Friday 18th of September 2020 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    05-Sep-2020

كيف تكتب عن الأمل؟*

 القدس العربي-ابراهيم عبد المجيد

يبدو السؤال ساذجا فالكتابة أمل دائما، حتى الروايات التي هي احتفاء بالديستوبيا أكثر من اليوتوبيا، مع الانتهاء منها وشعور القارئ بالبهحة من تماسك العمل، وروعة تكوين شخصياته وتأثره بها، فالمتعة تعطيه القدرة على الحياة. هل يكره النساءَ أحدٌ بعد أن يقرأ «أنا كارنينا» أو «مادام بوفاري» ما أكثر ما كتب من روايات وقصائد عن انتظار الأمل، الذي لا يأتي، وعن الأرض الخراب، لكنها وقد كتبت بروعة فائقة، يخرج القارئ منها لمواجهة الحياة، والحياة نُوهَبها مرة واحدة فهي جديرة بأن تُعاش كما كتب ستروفسكي في روايته «كيف سقينا الفولاذ».
يمكن للكاتب في ساعات الخلوة مع نفسه أن يجد أنه لا معنى لهذه الحياة، لكن يمكن لزوجته إذا كان متزوجا أن تسأله فجأة «أنــــت نِفســــك تاكل ايـــه النهاردة» فيقول لها ليسعدها كل ما تطهيـنه جمــــيل، ويجد نفسه في قلب الحياة، أو تقول له المدرسة طالبة مصاريف أكتر لابننا فماذا سنفعل؟ فيجد الباب الآخر المزعج للحياة قد فُتح، ويدخل منه وينهي المشكلة.
هذا الفصام يجعلني أنا الذي أحببت منذ سن مبكرة جدا، كل قصص وقصائد اليأس أقول، إنه رغم ذلك ما دمت وُلدت فيجب أن أعيش، لكن هناك جانب آخر لا يدركه إلا الكهول، إنه مع تقدم العمر يبدو الماضي دائما أجمل، فالذكريات صدى السنين الحاكي، ومن ثم يبدو الواقع سخيفا مليئا بالقرف، ولا يدرك الكهل مثلي أنه هو الذي صار سعيدا بالماضي أكثر من الحاضر، لكن ألا يمكن للحاضر أن يبعث على الأمل حقا؟ كورونا مثلا وباء حلّ على البشرية فجأة بعد أن تقدمت كثيرا في علوم الطب، لكن هذه المفاجأة وبهذا الاتساع، وجدت من يعتقد أنها خطة مدبرة من الدول الكبرى، الصين أو أمريكا أو الاثنتين معا لتقليل عدد البشر. فكرت في ذلك في البداية وكاد يصبح يقينا عندي، خاصة حين وجدت شخصا مثل بيل غيتس مهتم جدا بالمسألة، ويحذر من موجة أخرى.. وغير ذلك مما يجعله يبدو على يقين بالمقبل الأسود.
في حوار بيني وبين الشاعر والمثقف السعودي هاشم الجحدلي في رسائل متبادلة بيننا يسألني عن حالي، قلت زهقان وغير سعيد بالعالم حولي، وجدته يقول لي الكلام نفسه، وإن هناك من يدبر سوءًا للبشرية. ولما قلت له عن دهشتي من بيل غيتس رجل الأعمال الكبير في التكنولوجيا الرقمية، وليس في الطب، أيدني قائلا أنظر إلى شكل العمل في العالم الآن، وكيف يتحول كله إلى التكنولوجيا الرقمية، ويصبح من المنازل ويزيد مكاسب هؤلاء الناس. سواء كنت أنا على حق أو هو، إلا أن الكلام مقنع لأي شخص، لكن كورونا لا يخيفني، وهذه ميزة الكهولة أو الشيخوخة، أو ما تشاء من مصطلحات، لأن الموت بمرور الأيام يقترب أكثر من أي وقت، وليست هناك مشكلة أن يأتي عزرائيل مبكرا سنة أو سنتين، رغم انشغاله الذي يستحق الشفقة، بالآلاف الذين يحصدهم كل يوم.
في فترة الشباب لا تهتم بذلك ولا يأتي على ذهنك، بل يكون لديك احتفاء بالوقت. كورونا لا يزعجني أيضا، لأن البيت صار قلعتي، وكل ما حدث أنه من قبل كان قلعة الليل وجزءًا من النهار، والآن صار قلعة الليل والنهار، ولأنه لا توجد لي مصلحة في أي مكان، فالبيت ليس مزعجا. تدربنا عليه واغتنمتها فرصة لأكتب أو أقرأ.
 
كيف تقيم سلاما مع شعوب تريد أن تغتصب أكثر من أرضها؟ المدهش أن هناك أملا في سقوط ترامب، ومن ثم ستتغير سياسات عربية كثيرة، لكن المواطن الأمريكي غير معني بذلك، فهو يمارس ديمقراطيته، وفقا لما يراه مصلحة له في الحياة الأمريكية اليومية.
 
كورونا لا يزعجني حقا، لكن الذي يزعجني هو النكت التي صارت حقائق في حياتنا والشر الذي صار هو طريق السياسية. ترى حربا لا معنى لها مستمرة في اليمن، وترى دمارا في سوريا والعراق وليبيا، وسجونا في مصر واعتقالات لمعارضين بعيدين عن الإرهاب، وشعارات مثل الحفاظ على قيم الأسرة المصرية تنتهي بفتيات صغيرات يرقصن أو يظهرن بملابس قصيرة على «التيك توك» جنت بعضهن منه نقودا تتسق مع نسبة المشاهدة العالية، وبالطبع لم يدفعن ضرائب لأنها ليست مهنة، ولأنهن أيضا لا يدركن ضرورة الضرائب، لا بد أن يسجلن أنفسهن جميعا بمهنة الرقص مثلا، ليدفعن الضرائب بسهولة، لكن كيف سيفعلن ذلك، وكيف سيجبن على أسئلة من يخرج لهن البطاقة الضريبية، أو من يخرج لهن السجل التجاري، وهو يطلب منهن عنوانا مستقرا للعمل، بينما عنوانهن، الفضاء الافتراضي. مسألة مركبة يمكن أن يكون لها حل إداري لكنني لا أعرفه. أمور تبدو مضحكة مثل النكت، لكنها حقائق شأنها شأن الحروب، التي بلا طائل حولنا، والتي وراءها فريق باسم الله وفريق باسم الوطن، لم أر زمنا تم فيه تسليع اسم الله، ولا اسم الوطن مثل هذا الزمن. مؤكد حدث قديما في التاريخ، لكن لم يكن العالم ما هو عليه الآن هاتفا نقالا فيه كل الحقائق واضحة، ومن ثم صارت الشعارات نكتا تتحول إلى وقائع حقيقية. لن أمشي كثيرا وراء ما يجري، لكنني أعود لأقول إن الماضي الذي يراه الكهول جميلا، بدون قصد منهم، صار يحن إليه الشباب الذين لم يروه.. وصارت صفحات أيام زمان على الإنترنت من أكثر الصفحات زيارة، لن أعطي منها أمثلة فالكل يعرف كيف كانت النساء في البلاد العربية، بل وأفعانستان التي غرقت في طالبان، وكيف هن الآن.. كيف كانت الأزياء وكيف هي الآن.. كيف كانت المحاكمات وكيف هي الآن. لم تعد عودة الكهول إلى الماضي ظاهرة نفسية، بل كادت تكون إرادية، وكذلك حدث لقطاع كبير جدا من الشباب.
هكذا تبدو الحيرة في الرغبة في الكتابة عن الأمل، هل لا بد من دفع كل هذه الأرواح في بلادنا العربية ليتحقق الأمل المجهول؟ وكيف لا نراه على مدى عشر سنوات حتى الآن في بلاد مثل سوريا واليمن، وعشرين سنة في بلد مثل العراق، لكن فجأة يظهر موضوع تم نسيانه، وهو التطبيع مع العدو الصهيوني، يشغل الجميع. تشتعل المعركة ويتوارى الخراب القائم، للمعارضين أمل في كسره، لكن أيضا، ومما جرى بعد التطبيع في مصر، لا أمل في التطبيع نفسه، ولن يزيد عن سفارة في العمارة، يمكن أن يتم عنها فيلم جديد، لأن الأمل الوحيد دائما هو لإسرائيل، وهي تحققه بالقوة ولا يعنيها السلام مع الشعوب، كيف تقيم سلاما مع شعوب تريد أن تغتصب أكثر من أرضها؟ المدهش أن هناك أملا في سقوط ترامب، ومن ثم ستتغير سياسات عربية كثيرة، لكن المواطن الأمريكي غير معني بذلك، فهو يمارس ديمقراطيته، وفقا لما يراه مصلحة له في الحياة الأمريكية اليومية.. خارجها لا يعنيه على الإطلاق.. لن يسقط ترامب، إذا سقط، لتشجيعه للديكتاتورية في الخارج، لكن يمكن أن يسقطه لفشله في أزمة كورونا، أو لسوء معاملته للمهاجرين. لقد ذهبت إلى أمريكا منذ ربع قرن وزرت ثلاث ولايات، ورغم أن السادات ملأ الدنيا حديثا عن أمريكا التي بيدها كل الحلول، وقبله عبد الناصر ملأ الدنيا هجوما عليها، فكثير جدا جدا ممن قابلتهم من المواطنين العاديين كانوأ يسألونني عن أخبار التماسيح في النيل، وكيف نتعايش معها، وأنا أضحك وأشرح لهم كيف لا توجد تماسيح في النيل كما يتصورون، ولا تختفي الدهشة من على وجوههم، حتى صرت أقول نحن والتماسيح أخوة ونضحك. لكن هل لن نكتب عن الأمل؟ سنكتب حتى لو بدونا أغبياء.
 
٭ روائي مصري
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات