Monday 30th of November 2020 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    07-Nov-2020

قيس الزبيدي كما يصوره محمد ملص: رحلة السينما الجديدة

 القدس العربي-إبراهيم عبد المجيد

هذا كتاب مثير جدا من إصدار دار نوفل «هاشيت أنطوان» في بيروت للمخرج محمد ملص. من أول نظرة على غلافه حين تقرأ العنوان «قيس الزبيدي» ثم عنوانه الفرعي «الحياة قصاصات على الجدار». يأخذك على الفور إلى من يكتب عنه كمونتير متفرد، ومُخرج كبير أيضا، لكن كيف سيتم ترتيب هذه الأوراق؟
وما دامت الحياة هكذا فكيف سيتم إخراج ومونتاج هذا الكتاب عنها. الكتاب سيرة عن قيس الزبيدي العراقي المولد، الذي ترك العراق ليتعلم في ألمانيا، ومنها ينتقل ليعمل في سوريا وبيروت، وكيف جمعت الظروف بينه وبين محمد ملص منذ عام 1972 قبل أن يلتقيا وبعدها. كان محمد ملص يدرس السينما في موسكو، وتأتي لهم الأخبارعن مهرجان دمشق لسينما الشباب عام 1972، الذي رفع شعار السينما البديلة، ثم نشوء المؤسسة العامة للسينما في سوريا وإنتاجها للأفلام.
تستطيع أن تمشي مع سيرة المكان والزمان وكل منهما، لكن يفتنك أن بنية الكتاب بحق أشبه بالبنية الروائية، كما قال محمد ملص، وتزيد أنها تحولت إلى رؤية للأحداث كأنها فيلم، عمل هو على مونتاجه، فضلا عن أنه مخرجه. إنه يتحدث ثم يقفز قيس الزبيدي بالحديث، يأتي به محمد ملص مما تركه له قيس الزبيدي من أوراق، أو مما كان هو يكتبه مفتونا به، وقيس يتحدث، ثم يعود بك محمد ملص مستكملا معلقا أو مناقشا ما سبق، ويقفز الزبيدي ليفعل مثله. هكذا في خطوط متوازية، أو متعارضة بينها تعب الحياة الأولي لقيس الزبيدي في العراق، وكيف استقر للدراسة في ألمانيا الشرقية، ثم كيف وفد إلى دمشق، وكيف وجد مصاعب، كما وجد مؤازرة. المشاهد واللقطات هنا مادة مصورة أو بلغة السينما «rushes» أقام لها محمد ملص مونتاجا، ولا نعرف ماذا ألقي في سلال الـ «Out» كما يفعل المونتير. وما قدمه من مادة مصورة يكفي ويمتع القارئ العادي والمثقف والباحث معا. يقول عن قيس الزبيدي ما قاله الناقد السينمائي سمير فريد «قيس الزبيدي سينمائي لا شبيه له في السينما العربية، فهو عراقي يعيش بين سوريا ولبنان وبرلين، وأفلامه تتناول قضية العرب الأولي فلسطين. وهو يجيد التصوير والمونتاج وكتابة السيناريو والإخراج بكفاءة عالية، وعن علم ودراسة، وهو من القلائل الذين يجيدون الكتابة النظرية والتطبيقية، ومقالاته وكتبه عن الدراما والمسرح والسينما، سواء المؤلفة، أو المترجمة عن الألمانية، هي من المراجع المهمة في الثقافة السينمائية العربية».
لا يختلف الأمر في المقالين، اللذين أضافهما للكتاب، الأول منهما بقلم بشار إبراهيم عن فيلم قيس الزبيدي «حصار مضاد» الذي أخرجه عام 1978 عن معاناة من بقي من الفلسطينيين في الأرض المحتلة، بسبب الممارسات الفاشية التي يقوم بها جنود الاحتلال الإسرائيلي، وهو مقال نشر عام 2010. ولا عن المقال الأخير لفيصل دراج بعنوان «الفنان الذي خلق وثيقته» الذي نشر عام 2004، وهو ليس عن فيلم لكن عن الفنان، كأنه الصورة الأخيرة مجمعة لما قبلها، ففيه وصوله إلى بيروت وسيرته وسيرة فلسطين والسينما، مقارنا بينه وبين المؤرخين، فهو روائي لا يكتب بالحبر، وقام بتجديد الفيلم الفلسطيني، ليخرج من التراجيدية المقيد بها، كاسرا رتابة الفيلم الوثائقي، بإغناء المادة الوثائقية، وتنوع الرؤي والمواضيع التي تتوزع على المؤرخ والطفل والمرأة والرجل في الحياة العادية، وغير ذلك من توصيف لأفلام قيس الزبيدي التي تعرف منها أنه قدم شكلا مختلفا للفيلم التسجيلي، فتتذكر ما قرأته في الكتاب، وكيف كانت معركة الفيلم الوثائقي ليخرج عن رتابته، مقدمة لمعركة الفيلم الروائي ليحتل فيه الشكل المساحة الأكبر من الموضوع.
 
تستطيع أن تمشي مع سيرة المكان والزمان وكل منهما، لكن يفتنك أن بنية الكتاب بحق أشبه بالبنية الروائية، كما قال محمد ملص، وتزيد أنها تحولت إلى رؤية للأحداث كأنها فيلم، عمل هو على مونتاجه، فضلا عن أنه مخرجه.
 
لقد انتقلت لحديث فيصل دراج، وهو آخر ما في الكتاب، لأؤكد كيف تتوالى المشاهد في تكوين جديد على الكتابة. وأعود إلى المتن فتعرف من الكتاب الأفلام التي قام قيس الزبيدي بكتابة السيناريو والمونتاج لها مثل ثلاثية «رجال تحت الشمس» أو «الحياة اليومية في قرية سورية» أو «السكين» أو «مئة وجه ليوم واحد» وغيرها. وكذلك الأفلام التي أخرجها مثل «بعيدا عن الوطن» و«الزيارة» و«شهادة الأطفال في زمن الحرب» و«اليازرلي» وغيرها، وكلها ما بين أفلام تسجيلية وروائية وروائية قصيرة، ومع كل فيلم حكايته منذ كان فكرة، وكيف تم إنتاجه وإخراجه، وعمل المونتاج له. بين هذا كله لقاؤه مع محمد ملص في سوريا وألمانيا وتونس، والانتقال بسبب الأفلام إلى أكثر من بلد.
في ألمانيا يري محمد ملص حياة قيس الزبيدي بتفاصيلها الصغيرة، من البيت الذي يعيش فيه، إلى المنضدة التي يجلس إليها، إلى المقاهي التي يجلسان فيها، إلى من يقابلون بموعد أو صدفة من غرائب الناس. وحين يصف الأماكن من جديد، بعد هدم سور برلين، وانتهاء القسمة إلى ألمانيا الشرقية والغربية. ترى كيف صار الجديد، سواء من إقامة «مول» قريبا من البيت لم تعرفه ألمانيا الشرقية من قبل، أو تحول السكن من بيت تابع للحكومة الألمانية، إلى شقة صارت ملك قيس الزبيدي بمبلغ شهري لا يزيد عن ثلاثين في المئة من راتبه، لمدة خمسة وعشرين سنة. هكذا هي عين المخرج المقتصد في الكلام، الذي يقدم الصورة، وهي المعركة التي خاضاها معا وغيرهم من المخرجين من جيلهم مثل مروان حداد ونبيل المالح ومروان المؤذن ومحمد شاهين وعمر أميرلاي.
والمؤلف يمشي بنا مع الأفلام التي قام قيس بمونتاجها، أو التي قام بإخراجها فنرى الصعوبات والتسهيلات التي جرت فيها وحولها، والمديرين الذين ساندوا قيس الزبيدي مثل حميد مرعي، والذين لم يساندوه وأبعدوه عن العمل في مؤسسة السينما مثل أحمد قرنة في دمشق، والأفلام التي أخرجها أو عمل فيها، داخل سوريا أو خارجها، وأشرت إلى بعضها. تتوالى المشاهد والصور لنرى الأفلام التي عملا فيها معا، فينفتح المشهد لحديث طويل لقيس الزبيدي، يتحدث باستفاضة عن فيلم «الليل» 1993 لمحمد ملص وفيلم «حلب مقامات المسرة» وهنا يتحدث محمد ملص ويقفز بينه حديث الزبيدي عن عمر أميرلاي صديقهما المشترك، ثم الفيلم الذي لم يكتمل ولم يتم وهو «البحث عن عائدة» التي انجزت له المعالجة السينمائية الممثلة التونسية للمسرح جليلة بكار في تونس، وكيف اختلفت معهما لأنها لاحظت أن المخرج محمد ملص اقتطع في المونتاج لحظات كثيرة من المشاهد التي تتلو فيها مقاطع من النص الذي كتبته، وغاب عنها أن المشاهد المصورة الصامتة تعوض بقوة الشيء الكثير مما كانت تقصده من كلمات. لقد بقي الفيلم على ما كان عليه، فقرر ملص إيقاف العمل في الفيلم والعودة إلى دمشق، وغادر قيس تونس إلى برلين.
ومعذرة لن يتسع المقال لأحدثك عمن تأثر بهم قيس الزبيدي من مخرجي العالم مثل ايزنشتين وغيره. لقد كانت الحياة معركة ليس بصعوباتها أحيانا فقط، لكن أيضا بمحاولة أن تكون في سوريا سينما عصرية، تضارع السينما العالمية في اعتمادها على التجديد في شكل الفيلم، وهو يقدم موضوعاته، وكيف أن الشكل والبناء الفني هو الإسهام الأهم لأي مخرج، تماما مثل اللوحة الفنية، وكيف أن هذه السينما التي يحتفي بها العالم في مهرجاناته أفضل من أي دعاية سياسية.
الحقيقة أمتعني الكتاب بما فيه من معلومات، وأمتعني أيضا ببنائه الفني الذي يليق أدبيا بمخرج مثل محمد ملص ومونتير ومخرج مثل قيس الزبيدي.
 
٭ روأئي مصري