Thursday 16th of July 2020 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    05-Jun-2020

رواية» 1958 حياة محتملة لعارف البغدادي»: السَّرد التخييلي كتابة مضادة للتاريخ

 القدس العربي-مروان ياسين الدليمي

 في روايته الموسومة «1958حياة محتملة لعارف البغدادي» يمارس ضياء الخالدي لعبة سردية، تعاطى فيها مع الممكنات التي تتيحها نظرية الاحتمالات، جاء ذلك في إطار رؤية ذاتية، عبَّر عنها بحرية واسعةٍ، وجرأة فنية بدت أقرب إلى أن تكون مغامرة لامست حدود الفانتازيا، حيث وقف أمام ذاكرة تاريخية شخصَّها بسنوات معينة من عمر العراق الحديث، ربما لا يختلف عليها الباحثون في تاريخ العراق، في أنها دمغت واقع هذا البلد ببصماتها، وحددت بالتالي مصير أجياله التي تعاقبت على أرضه منذ العقد الثاني من القرن العشرين وحتى هذه الساعة.
 
نزوع فانتازي
 
انحاز الخالدي في نسج روايته إلى فاعلية الانزياح، عندما تقصَّد أن يشاكس عبر مخياله السردي وقائع محددة من التاريخ، وبهذا الخيار يكون الخالدي قد عكس جوهر الفنان الذي لا يستطيع أن يفلت من إغواءات ذاته المبدعة، بالشكل الذي يصبح منجزه الفني تعبيرا عن روحه، حتى لو جنح أسلوبه إلى نزوع فانتازي في رؤيته للواقع التاريخي.
الخالدي وهو يتنكَّر للواقعة التاريخية بمعاكسة اتجاهها، ارتكز على ذاته الواعية في تشييد عالمه الروائي المتخيل، وفي تغيير مسار تواريخ معينة لعبت دورا أساسيا في تحديد صورة العراق، بعد تأسيس الدولة الحديثة عام 1921، ألقت بحمولاتها الثقيلة على واقعه السياسي والاجتماعي، بالتالي لم تنج من مآلاتها مصائر الناس، أفرادا وجماعات. الرواية بهذا المنحى أخذتنا إلى عالم واقعي تخييلي لهذا التاريخ، انطلاقا من نظرية الاحتمال، كما أشرنا إلى ذلك، لأن وجودنا قائم على لعبة الاحتمالات، وغالبا ما نعيش بين أناس كان من الممكن أن لا نراهم أبدا بناء على ذلك، ولو عدنا إلى بداية طرح نظرية الاحتمالات، سنجدها بدأت في القرن السابع عشر في علم الرياضيات، لكن استخداماتها امتدت إلى بقية العلوم الإنسانية، وستظل الاحتمالات ترافق حياة البشر، فالإنسان دائما ما يضع نفسه في دائرة فرضياتها حول جملة موضوعات قد تواجهه، ومن هنا بنى ضياء الخالدي متن روايته الحكائي، ورغم أنه استلهم خيوطها من بنية واقعية، لكنه لم يشأ إلاَّ أن يُخضع مسار أحداثها للاحتمالات التي فرضتها مخيلته، دافعا بها إلى مفترق طرق تتقاطع فيه نتائجها، مع ما كانت عليه في سياقها التاريخي، بمعنى أنه أعاد خلق الزمن وفق الاحتمالات التي فرضها هو، وليس كما فرضها التاريخ المسرود في الزمن الواقعي للأحداث، وبناء على ذلك تتسلل من بين سطور السرد، أسئلة ضمنية: ماذا سيحدث لو أن الجنرال عبد الكريم قاسم بَدَلَ أن يقود انقلابا عسكريا في الرابع عشر من يوليو/ تموز عام 1958 ضد النظام الملكي، يقرر الذهاب بالاتجاه المعاكس فيتواصل مع رئيس أركان الجيش ويخبره بتفاصيل الخطة الانقلابية التي أعدها مع مجموعة من زملائه الضباط لإسقاط الملكية، وبفضل هذه الخطوة تفشل الحركة الانقلابية، ويتم إلقاء القبض على الضباط ويصدر بحقهم حكم الإعدام؟ وما هي النتائج التي ستترتب على تاريخ العراق، إذا ما جرت الأحداث وفق هذا المسارالاحتمالي؟ كيف ستكون صورة البلاد؟ ما الذي ستشهده من تطورات مجتمعية؟ هل سيتأقلم النظام الملكي مع حركة الحياة ومتغيراتها؟ هل سيساهم في تغيير حياة العراقيين نحو المزيد من الرفاهية؟ هل سيتعزز السلم الداخلي؟
 
بنية السرد والاحتمالات
 
قد تخطر على البال أسئلة وتصورات كثيرة، في ما لو أقدم عبد الكريم قاسم على إبلاغ رئيس أركان الجيش بالخطة الانقلابية، وانقلب على رفاقه الضباط. مثل هذه التساؤلات القائمة على نظرية الاحتمالات، هي التي ارتكزت عليها ضمنيا البنية السردية لهذه الرواية، وبهذه اللعبة التي نُسِجت خيوطها بإتقان كبير، وجدنا أنفسنا أمام تاريخ آخر لمدينة بغداد، حيث لم تشهد انقلابا عام 1958، ومضت الأيام والسنوات على طبيعتها ونظامها، الذي لم يختل، الشخصية الرئيسة الساردة للأحداث «عارف البغدادي» الذي ولد عام 1910 وكان مقربا من العائلة الملكية، يبدأ رحلة السرد، وهو يقف بسنواته التسعين في ميدان مترو الجادرية المسقَّف والمزدحم بالمسافرين والعائلات المتبضعة ليلة الاحتفال بآخر يوم من القرن العشرين، ليكون شاهداً على التاريخ، وساردا له من منظوره الخاص: «قرن قديم أقفل بزوال البارحة، ولا أثر لذلك عند أغلب البغداديين، فلا اختلاف لديهم بنهاية قرن وولادة قرن، سوى ما يؤكد أن هؤلاء الضاربين بأقدامهم أرصفة الطرقات، والموجودين في البيوت والمستشفيات والدكاكين والمقاهي والنوادي وفي كل مكان، هم أبناء هذا التقويم». إنها لحظة زمنية فاصلة من عمر التاريخ، لم يكن يتوقع عارف البغدادي الذي يتولى لوحده سرد أحداث الرواية، أن يصل إليها يوم كان طفلا، أي قبل أن يكون فيصل الأول ملكا على العراق إنه «تاريخ بعيد، كان فيه جسدي طريا وخفيفا، عكس اليوم، وهو يتحرك بصعوبة بين بشر لم يكن أكثرهم قد ولد بعد».
بناء على احتمالات الخالدي لم ينته مصير العائلة الهاشمية على تلك الصورة البشعة التي كانت عليها في الواقع، ولتستمر العائلة الهاشمية في الحكم طيلة النصف الثاني من القرن العشرين، لأن َّ الجنرال قاسم لم يخن شرفه العسكري، حينما آثر أن يفشي بأسرار الانقلاب قبل وقوعه، مجنبا بذلك مذبحة شنيعة حدثت في التاريخ الحقيقي، كان قد شهدها قصر الزهور ضد العائلة الملكية، ولتمضي الحياة في القصر الملكي على وتيرتها الطبيعية الهادئة، مخالفة بذلك مسار ما أفرزه التاريخ الواقعي.
 
تاريخ تخييلي مضاد للتاريخ
 
الخالدي يعيد كتابة التاريخ من جديد، باتجاه مضاد، وكما ينبغي أن يكون، أو كما يحلو لغالبية العراقيين أن يكون تاريخ بلادهم الحديث، وليس كما كان في الواقع. والتاريخ الذي تسرده رواية الخالدي يبدو معافى من الدم والمغامرات الطائشة، التي قادها جنرالات حالمون بالسلطة، تناوبوا على حكم العراق منذ خمسينيات القرن الماضي، رغم أن عالية ابنة فيصل الثاني التي تجاوز عمرها العشرين عاما بخمسة أعوام بقيت أسيرة حلم يقظة ما انفك يطاردها، حيث بدا لها كما لو أن حريقا يشب في القصر، فتحرق ناره أفراد العائلة الملكية، بينما هي تركض مذعورة من الخوف. ورغم محاولات عرفان البغدادي، الذي كان بمثابة موجه لها في تبديد مخاوفها من هذا الحلم، إلا أن رؤيتها تتحقق عندما تتعرض للاغتيال في الأيام الأخيرة من القرن العشرين.
 
الخالدي يعيد كتابة التاريخ من جديد، باتجاه مضاد، وكما ينبغي أن يكون، أو كما يحلو لغالبية العراقيين أن يكون تاريخ بلادهم الحديث، وليس كما كان في الواقع.
 
يوتوبيا بغداد
 
حاول الخالدي أن يبتكر أزمنة جديدة، حافلة بتفاصيل سردية مشبعة بحلاوة الحياة، التي لطالما بقيت حبيسة أماني العراقيين. إنها يوتوبيا، أعاد فيها خلق تاريخ جديد لبغداد، فقدم لنا مدينة يخلو تاريخها من صور العنف والقهر والكراهية، أمّا حال الناس فيها، وكما يصفهم عمران البغدادي مع بداية الألفية الثالثة يتنعمون بالغنى والحياة الناعمة، ويعيشون في بيئة مدنية تتعالى فيها الصروح المعمارية، وطرق المواصلات الحديثة، وكان من الممكن أن تُبتَلعَ كل هذه الصور، في ما لو نجح الانقلاب العسكري، لتحل بدلا عنها صور أخرى سلبية، كما هي اليوم في الواقع الذي فرضه التاريخ الحقيقي: «ملامح الناس وقد شاخت، أطفال قذرون لوّحت بشرتهم الشمس وهم يدورون بين الأزبال بحثا عمّا يباع. شوارع خربة تستعيد قذارة تواريخ منسية، قبائل، وعمائم في المقدمة، وحروب يافطات، ومال ورصاص بيد من يملك القدرة على البطش، أحداث تتناسل إلى تفاصيل مؤلمة، وأكاد أسمع نواحا من عمق زمن ما».
 
المتن الحكائي
 
تلعب الأقدار دورها في تقرير الاحتمالات التي ستأخذ مجراها في حياة عمران البغدادي، بعد أن اتخذ قرار مغادرة العراق عام 1939 على أمل الوصول إلى ألمانيا برفقة صديقه مُخلص، وقرار المغادرة اتخذه على إثر الانتكاسة النفسية التي أصابته بعد الحادث المفاجئ الذي أودى بحياة الملك غازي، الذي كان زميلا له ومقربا منه، أثناء ما كانا يدرسان في الكلية الحربية، لكن القدر كتب نهاية أخرى لهذه الرحلة لم تكن في قيد الاحتمالات التي وضعها عرفان عندما عزم على السفر، ففي الليلة التي يصلان فيها إيطاليا، ويحطان فيها الرحال مؤقتا على أمل أن يغادرا في صباح اليوم التالي إلى ألمانيا، يعترض طريقهما اثنان من الإيطاليين بعد خروجهما من البار فيحاولان سلب نقودهما، فما كان من صديقه مُخلص إلا أن يشتبك معهما فيقتل أحدهما بعد أن يطعنه بسكين ويفر هاربا، بينما يجمد عرفان في مكانه، فيتم اعتقاله من قبل الشرطة ويحكم عليه بالسجن لمدة عشرة أعوام، إلا أنه يتمكن من الهرب برفقة زميله التركي يغيت، الذي كان يشاركه الزنزانة بعد أن يتعرض السجن إلى القصف، إثر قيام الحرب العالمية الثانية.
 
في ما بعد سنقف أمام قصة حب تجمع عرفان بعائشة غولن، في قرية «اكتاش» التركية التي ينتمي اليها صديقه التركي، الذي أصر على أن يصطحبه معه إلى قريته، ولم يكن هذا الحب ضمن احتمالات البغدادي، وسيرتبط بها وتنجب له ولدا وبنتا، وليعيش معها وبين أهلها عشرة أعوام حظي فيها بالحب، ولتتغير كل الاحتمالات التي كانت في حساباته عندما قرر مغادرة العراق. لكن لعبة الاحتمالات لم تتوقف عند هذا الحد، فبعد وفاة والد زوجته، وخشية أن يستورث عرفان الأرض التي خلفها والدها، يتفاجأ عرفان بموقف عنيف عبَّر عنه عَم زوجته عندما سحبها منه بالقوة مع طفليه، وخيّره بين إعلان طلاقه منها، أو أنه سيتعرض للقتل، فيضطر عام 1949 إلى مغادرة القرية عائدا إلى العراق، بعد أن فشلت جهوده في استعادة زوجته وطفليه. وبعد سنين تجمعه الصدفة في مقهى بغدادي مع صحافي شاب يجلس إلى جانبه، وبعد حديث يجري بينهما يكشف للصحافي عن معرفته الوثيقة بالملك غازي، فيصر الصحافي على أن يجري معه لقاء صحافيا يستذكر فيه بغداد خلال فترة العشرينيات والثلاثينيات، وما أن يقرأ الملك فيصل الثاني اللقاء، حتى يستدعيه إلى قصر الرحاب ويتعرف عليه، ويعيّنه مسؤولا على مكتبة القصر، ومن ثم يساعده في استعادة عائلته التركية التي عجز عن معرفة مكان إقامتها الجديد.
 
سؤال الرواية
 
في هذا الجزء من المتن الحكائي ينسج الخالدي قصة حب توفرت فيها عناصر القوة والتماسك، بالشكل الذي لم يستطع الزمن أن يعبث بها ويحطمها، رغم الاحتمالات المعاكسة التي رسمتها المقادير، وهنا يبرز سؤال جوهري تطرحه الرواية: ماذا لو أن الحب هو الذي بنى العراق الحديث، وليست مشاعر الكراهية؟
بهذه البنية السردية القائمة على فرضية الاحتمالات بنى الخالدي مدينة بغداد على الضد مما هي عليه في واقعها التاريخي منذ عام 1958، مدينة تتعايش فيها الأجيال، بدون أن تفاجئهم انعطافات حادة تهدم حياتهم، لتصبح التجربة الفنية ليست مجرد محاكاة للواقع، إنما تتجاوزه إلى مدى أبعد من إعادة بنائه وتجميله، بمعنى أن المبدع يدخل في مغامرة تخييلية لخلق واقع مغاير للواقع، الذي استوحى منه مادته الخام، بما يمتلكه من حرية تتيحها مخيلته.
 
٭«1958حياة محتملة لعارف البغدادي»: لضياء الخالدي
إصدار: دار نابو للنشر والتوزيع 2018
عدد الصفحات 195
 
٭ كاتب عراقي
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات