Tuesday 2nd of June 2020 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    19-May-2020

عَرَبِيةُ حَمْزَة والمتنبي وابن زيدون في الدراما العربية

 القدس العربي-توفيق قريرة

مشاهدة المسلسلات الدينية في شهر الصيام، عند أغلب المشاهدين، جزء من الاستهلاك الذي يصبح كالعادة. كان ذلك في أيام زمان، حين كانت هذه الأعمال ركنا قارا في شهر رمضان. تعود بعض الفضائيات اليوم إلى تلك الأعمال القديمة لتعيد بثها من جديد، وقد شحت السينما بها اليوم، لأن الجمهور صار يريد ألوانا أخرى من الدراما في رمضان: يريد حبا أكثر، وعشقا أشد، وخيانة وطلاقا ونفاقا وأحلاما بالثروة أكثر وأكثر وأكثر.
نصيب اللساني من هذه الأعمال قليل، لأنه ما يزال يكتفي بالجلوس على الربوة ومشاهدة ما يحدث، فشأن اللغة وأحوال الخطاب لا يعني الفاعلين في الدراما، فإن احتاجت المسلسلات الناطقة بالعربية أو المعربة (المدبلجة) احتاج القائمون على الأعمال «مدققا لغويا» يجري كلما جَرَى الكلام وراء الفاعل والمفعول، إذ لا يعقل مثلا أن يخطئ بطل يمثل دور أمير المؤمنين، أو دور المتنبي في رفع المبتدأ المرفوع وفي نصب المستثنى المنصوب، لأن الثابت في نفوسهم أن أمير المؤمنين في أي عصر إسلامي كان يتحدث الفصحى، وأن أي شاعر قديم عاش شرقا كالمتنبي أو عاش غربا كابن زيدون، يتكلمان الفصيح كما يكتبانه في دواوينهم (دواوين إمارة المؤمنين ودواوين شعر الشعراء). اللساني يشاهد كل ذلك ولا يسأل عن رأيه، والأفضل أنه صامت لأنه لو تكلم لقال خُلْفًا بعد أن سكت ألفا.
سيقول اللساني مثلا، إن لا ابن زيدون ولا المتنبي ولا حتى أمير المؤمنين، مهما كان الأمير، ومهما كان المؤمنون وقتها، لم يتكلم في لغته العادية بهذه الفصحى التي تعرضها المسلسلات، وأن الفرق بين لغة الدواوين (الإدارية والسياسية) واللغة اليومية التي يتكلمها الناس، هو الفرق نفسه بين لغة الإدارة ودواوين الشعر الفصيحة ولغة الناس اليومية. ربما يكون هذا الرأي صادما لمن تمنوا للساني أن يخرس. سنعود إلى هذه الفكرة بعد أن نقفز على الأفكار إلى مجريات الأحداث.
لنأخذ على سبيل المثال فيلم «الرسالة» المعروف للمخرج مصطفى العقاد. يروي الممثل المصري المرحوم عبد الله غيث، وهو من مثّل دور حمزة في النسخة العربية، كيف أن الممثل أنطوني كوين الذي أدى الدور نفسه في النسخة الإنكليزية طلب منه (عن طريق المخرج) أن يبدأ هو التمثيل، حتى يستفيد، أو بعبارة غيث كي «يتعلم». الاحتفائية بأن الممثل العربي يمكن أن يكون أفضل من الممثل الغربي العالمي، هي التي وجهت معنى «يتعلم» والاتزان يجعلنا نرد الفعل إلى مقاصده الحقيقية.
يمكن أن يكون عبد الله غيث مقنعا أكثر من أنطوني كوين، من جهة انسجام دوره مع طبيعة الثقافة التي يمثل فيها الدور، في هذا السياق يكون عبد الله غيث كمن يلعب على أرضه وأمام جمهوره، كما يقول أهل الرياضة. ويظل الممثل الأجنبي أجنبيا عن ثقافة يراد له أن يتقمص دورا ضاربا في القدم فيها. كان أنطوني كوين يفترض أن يكون عبد الله غيث هو الأقرب إلى روح العصر والمصر والثقافة منه، لذلك طلب منه أن يكون الأول. لكن ماذا لو أن عبد الله غيث، كان بعيدا أيضا عن روح العصر والمصر؟
 
الاحتفائية بأن الممثل العربي يمكن أن يكون أفضل من الممثل الغربي العالمي، هي التي وجهت معنى «يتعلم» والاتزان يجعلنا نرد الفعل إلى مقاصده الحقيقية.
 
يذهب في أذهان الناس أن الفصحى، وهي لغة المسلسلات الدينية والشخصيات التاريخية، هي اللغة التي سادت من الجاهلية، وتواصلت إلى عصور الخلافة، وهذا يقتضي أن هذه اللغة زالت من الاستعمال اليومي، وحلت محلها العاميات التي نتكلمها اليوم. ولذلك ينظر الصفويون إلى العاميات على أنها همجية لغوية أزاحت مَلكة عن عرشها العزيز المكين وهو العربية. ليس للغات عروش لها استعمال وليس لها، وهي حية، أحوال ترفعها وأخرى تزري بها، بل للغة حياة أو زوال. منْ ينظرْ في كتاب سيبيويه النحوي، يجدْ أن العربية لم تكن لغة واحدة، بل كانت لغات. ومعنى اللغة في كتاب سيبويه هي رديف اللهجة البدوية الكبرى، التي كانت تنتشر في بقاع معينة، وتتكلمها قبائل معينة مثل، قيس وتميم وأسد وغيرها من القبائل المنتشرة هنا وهناك في أرجاء شبه الجزيرة العربية الممتد، وهاجرت هذه القبائل فهاجرت معها لغاتها، وإلى اليوم ما زلنا نجد في الاستعمالات آثارا إعرابية أو معجمية لهذه اللهجات. كان بين اللهجات تقاطعات كبيرة أو صغيرة، مثلما يوجد اليوم بين لهجات العالم المتقاربة جغرافيا. هل أن لهجاتنا التي نتكلمها اليوم هي سليلة عربية واحدة؟ طبعا لا. هل هي سليلة لهجات عربية كثيرة؟ الجواب يختلف باختلاف الرقعة الجغرافية والألسنة الأصلية والدخيلة التي عرفتها؛ ولهذا فإن التوصيف العام للحالة اللهجية العربية هو توصيف ظالم لها. خلاصة الأمر من هذا أن الناس لم يتكلموا في الجاهلية، ولا في أي حقبة بالفصحى هذه التي نسمعهم يتكلمون بها في المسلسلات الدينية والتاريخية العامة والخاصة. كانوا يتكلمون بلهجاتهم التي ربما كان في هذه الفُصحى كثير منها، لكنها كانت لهجات؛ ومثلما نتكلم اليوم بلهجاتنا، وأدباؤنا يتكلمون بها في يومهم، كذلك كان أبو الطيب المتنبي وأبو العلاء وابن زيدون، وكل من جُسدوا في مسلسلات، أو لم يجسدوا من القضاة والعلماء والفقهاء والساسة والخاصة والعامة.
لنعد إلى عبد الله غيث وهو في دور حمزة، وفي مشهد من مشاهد «الرسالة» يقول حمزة: باسلٌ أنتَ ومِغْوارٌ يَا أبَا جَهْل، وكيْفَ لا وأنْتَ تقاتِلُ رجَالاً بلا سِلاحٍ. ثم يصفعه ويقول له: رُدها عليّ إن استطعتَ. تكلم حمزة العائد من الصحارى بلكنة فصيحة فيها كثير من الصناعة، يندر في الاستعمال العادي، ولا تدعو الضرورة إليه، خلّفه هاجسه التأدب والمبارزة البلاغية، التي تقتل واقعية الشخصية المتكلمة. صحيح أنه لا أحد يعرف كيف كان أهل مكة يتكلمون، لكن الأخبار تقول إنهم كانوا يعيشون ما نسميه اليوم ازدواجا لسانيا، فيه تختلط لهجات مختلفة وافدة من كل أصقاع الجزيرة، إما عند الحج أو في غيره من المناسبات التجارية. لا أحد يعرف كيف يمكن أن يؤدى دور حمزة، لأن البحث عن الأصول اللهجية العربية القديمة، سد منافذه الاعتقاد بأن الفصحى هي اللغة الفضلى وأنها اللغة اليومية. يضاف إلى ذلك أننا ننسى ونتحدث عن الفصحى أن للكلمات تاريخا قضته، قبل أن تحط رحاله في مدائن الدلالة الحديثة، وحين نعبر بفصحانا عن زمن ضارب في القدم نكون في بعض الأحيان، كمن كسى الجاهلي كسوة باريسية أو إيطالية أنيقة، وطالبه بأن يتصرف على سجيته، كما يتصرف بدوي على سليقته. سأفترض مثلا أن لفظ «باسل» لم يكن يناسب في ذلك الوقت لفظة مغوار، مثلما يناسبها الآن ويكفي أن نشير في هذا السياق إلى اختلاف المفسرين في الآية 70 من سورة الأنعام في فعل من هذه الأسرة الاشتقاقية (تُبسلَ نفْسٌ بما كسبت/أولئك الذين أُبْسْلوا بما كسبوا) اختلافا دل على وجود طفرة دلالية بين المعنى القديم والمعنى الذي صار إليه. وفي لفظ مغوار من الأدلة على أن الشجاعة فيه هي شجاعة من يغير ومن يهجم فهي إلى اللصوصية أقرب منها إلى الشجاعة.» ( لسان العرب،5/36). وفي قوله كيف لا؟ أسلوب حجاجي حديث مبني على ما يسمى بالرد على الموهوم، وهذه طريقة جدالية عقلية، لا يمكن أن تنسجم مع روحِ بدوي يعشق الصحراء. لقائل أن يقول: هل يعني هذا أن نتوقف عن التمثيل بالفصحى؟ أقول ليس مقصدي إلى ذلك لكن سؤالي: كيف السبيل إلى أن نتوقف عن الاعتقاد بأن تلك الفصحى كانت لغة يومية في أيام العرب وفي أصقاعهم الغابرة؟ ولي سؤال آخر للمتشبثين بأنها كانت لغة الحياة واليومي: متى توقفت عن ذلك الدور ولماذا؟
 
٭ أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات