وصف موريس بلانشو «الناس المدمرون بدون تدمير، وهم يعرفون جيداً الاستكانة وانمحاء الذات، حيث الصمت وفقدان اللغة ميزة أيضاً» هؤلاء يظهرون ويتبددون. وكأنهم لم يحدثوا، إنهم يظهرون كخطيئة ويختفون بدون صخب «فالاختفاء فن أنيق».
 
٭ كاتبة سورية
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات