Wednesday 18th of October 2017 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    04-Aug-2017

حجارة البناء العظيم - معاذ بني عامر
 
الغد- يبدو الإنسان العربي إنساناً مُحطّماً في العموم، فقد شعر أن المشروع الذي بدأه فيما اصطلح عليه بـ الربيع العربي، تعرّض للانهيار والتداعي. بفعل تداخل كثير من العوامل التي اجتمعت لإجهاض ذلك المشروع الذي بدأه قبل حوالي 7 سنين. فمنذ اللحظة الأولى التي انقدح فيها جسد "محمد البوعزيزي" فانطلقت الشرارة الأولى للثورة التونسية ابتداءً، وكثير من الدول العربية لاحقاً، شعر هذا الإنسان أن زمن المهانة والإهانات سيُولّي بين ليلة وضحاها، مرة واحدة وإلى الأبد. ناسياً أو/و متناسياً أن التأسيس لتلك المهانة في الأذهان وانبثاقها إلى الأعيان تباعا، وتجليها تجليات عنيفة على أيدي طغم سياسية ودينية واقتصادية وثقافية، قد استغرق فترة طويلة. فهو لم ينبثق فجأة من العَدَم، حتى يذهب مباشرة إلى العَدَم. 
ولقد كان الإخفاق الكبير في مقاربة ما يحدث وعدم انسجامه مع ما كان يأمله الإنسان العربي، من عدم القدرة على تبصّر الفرق بين الحركة السلحفائية التي اضطلعت بها منظومة الخراب في العالم العربي، والإمكان التدميري الذي انطوت عليه عبر قرون طويلة، فأدّت إلى ما أدّت إليه من ويلات وآلام عصفت بالإنسان العربي وأحالت حياته إلى ويل وثبور، وبين الحركة الأرنبية التي اضطلع بها أو أراد الاضطلاع بها لحظة البدء بمشروع التغيير الذي ابتدأ بـ الربيع العربي. فقد أراد أن يحرق المراحل ويقفز قفزة هائلة في الفراغ دون أن يعي القوانين التي تحتكم إليها طبيعة التبدّلات الحضارية. فهي قوانين بطيئة جديدة، لذا لا ينفع معها الاستعجال، بل ينبغي التروّي والصبر والمثابرة، في حال كان التغيير مطمحاً شاملاً. ليس لإنقاذ الجيل الحالي مما حاق به من ظلم وعسف، أطاح بكل حيواته، وجعلها دون مرتبة المنافسة الحضارية فقط، بل لإنقاذ الجيل القادم، وتقديم يد العون والمساعدة له أيضاً. فلكي تكون دعواتنا صادقة، عليها أن تتجاوز ذواتنا، ناحية الآخرين، والاضطلاع بدور محوري في تقديم كل ما من شأنه أن يجعلهم يتجنبون ويلات ما نحن عليه الآن.
ولقد لقيت هذه المعادلة (القوانين الحضارية السلحفائية + القفزات الأرنبية السريعة) طريقاً لها في ذهن المثقّف العربي، بما جعله يستعجل في الحُكم على حركة تاريخية كبيرة، بحاجةٍ إلى ربع قرن على الأقل، لكي يستطيع أي باحث أو دارس أن يُشكّل حولها مادة غنية وخصبة، تجعل من رؤيته رؤية واثقة، لا رؤية استعجالية. ولربما، كانت الانطلاقة الأساس لهذه المعادلة من طغيان عنصر الـ(نحنُ) على عنصر (الفرد)، فنحن ميالون إلى العقل الجمعي أكثر من ميلنا إلى الوعي الفردي. لذا انتبهنا إلى الصورة الكُلّية، أكثر من انتباهنا إلى التفاصيل الصغيرة. ففي غمرة انتظارنا إلى أن تتحوّل البلاد العربية إلى جنّة عدن في غضون بضع سنين، بعد أن كانت بمثابة الجحيم لمئات من السنين؛ تغافلنا عن تلك الحجارة الصغيرة التي بدأنا بمراكمتها لغاية الشروع ببناء بيتنا الجديد.
نظرياً، يبدو أننا شرعنا في بناء البيت الجديد، وما تلك الاندفاعة الكبيرة لحركة الشعوب العربية ناحية الإطاحة بالبنى التقليدية التي خرّبت كل شيء، إلا شاهداً على تأكيد ذلك البُعد النظري. لكننا في الحقيقة، لم نبن بيتاً حتى هذه اللحظة، لا على المستوى النظري ولا على المستوى التطبيقي. فنحن نعيش الآن في العراء، لكن الكثير منا يُساهم -بوعي أو بدون وعي- في جلب أشياء صغيرة، لتكون جاهزة لِمَن سيأتون ويبنون البيت. ليس مهماً أن نبقى في العراء لبعض الوقت، لغاية إنقاذ الأجيال القادمة، مما عانيناه نحن؛ طالما أننا نُساهم في المراكمة لاجتماع خيّر مغاير تماماً للاجتماع الشرّاني الذي ذقنا قسوته مرة تلو الأخرى.
ليس مهماً، في المقاربات الحضارية، أننا كُنّا مجتمعات متدينة، وزادت نسبة التدين بعد الربيع العربي. وليس مهماً أننا عانينا من أنظمة ديكتاتورية، وأعادت حركة الربيع العربي إنتاج هذه الديكتاتوريات من جديد، وإن بأسماء مختلفة. وليس مهماً أننا كنا نعاني من فساد مستشرٍ قبل الربيع العربي، وها نحن الآن نعاني من الفساد نفسه. وليس مهماً أننا كُنّا نعذّب ونقتل على أي رأي مخالف وها نحن نعيد إنتاج العذاب والقتل بطريق جديدة ووحشية. وليس مهماً أننا كُنا نعاني من أحادية في أنماط التفكير، وما نزال نعاني من هذه الأحادية بعد كل الدماء التي سفكت، دفاعاً عن كرامة الإنسان وحريته. وليس مهماً أننا كنا أمة تابعة للغرب، واليوم صرنا أكثر تبعية.
الأهم من هذه الصور الكُلّية، التي يمكن أن تظهر على سطح المشهد السوسيوثقافي العربي، وينخدع بها المثقّف كما ينخدع بها الإنسان العادي. هي تلك النُتف الصغيرة؛ القطع الفسيفسائية، التي ستُساهم مع الوقت، في إكمال مشهدية المنمنمة الكبيرة. فالإزاحة الحضارية لا يمكن أن تحدث بإحداث قطيعة كاملة مع ما كان آنفاً، والقفز عنه على طريقة الأرانب قفزة غير محمودة العواقب، بل باستيعاب تلك البنى وتفكيك منظوماتها قطعة قطعة، واستبدال حجارتها التالفة بحجارة جديدة، إلى أن تظهر ملامح البيت الجديد، فلا يكون قد تغيّر شكله الخارجي فحسب، بل ومضمون من بدلّوا تلك الحجارة وساهموا في مراكمتها في منطقة البناء والإعمار.
الأهم هي تلك النُتف الصغيرة: 
الجرأة في الكلام، والتعامل تعاملاً أريحياً –إلى حدّ ما كمرحلةٍ أولى- دونما خوف داخلي أو تخويف خارجي.
نقد الأنساق السياسية/ الثقافية/ الأدبية/ الدينية، نقداً –إلى حدّ ما- معرفياً، لا نقداً سيكولوجياً يعتمد على ردّات الفعل النفسية، أكثر من اعتماده على الفعل العقلاني الحُرّ.
النشاط القرائي المتزايد، وما رافقه من تطوّر ملحوظ في الانتقال من طور المُتلقي السلبي، إلى طور القارئ الناقد.
تنامي الوعي الفردي في مسلكيات الحياة العامة –وإن بدرجاتٍ متفاوتة- على حساب ضغوطات الوعي الجمعي.
النشاط الثقافي المتزايد للشباب العربي، وانخراطه في مناقشة كثير من القضايا كانت فيما مضى حكراً على أناس بعينهم...الخ. 
ففي النهاية، يمكن أن تكون مثل هذه الصور وصويحباتها دليلنا لاستقراء ما يمكن أن نصير إليه، حتى لو اضطلع مثقّف –أي مثقّف- في الاستشهاد بحالة الضياع التي نحن عليها الآن، لغاية إشاعة اليأس بين الناس. فالفرق ليس في زاوية النظر، للتأكيد على الفروق في الذائقة الذاتية في مقاربة لوحةٍ ما. بل الفرق فرق فلسفي بالدرجة الأولى، فهو إذ يستشهد بصورة كُلّية، تظهر على السطح، وتجعل من الأمور واضحة ومُسطّحة؛ فإننا نستقرئ أجزاء صغيرة ما تزال قابعة في الأعماق، ولم يأن أوان انبثاقتها الكاملة حتى هذه اللحظة.
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات