Sunday 17th of January 2021 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    11-Jan-2021

هل الشعر وحده هو ديوان العرب؟

 القدس العربي-مصطفى عطية جمعة

السؤال الذي يطرح نفسه في هذا المقال هو: هل الشعر في التراث العربي هو المعبر وحده عن الثقافة العربية؟ الإجابة ستكون بالنفي طبعا، لأن وسائل التعبير الثقافية الأخرى متعددة، وربما يكون المجتمع والنخبة قد توافق على كون الشعر، أروع ما أنتجه، ولكن ليس معنى هذا أنه الوحيد المعبر عن ثقافته وحياته، يظل السرد/الحكي/القص/ الخبر، رافدا آخر معبرا بشكل مختلف عن مظاهر الفكر والحياة.
فإذا أردنا الحصول على صورة أقرب للصدق عن الواقع الثقافي والحياتي العربي، فلا يمكن أن يكون الشعر مصدرا وحيدا، وإنما ننظر إلى السرديات، التي كانت شفاهية يوما، ثم دونت، وكذلك ندرس السرديات المدونة أصلا، وموجهة إلى القارئ، وكل هذه الحكايات والقصص، قدمت صورا نابضة بالحياة عن المجتمعات العربية والمسلمة، في عصور التراث العربي الممتدة، وهذا بالطبع بجانب مختلف العلوم والمؤلفات والفنون التي أبدعتها القريحة العربية المسلمة طيلة قرون. وهذا يقودنا إلى مناقشة مفهوم المعيارية فإننا نعني به الاتصال بقيم أدبية معينة: في الشكل، والأسلوب، والرؤية والمضمون، وهي قيم تكون مستقرة لدى المبدعين، مثل استقرارها لدى النقاد والمتلقين في حقبة بعينها، أو حقب أخرى.
فلا شك أن المعيارية ترتبط بمقاييس النصوص الإبداعية المتفق على تميزها، وحصولها على قدر عال في الذائقة، وقام النقاد والمبدعون على السواء برصدها واستنباط ملامحها ومعاييرها، ومن ثم القياس بها، وهذا في الأجناس الأدبية المختلفة، وفي مختلف عصور الأدب وحقبه، مما يحصر النموذج ويحدد القراءة. إننا لا نطالب بالتخلي عن المعايير، فهذا معنى سلبي، يراد به من قبل البعض التمرد، الذي يصل إلى الفوضى؛ بقدر ما نسعى إلى رحابة الرؤية في قبول مختلف النصوص الأدبية، وإمكانية استيعابها ضمن دائرة الإبداع، والبحث في وضع معايير خاصة، فإن أبت، فإنها تظل نصوصا تشع دلالات عديدة، ومعبرة عن حقبتها التاريخية، وسياقاتها الثقافية. أيضا، لا يمكن تفسير الشعر العربي بمعزل عن السرديات المصاحبة له، وإن كان الشعر نفسه فيه من السرد الكثير، وشتان بين مفهوم التفسير، أي الشرح للنصوص الشعرية، وأن يكون النص الشعري مرآة ثقافية. أيضا، من المفارقات أننا نجد كثيرا من القصائد الشعرية، صاحبتها مواقف حكائية، لن تفهم إلا من خلال استحضار هذه المواقف، ووعيها، وبالتالي يصبح الحكي مفسرا للشعر.
ولا يظن أحد أن كل الباحثين لديهم الوعي الكافي بالتراث، فالأمر مختلف حسب نوعية الدراسة التي تلقاها الباحث، ومدى تبحره في أعماق التراث، ومستوى إحاطته وفهمه للتراث: لغة، وتكوينا، وماهية، وطروحات. فكم من الباحثين يبحرون في التراث، وهم غير دارسين للتراث بشكل كاف، أو غير متمكنين من اللغة التراثية المدون بها الكتب، أو يكتفون بنقطة وقضية تراثية بعينها، بدون الدراسة الموسوعية الشاملة، التي تعمق تلك القضية في جوانبها المختلفة، بحيث فهم القضية في ضوء ما يرتبط بها من مسائل وإشكالات. إن الولوج إلى التراث يتطلب التسلح بوعي يعتمد على تفهم التراث فهما موضوعيا، وهذا الوعي، لابد أن يتأسس على ثقافة عميقة، تفهم التراث، وتعي شروطه التاريخية، وسياقاته الثقافية، فمن العبث إسقاط مفاهيم وقناعات معاصرة، أو غير معاصرة على تراثنا، فمن يفعل ذلك كأنه شخص يقطن في ناطحة سحاب، في مدينة حديثة، ويهوى القفز بالمظلات من الطائرات، وسقط ذات مرة بمظلته، على منطقة جديدة بالنسبة إليه، وراح يتجول فيها، مقارنا بين مدينته، وما يراه في هذه المنطقة الجديدة عليه، وتكون الكارثة أن يصدر أحكاما مرتجلة عمومية، نابعة من المقارنة الاستعلائية. لذا، لابد أن نفرق بين باحثي التراث ودارسيه، ومدى وعيهم بالمعايير، وتعاملهم مع التراث، وجهودهم ورؤاهم، على النحو الآتي:
الأول: مَن يعيد إنتاج التراث، فيشرح قضاياه، ويتبنى وجهة نظر القدامى، ومعاركهم، وأفكارهم، وهذا بمرور الوقت، وبانكفائه على التراث، يرى أن التراث فيه كل شيء، وأن باب الاجتهاد قد سُدَّ، ولا سبيل إلا بإحياء القديم. ولو نظرنا إلى معايير هذا الباحث في الحكم على أي قضية أو إشكالية، سنجد أنها نابعة من كتب التراث، ولا تحيد عنها، بل يتطرف أكثر، فيقيس المعاصر بمقاييس التراث ومعاييره، مثل من يحكم على الشعر الحديث من خلال شعرية أبي تمام، ومن يحكم على القص الحديث، من خلال حكايات التراث، بل إن هناك من يؤلف كتبا في عصرنا بطريقة التأليف القديمة نفسها، وباللغة نفسها أحيانا، وهذا باحث يستفاد منه من خلال تبحره في التراث، فتلك قدراته وتوجهاته، ومن العبث أن نغمط شأنه، أو نتهمه بالتحجر، مثلما يكون من العبث أن نستدعيه إلى قراءة ومناقشة، ثم الحكم على قضايا معاصرة، أو لا صلة للتراث بها.
 
هؤلاء الباحثون المرتكزون في بحوثهم التراثية – خصوصا في ميدان الأدب – على مدى المشابهة بين الأدب القديم والأدب الحديث، وهذه القراءة أساسها نظرة تقيس القديم على معايير الحديث، وتنظر إلى الأدب القديم بما ليس فيه، وإنما باعتبار ما ينبغي أن يكون عليه.
 
الثاني: من يبحث عن شواهد بعينها، تؤيد طرحه، وتؤصله، وقد تكون مسألة معاصرة، وهو يريد أن يعمقها تراثيا، أو مسألة تراثية، تحتاج إلى مزيد من التعميقن ومعاييره في جميع الأحوال جزئية، تتصل بالقضية التي يبحث فيها تراثيا، فإذا نال بغيته فإن نظرته تكون إيجابية للتراث، أي يحيل الحكم الجزئي إلى حكم عام كلي، والعكس قائم، فإذا لم يجد ما يعضد قضيته البحثية، فإنه يصدر حكما سلبيا. وهذا الصنف يظل يدور في الجزئيات والمتناثرات، وينطلق منها إلى العموميات، فمن الصعب أن نطمئن إلى أحكامه العامة.
الثالث: من يجهل التراث تماما، ويتخذ من كل القضايا والمناهج المعاصرة معايير له، وهو مستغن بذلك عن التراث، ففي معاييره المعاصرة ما يكفيه، وهذا لا يبحر في التراث بنفسه، وإنما يكتفي بجهود الآخرين في مجاله، فتظل رؤيته معلقة بجهود السابقين ورؤاهم، وغالبا، هو ينتقي من هذه الجهود البحثية، ما يعضد معاييره المعاصرة، فإذا اضطره البحث إلى العودة إلى التراث، فإنه يكتفي بإعادة إنتاج جهود الآخرين، أي يسير في دربهم نفسه، ويقتفي خطواتهم، وتكون نتائجه، بدون شك، متوقعة، فهو لا يضيف، ولا يعمّق، بل يكرر.
الرابع: هؤلاء الباحثون المرتكزون في بحوثهم التراثية – خصوصا في ميدان الأدب – على مدى المشابهة بين الأدب القديم والأدب الحديث، وهذه القراءة أساسها نظرة تقيس القديم على معايير الحديث، وتنظر إلى الأدب القديم بما ليس فيه، وإنما باعتبار ما ينبغي أن يكون عليه، فتارة تنظر إليه بوصفه نموذجا في مرتبة أدنى، أو أنه أدب في طور النمو (أدب ناشئ) وفي هذه الحالة يتم إلغاء خصوصية الأنواع القديمة ومغايرتها لمصلحة أدب يتعالى على الزمان والمكان، ومن أجل قيم أدبية تبتلع الخصوصية الجمالية التاريخية، لآداب الأمم والحضارات، ما يفضي إلى إلغاء هذه الآداب، والاحتفاء بآداب أمم أخرى، ومن ثم تنحاز تلك القراءة إلى النموذج الجمالي الحديث، تستخدمه أحيانا معيارا تعيد في ضوئه صياغة أنواع أدبية قديمة أو معيارا لمحاكمة هذه الأنواع واستبعادها، وفي النهاية فهي رؤية مهيمنة إقصائية معيارية، لأن كثيرا من الأنواع السردية القديمة، لم تحظ بالتقدير بسبب ما كانت تقوم عليه من مكونات تتعارض مع التوجه الجمالي لمفهوم الأدب الحديث.
لا شك في أن تلك النظرة صحيحة بشكل كبير، ولكن عندما نتمعن فيها ونناقشها نكتشف أن ثمة مسائل وقضايا ملازمة لها، ومرتبطة بطرحها. وأهم ما نلاحظه فيها أنه يمكن إطلاق مصطلح «التبعية الذهنية» عليها، التي هي جزء من أزمات الفكر العربي الحديث، بل الحياة العربية الحديثة كلها. والتبعية تأتي كنتاج لنقص واضح في الموارد الذاتية، يؤدي إلى الاعتماد على الغير، بدون إدراك أن هذه العملية لا تؤدي حقا إلى سد الحاجة الذاتية، بقدر ما تؤدي إلى إثارة حاجات أخرى، والاستمرار في مزيد من الإثارات لحاجات، بدون إشباع نهائي. ولو تأملنا النظرة (قياس الإبداع القديم بمقاييس حديثة) في ضوء تكوين النقد الأدبي العربي الحديث، سنجد أنها طبيعية، لأن النقد العربي الحديث تأسس في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، مبتعدا عن منهجية النقد العربي القديم الذي كان شائعا في أروقة الأزهر الشريف، فتم تكوين مدرسة نقدية أساسها النقد الغربي، ومن ثم تعاطت تلك المدرسة مع النقد القديم من منطلقات غربية، فمن المتوقع أن نجد أمثال تلك الرؤية للتراث العربي القديم، من منظور النقد العربي الحديث، الذي احتفى واتبع نهج النقد الغربي وآرائه وفلسفاته وتطبيقاته، بل تأريخه للأدب العربي ذاته، وهذا مقبول في ضوء عدم وجود علوم عربية حديثة، تساهم في تكوين نظريات أدبية ونقدية، فالأدب والنقد نتاج مباشر للتطورات المعرفية في المجتمع. ومن ثم، انتقلت مع النظريات النقدية الغربية، تحيزاتها الحضارية والثقافية بشكل مباشر أو غير مباشر، بحكم التبعية الذهنية، والمركزية الحضارية.
 
كاتب مصري