Thursday 22nd of August 2019 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    13-Aug-2019

آفة الثالوث المدمر في العراق* مثنى عبد الله

 القدس العربي-ما جتمعت السياسة بالدين المُفترى عليه وشيطان المال في بلد من قبل، كما هي عليه في العراق الديمقراطي اليوم. فلا يغرنّكم ما يقال إنها أكبر حملة مداهمة لصالات القمار وتجارة المخدرات وأوكار الاتجار بالبشر، يقوم بها الحشد الشعبي بتكليف من رئيس الوزراء. فإذا قد تم القاء القبض على من يقال إنه أكبر زعيم مافيا في هذا المجال، المدعو حجي حمزة الشمري، فهنالك ألف سيد وشيخ وحجي وزعيم ميليشيا ووزير ونائب، مازالت صالاتهم مفتوحة وتعمل بملايين الدولارات، وأوكارهم مستمرة بالاتجار بالبشر وترويج السموم القاتلة بكل أصنافها وأنواعها.

وإذا كان قد تم تهريب العديد من مروجي المخدرات من أحد مراكز شرطة العاصمة في وضح النهار مؤخرا، في حين كان عناصر الشرطة يهرعون بالملابس الداخلية، للبحث عنهم في الشوارع القريبة في مشهد دراماتيكي مثير، فإن هنالك الآلاف من الأبرياء مازالوا يقبعون في السجون منذ سنين، من دون أن يُقلّب القضاء ملفاتهم، لأن ليس لديهم المال الكافي كي يدفعوا ويتم تهريبهم أو تُغلق قضاياهم.
قيل إن المُلقى عليه القبض يرتبط بشبكة علاقات واسعة مع شخصيات كبيرة في السلطة الحالية، كما سبق تكريمه من قبل مرجعيّن دينيين معروفين. لكن هل هذه العلاقات تبرر صدمة المصدومين وحيرة الحائرين من هذا الموضوع؟ يقينا لا، لأن الميزة البارزة في المشهد العراقي منذ عام 2003 وحتى اليوم، هي التخادم بين السلطات والأحزاب والأجهزة الامنية والعسكرية والشرطية، وعناصر الجريمة المُنظمة في البلد، لكن هذه الاخيرة ليست مستقلة عن الأولى، كما يتصورها البعض، بل إن السلطات بأحزابها وأجهزتها ورجال دينها، هم من أوجدوها كي يثروا من خلالها، وكي يغسلوا أموالهم ويبيضوها في نشاطاتها. بمعنى أن المسرح الجُرمي بكل أشكاله هو واجهة اقتصادية واستثمارية للحزب وللميليشيا وللزعيم المتصدر في الساحة السياسية، فالكم الهائل من الأموال المسروقة من خزينة الدولة العراقية، ومن لقمة عيش المواطن ومستقبله وثرواته، لابد أن تُدار وتوفر لها مجالات متعددة كي تنمو، فلم يعد شراء العقارات في الخارج وسيلة استثمار وحيدة.
هذه الحالة الشاذة على قياس العُرف السياسي الإخلاقي ليست هي كذلك في العُرف السياسي العراقي، ففي هذا البلد يتواجد اليوم قائد سياسي يُفترض أن يكون عمله التصدي لهموم الوطن والمواطن، كما هو متعارف عليه، والارتقاء المسؤول به من براثن الجوع والمرض والعوز والفاقة، لكنه لا يعمل وفق هذا المنطق لا من بعيد ولا من قريب، والسبب في ذلك هو أنه في الوقت الذي يحمل فيه صفة زعيم سياسي، وربما رجل دين أيضا، يحمل أيضا صفة زعيم ميليشيا ولديه فصيل مسلح به يفرض وجوده السياسي على أرض الواقع. وهنا لا بد أن تتقدم الصفة الثانية على الأولى لأنها هي التي تترجم وجود الحزب، وبدونها لا يبقى معنى لوجوده السياسي، فيما تضفي صفة رجل الدين التي يحملها هذا السياسي الميليشياوي، قدسية على هذه المعادلة الشاذة تبعده عن الشبهات بسبب الأفعال الدنيئة التي يمارسها يوميا، حتى إذا ما أشار مواطن بسيط من العامة إلى سرقاته وصالات قماره وتجارته بالمخدرات وبالبشر، سيأتي النفي سريعا مشفوعا بالتزكية والتنزيه له لانه سيد أو حجي أو شيخ و(جده رسول الله).
 
