Friday 4th of December 2020 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    10-Nov-2020

الأديبة والباحثة كريمة عيساوي: الكتابة مسكن لألم ممتد.. ووجود خارج الزمن

 الدستور-حاورها: الدكتور فوزي الخطبا

 
 
تذهب الأديبة والباحثة المغربية كريمة نور عيساوي إلى أن «الكتابة هروب مؤقت أو مسكن لألم ممتد.. هي وجود خارج الذاكرة المنكوبة وخارج الزمن»، وأن «مواقع التواصل الاجتماعي فإنها سيف ذو حدين، من الممكن أن تصنع نجما في بضعة أشهر، ومن الممكن الإطاحة به في أقل من يوم واحد».
والأديبة والباحثة كريمة نور عيساوي متخصصة في تاريخ الأديان، وتحمل شهادة الدكتوراه في علم مقارنة الأديان، وهي أستاذة تاريخ الأديان بكلية أصول الدين وحوار الحضارات، جامعة عبد المالك السعدي/ تطوان. رئيسة مركز تنوير لتحالف الحضارات والتنمية الاجتماعية والثقافية بفاس، من أهم إصداراتها: إبداعات نسوية مغربية، دار المثقف الجزائر، 2017. الدراسات الأدبية والنقدية في الوطن العربي، كتاب جماعي، الوراق للنشر والتوزيع الطبعة الأولى، عمان الأردن، 2018. بقايا امرأة، ديوان شعري مع دراسة نقدية منشورات مركز تنوير لتحالف الحضارات والتنمية الاجتماعية والثقافية، بركان المغرب 2020. في الحوار التالي نطل على عوالم الأديبة عيساوي الفكرية والإبداعية:
 
* د. كريمة هل تعطينا نبذة عن سيرتك الإبداعية والأدبية؟
- باحثة في علم الأديان من مواليد مدينة فاس، المغرب، حاصلة على شهادة دكتوراه في علم مقارنة الأديان من جامعة سيدي محمد بن عبد الله فاس، أستاذة تاريخ الأديان وحوار الحضارات بكلية أصول الدين جامعة عبد المالك السعدي تطوان، مجال تخصصها الدقيق الدراسات التوراتية ونقد الكتاب المقدس، تهتم بقضايا المرأة، شاعرة وكاتبة قصة، تشغل حاليا رئيسة مركز تنوير لتحالف الحضارات والتنمية الاجتماعية والثقافية.
 
* ما هي بدايتك الأولى في عوالم كتابتك الإبداعية؟
- لم تكن بداية رحلتي مع الكتابة رحلة عادية بل كان فيها شيء من السحر ومن الجاذبية فأنا لم أخطط للوجهة ولم أحدد التاريخ سافرت في رحاب الحروف دون جواز سفر و سَبحت في رحاب المعنى  على امتداد رحلتي القصيرة كنت أحاول لف هذه الحروف بالورد، وسقيها بعبق الياسمين لعلها تستطيع يوما ما تطييب جروح هذه الذاكرة النازفة، قد تكون الكتابة وسيلة للنسيان أو الشفاء بالرغم من أننا لن نشفى نهائيا، الكتابة هروب مؤقت أو مسكن لألم ممتد... هي وجود خارج الذاكرة المنكوبة وخارج الزمن.
قد تكون هنيهتي هذه نواة لأوجاع مشتعلة لا تخبو إلا بعد طي سنوات فوضوية، لكنني أحاول دائما تلوينها بشهقات فرح هاربة لخلق توازن داخلي كاد أن يُسقط إحدى كفتي ميزان الروح.لم يعد أمامي سوى نسج جسر من الحروف أعبرمن خلاله للضفة الأخرى، فقد صُمت منذ زمن ليس بالقريب عن اجترار ما هضمته الأيام الخوالي من وجع مرير.
الكتابة الإبداعية هي تلك الفسحة التي أحياها وحدي لإخراج الصوت المخنوق في داخلي، وتحرير الروح من سلطة القيود التي تُطبق عليها، إذ إنه من السهل انعتاق الجسد من مختلف أنواع الأغلال لكن من الصعب تحرير العقول والأفكار وإطلاقها في سماء الحرية. الشعر والقصة بالنسبة لي هما الكوة الوحيدة التي أُطل منها وأنا مرتاحة البال، هو العالم الفسيح الذي أرفل في جنباته، وأتسربل بين حدائقه، وأحلق في سمائه الرحبة، هو المشي على أطراف الأصابع وبأقدام حافية في الحديقة الخلفية...هو مشي لا يتقنه إلا من تربى على التحليق فوق قطن السماء حيث الضوء المنبعث من الصفاء والنقاء.
الكتابة الإبداعية هي ملجئي الوحيد الذي ألوذ إليه لأحتمي من السيوف المهندة التي تقطع كل مورق يانع لا يَروق للبعض لاعتبارات إيديولوجية أو سياسية أو اجتماعية مغلقة لم نتجرأ على طرق بابها، أو ربما طرقها البعض فزُج بهم في جحيم اللعنات، واحترقت القصيدة في طقس احتفالي مهيب.
قصيدتي غضة وطرية عمرها عمر طفل داخلي بدأ يشاكسني بشقاوته منذ أربع سنوات فقط. لكن أعتقد هي قديمة قدم قدومي لهذا العالم، هذه الذاكرة تتمنع علي، تخونني كثيرا وتهرب مني عندما أرغب في مداعبتها، ودغدغتها لأنتزع منها اعترافا متى بدأت علاقتي بالقصيدة ربما الشعر كان يكتبني دون علمي ودون حروف مشتهاة فهو لم يترك لي المجال لأكتشفه بل هو كشفني للعيان دون إذن مني، بسطني في صورة دون إطار وعلقني في الهواء.
 
* صدر لك العديد من الدواوين الشعرية (صهيل من فلوات الأرواح) (بقايا امرأة) (خلف النافذة) , كيف تختارين عتبات النص لهذه الدواوين؟
- القصيدة كما أشرت سابقا تكتبني ولا أكتبها تسحبني ولا أتمنع عنها، هكذا أجدني ولجت عالمها دون إذن مسبق أو تخطيط، ليست لدي أي طقوسخاصة للكتابة فهي غير محددة بزمان أو مكان،كما أنها لا تحمل أي تصور خاص، هي وليدة لحظتها قد تطالعك عتبة في أي لحظة فما عليك إلا تلبية الدعوة، وإلا سُلطت عليك لعنة الجفاء، هو ألم لا يدركه إلا الشاعر الذي أصابه الإحساس بالاستنفاذ وعدم القدرة على الخلق.
لكل ديوان طابعه الذي يميزه وظروفه الخاصة التي ولد فيها، (صهيل من فلوات الأرواح) له تيمة خاصة اصطبغ بها،هو صرخةمدوية ضد الحرب والهجرة واللجوء،أما (بقايا امرأة) فهيرسالة صريحة خطت بأنامل أطياف مختلفة من النساء المضطهدات في المجتمع،هي أصوات متعددة توحدت في صوت المرأة المخنوق وراء مجموعة من القيود التي أقرها الإنسان بعيدا عن كل مظاهر الإنسانية، أما (خلف النافذة) فهو وليد ظرفه الحالي وليد الحجر والإقصاء. في حين أن (رذاذ من شاه البوح) فهذا الديوان له طابع خاص حيثأن نصوصه كتبت في فترات متباعدة وفي أماكن مختلفة دونت أغلب نصوصه بين فرنسا وسويسرا وألمانيا.
 
* الذي يقرأ أعمالك الشعرية يجد أنها متمردة على القصيدة العمودية أو القصيدة التفعيلة، هل أنت قاصدة ذلك؟
- أنا خريجة شعبة اللغة العربية، درست كل أنواع الأدب من شعر وقصة ومسرح ونقد، فقد عشقت القصيدة العمودية التي تبهرني بفصاحتها، وبلاغتها، وعمقِ المعنى، والأسلوب فهي أساس الشعر العربي.لقد قرأت لعدد كبير من الشعراء القدامى بحكم تدريسي لمادة اللغة العربية لمدة عشر سنوات ودرست البلاغة والعروض لتلامذتي وتشبعت بهذا العلم دراسة وممارسة، هذا بالإضافة إلى اهتمامي بقصيدة الشعر الحر التي كانت جسرا عبر من خلاله الشعر إلى قصيدة النثر، لكن أجد نفسي في قصيدةالنثر، وإن كان الكثير من النقاد يقرون أنني أرزح تحت تأثير القصيدة العمودية من حيث اللغة.
 
* مواقع التواصل الاجتماعي جعلت العالم حارة كونية, ما أثر هذه المواقع على الأديب العربي؟
- لقد أضحى العالم اليوم عبارة عن قرية صغيرة بفضل ما قدمته لنا التكنولوجيا الحديثة في مجال الإعلام والتواصل، فعرفت مواقع التواصل الاجتماعي طفرةً نوعيةً تمثلت في إقبال جميع طبقات المجتمع عليها بحيث لم تعد فقط حكراً على الفئة المثقفة وجيل الشباب بجنسيه (الخشن واللطيف)، وإنما أصبحت ملاذاً محبوباً تتقاطر عليه كل الفئات العمرية بدءاً من الصغير الذي لم يتعلم المشي بعدُ، مروراً بالشاب وبالكهل وانتهاء بالمُسن الذي قد تخونه قدماه إذا لم يتكئ على عكازه. وذلك نظرا لبساطتها وسهولة ولوجها حيث أضحى الوصول إلى هذه الشبكات بمختلف أنواعها ومُسمياتها متاحا وفي متناول الجميع، وذلك بغض النظر عن مجمل الفروق التعليمية والفواصل المعرفية والتفاوت الاجتماعي.
إلا أن مواقع التواصل الاجتماعي، وكما أشرت سابقا في مجموعة من المقالات، فإنها سيف ذو حدين. من الممكن أن تصنع نجما في بضعة أشهر، ومن الممكن الإطاحة به في أقل من يوم واحد. هي صوت من لا صوت له. هي صحيفة خاصة يُطل من خلالها الأديب على متتبعيه، ينشر عبرها إبداعاته، وصور أنشطته، وبعض المحطات من حياته الشخصية. لذلك يجب علينا التعامل معها بذكاء وبرقي كبير. فهي ترجمة فورية وأمينة لذات الأديب.
 
* أنت شاعرة وباحثة وقاصة وكاتبة مقالة, أين تجدين نفسك بين هذه الحقول مجتمعة؟
- صراحة إن البحث العلمي في مجال علم مقارنة الأديان يأتي على رأس أولوياتي، ويبتلع قسطا كبيرا من وقتي. إذ هو بالنسبة إلي بمثابة نوع من التحدي الذي لا يمكن كسب رهانه إلا باستنبات هذا العلم من جديد في جامعات العالم العربي والإسلامي، ولن يتأتى ذلك إلا بالبحث والتأطير وتكثيف الجهود بين كل الباحثين في هذا المجال. إلا أن هناك فسحة ضيقة لسمو الروح، وتحليقها في سماء الإبداع، أخصصها للشعر والقصة.
 
* قلت في أكثر من مقالة أن جائحة (كوفيد19) قد وحدت العالم تحت مظلة واحدة, كيف ذلك؟
- في بداية الحجر الصحي مع اجتياح وباء (كوفيد19) كانت العودة إلى البيت تحمل في طياتها الكثير من الأسئلة والهواجسنتيجة الوضع القائم، فكانت العودة ضمنيا إلى الذات ومساءلتها في ظل الصدمة الأولى والتي ترجمها المبدعون بشكل راق في إقامة المؤتمرات والمهرجانات والمعارض واللقاءات المباشرة، فظهر لنا نوع جديد من الأدب يُسائل الواقع لكن يجهل النتيجة ولا يحمل رؤيا للمستقبل، فكان الرجوع إلى حضن القصيدة والقصة واللوحة بمثابة العودة لذاك الأنين المغيب على السطح أو المتجاهل من طرف الكثيرين، إذ وجد المبدعون أنفسهم وعموم الناس باختلاف لغاتهم ودياناتهم وإثنياتهم يتوحدون فجأة في سفينة واحدة تلاطمها أمواج عاتية تثير في الجميع الرهبة والخوف من اللقاء، والتجمع، فكان البعد أمنا وحياة، و كان اللقاء موتا محققا. لذا كان الإبداع بكل تجلياته هو شراع المبدعين يحاولون من خلاله توجيه السفينةـ والرسو بها ولو مؤقتا في بر الأمان، لكن سرعان ما ارتفعت الأمواج وتغولت العاصفة من جديد في خضم ما يعيشه العالم من صراع ديني تحركه الايديولوجيات الخفية.