المسرح الجُرمي بكل أشكاله هو واجهة اقتصادية واستثمارية للحزب وللميليشيا وللزعيم المتصدر في الساحة السياسية العراقية
 
إذن هذه الشخصية التي تمارس الازدواجية هي ليست شخصية سياسية بالدرجة الاولى. الصفة السياسية جاءتها بالصدفة من خلال الالتحاق بالغزاة، أو من خلال الالتحاق بركب العملاء الذين أتى بهم الغازي إلى البلاد. هي شخصية ميليشياوية غوغائية، اتخذت من الدولة وسلطاتها وأجهزتها حضنا تمارس من خلاله قانونها. هذا القانون الذي يتضمن ترويج الممنوعات بكل أشكالها، وممارسة علمليات الخطف من أجل الابتزاز المادي وإسكات الأصوات، وكذلك صنع حقوق باطلة لأشخاص آخرين في سبيل كسب التأييد والانصار.
وهنا تبرز بصورة واضحة عورة النظام السياسي العراقي وتناقضات تركيبته. ففي الوقت الذي يكون فيه من هو في قمة هرم السلطة السياسية أو على السفوح، في الصف الاول من التراتبية الادارية للدولة، أو في الصف الثاني أو الثالث أو العاشر، هو جزء من الدولة والنظام السياسي ومسؤول مسؤولية مباشرة عن سيادة القانون والتطبيق العادل له على الجميع، وصيانة الامن والسلم الاهليين، والاحتكار الشرعي للقوة ووسائلها، والحفاظ على معنى الدولة وقيمها الاخلاقية، هو أيضا وبالوقت نفسه ضد كل هذه المنظومة القيمية، ولديه ذراع مسلح يعمل بالكامل خارج أي نطاق بسيط أو صغير من منظومة الدولة والالتزامات التي تفرضها، بل إن عمل أذرعه المسلحة تحتكر عملية الهدم اليومي لكل بناء الدولة، حتى فرض هذا الواقع سطوته على أجهزة إنفاذ القانون، التي باتت غير قادرة على الوقوف في وجهه، بسبب تنفذه وامتلاكه عناصر القوة المادية، ففضلت الانضواء تحت جناحه ووضعت إمكاناتها، التي هي إمكانات الدولة، في عجلة انتهاك القانون الذي تمارسه هذه الجماعات.
إن كل الافعال والممارسات الرذيلة، التي تجري في المجتمع العراقي اليوم من خلال واجهات معلومة، أو غير معلومة، هي مصادر تمويل للاحزاب والعصابات والميليشيات المسلحة المغلّفة بطابع سياسي أو غيره، فكل عمل غير قانوني يحتاج إلى غطاء سلطوي من جهة أو حزب أو شخصية نافذة، يفتح له آفاق أوسع وحدود عريضة ويؤمن وارداته. لذلك لن تجد هذه البؤر الفاسدة خارج حدود المدن في العراق، بل هي موجودة داخل حدود العاصمة علانية، في نواد معروفة وفنادق مشهورة، بل ويتركّز وجودها في الاحياء التي تُعرف بأنها ضمن النطاق الامني لحماية السيد فلان والشيخ علاّن قائد الحزب أو زعيم الميليشيا. ولا غرابة في ذلك إطلاقا، لان هذه البؤر ليست لأشخاص غرباء يدفعون لمتنفذين من أجل تأمين مصالحهم، بل هي واجهات اقتصادية للاحزاب والميليشيات يمولون نشاطاتهم من خلالها، لذا من المنطقي جدا أن تكون ضمن الحد الامني لحماية هؤلاء.
المفارقة الكبرى أن رئيس الوزراء شخصيا، الذي يحمل شهادة عليا من جامعة عالمية، والذي قضى سنوات طويلة من عمره في دولة أوروبية، يوعز للميليشيات بقيادة حملة المداهمات ضد صالات القمار وتجارة المخدرات والبشر. وهو بهذا الفعل فضح نفسه وفضح كل الأجهزة الرسمية التي تتشكل منها الدولة العراقية، معلنا أنه يتربع على قمة سلطة وهمية كل ما موجود فيها مجرد هياكل هلامية.
وكل عام والجميع بالف خير.
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات