Wednesday 8th of July 2020 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    30-Jun-2020

حرب مصرية تركية في ليبيا؟

 الغد-ترجمة: علاء الدين أبو زينة

 
جورجيو كافييرو* – (ريسبونسيبل ستيتكرافت) 23/6/2020
قد تدخل أزمة ما بعد القذافي في ليبيا قريبًا فصلاً جديدًا والذي يكون من شأنه تدويل النزاع وأخذه إلى مستوى جديد تمامًا. في ضوء “عملية بركان الغضب”، الحملة المستمرة التي تقودها حكومة الوفاق الوطني الليبية التي تتمتع باعتراف الأمم المتحدة والرامية إلى دفع قوات الجنرال خليفة حفتر إلى انسحاب باتجاه الشرق، يهدد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بنشر الجيش المصري وإقحامه في المعمعة. وبحسب الرئيس المصري، فإن استيلاء القوات المتحالفة مع الحكومة التي تتخذ من طرابلس مقراً لها على سرت أو على قاعدة حفتر في الجفرة هي “خط أحمر” بالنسبة له.
ثمة الآن أسباب وجيهة لكي يخشى الليبيون والمجتمع الدولي ككل من قدوم سيناريو خطير حيث تتصادم مصر وتركيا مع بعضهما البعض في البلد. وتأتي المخاوف من اندلاع مواجهة عسكرية مصرية تركية في ليبيا بعد سبعة أشهر من الأعمال الجريئة التي قامت بها أنقرة في ليبيا للدفاع عن حكومة الوفاق الوطني، والتي حرمت حفتر من فرصة تحقيق هدفه المتمثل في “تحرير” طرابلس من حكومة طرابلس. وقد تبين أن نشر الطائرات التركية من دون طيار كان بمثابة مغير أساسي للعبة، والذي لم يقتصر تأثيره على تمكين الحكومة التي تتخذ من طرابلس مقراً لها من النجاة من هجوم حفتر فحسب، وإنما أثار أيضاً احتمال تحرُّك الميليشيات الموالية لحكومة الوفاق الوطني شرقاً لسحق أعدائها في بنغازي.
هذه المكاسب الأخيرة لحكومة الوفاق الوطني جعلت المسؤولين في القاهرة وبعض العواصم العربية الأخرى قلقين من احتمال تكريس تركيا نفسها كـ”صانع الملوك” في ليبيا أيضاً. كما أثارت التساؤلات عن الأسباب التي تدفع دفع تركيا إلى تكثيف تدخلها العسكري في ليبيا الكثير من الجدل في جميع أنحاء الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وكذلك أوروبا. ويبدو أن الأتراك مدفوعين، في جزء كبير على الأقل، بهدف تأمين مصالحهم في الطاقة في شرق البحر الأبيض المتوسط الغني بالغاز. وبالإضافة إلى ذلك، في أعقاب الانقلاب المصري في العام 2013، الذي حول مصر من دولة عربية صديقة لتركيا إلى دولة معادية لها، لا يريد المسؤولون في أنقرة أن يروا حفتر يسيطر على ليبيا، الأمر الذي كان ليدفع تركيا أقرب إلى دولة تعاني من عزلة نسبية في شرق البحر الأبيض المتوسط.
ومع ذلك، وكما يراها العديد من اللاعبين العرب، فإن الأعمال الحاسمة التي نفذتها أنقرة في ليبيا تدخل في إطار سعي القيادة التركية المزعوم إلى إعادة تأسيس الإمبراطورية العثمانية. ومثل أجزاء أخرى من المنطقة العربية حيث أرسلت تركيا مؤخرًا قواتها العسكرية، أو خططت للقيام بذلك -بما في ذلك سنجار العراقية وإدلب السورية وجزيرة سواكن السودانية، وقطر- فإن ليبيا تشكل نقطة إقليمية ساخنة كان العثمانيون قد سيطروا عليها ذات مرة. وبالنسبة للكثيرين في المنطقة، لا يمكن تجاهل هذه الحقيقة التاريخية عند تقييم المصالح التركية في ليبيا. وسواء كان من العدل القول إن سياسة تركيا الخارجية هي “عثمانية جديدة” أم غير ذلك، فإن هذا هو منظور العديد من العرب، بما في ذلك أولئك الذين يحكمون في مصر، وكذلك رعاة السيسي في الخليج: الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية.
يمكن الزعم باطمئنان بأنه في حال دخل الجيش المصري ليبيا من أجل دحر قوات حكومة الوفاق المدعومة من تركيا، فإن القاهرة ستتلقى مستويات عالية من الدعم من مؤيديها في الخليج. وقد أعلن المسؤولون في السعودية والإمارات بالفعل دعمهم لتعليقات السيسي عن “الخط الأحمر”. وفي حالة دخول مصر ليبيا للقتال ضد القوات الموالية لحكومة الوفاق الوطني التي ترعاها تركيا، يحتمل كثيراً أن تتلقى مثل هذه الحملة العسكرية المصرية مستويات كبيرة من الدعم من الرياض وأبو ظبي. وكما أوضح صموئيل راماني، فإن من المرجح أن يمنح السعوديون السيسي دعمًا ماليًا كبيرًا بينما يجلبون أيضًا القوات السلفية المدعومة من السعودية في ليبيا لتقاتل إلى جانب القاهرة في الدفاع عن حفتر ومجلس النواب في طبرق ضد “عملية بركان الغضب”. كما من المتوقع أيضاً أن يقدم الإماراتيون الدعم للسيسي من حيث اللوجستيات والغطاء الجوي.
لعبة تصادم وتجنب خطيرة
لا توجد مؤشرات على أن تهديدات السيسي تمنع القوات المتحالفة مع حكومة الوفاق الوطني من مواصلة اندفاعها باتجاه الشرق. فمن موقع القوة، وبوجود الكثير من الزخم وراءها، لا تسعى هذه القوى إلى الدخول في محادثات مائدة مستديرة مع حفتر. وتعتقد القوات الموالية لحكومة الوفاق الوطني أن للحكومة الليبية التي تعترف بها الأمم المتحدة الحق في أن تحكم كل شبر من التراب الليبي، وأن حفتر مجرم حرب يجب هزيمته بأي ثمن. ومن وجهة نظر حكومة الوفاق الوطني، فإن إخبار السيسي الحكومة الليبية الشرعية دولياً بما يشكل “خطاً أحمر” هو أمر غير مقبول.
في 22 حزيران (يونيو)، أصدرت وزارة الدفاع في حكومة الوفاق الوطني بيانًا أعلنت فيه أنه “يخدم مصالح جميع الإخوة والأصدقاء إعادة سرت والجفرة إلى سيطرة الدولة… نتوقع من جميع الإخوة والأصدقاء دعم الحكومة الشرعية من أجل تحقيق الاستقرار على كامل الأراضي الليبية”.
من جهتها، تتصور مصر تهديدًا خطيرًا يتوجه إليها من الفصائل المرتبطة بالإخوان المسلمين والجهات الفاعلة الإسلامية الأخرى التي تنتمي إلى حكومة الوفاق الوطني والميليشيات المتحالفة بشكل فضفاض مع الحكومة التي تتخذ من طرابلس مقراً لها. وحسب ما قال السيسي، فإن عملية عسكرية مصرية في ليبيا للرد على حكومة الوفاق الوطني “ستكون لها شرعية دولية” لأن بلاده سوف تقاتل ضد “تهديدات من المليشيات الإرهابية والمرتزقة”. ومثل أبو ظبي، تريد القيادة في القاهرة أن ترى العالم العربي منطقة خالية من الإخوان المسلمين. وكذلك، لا يريد نظام السيسي أن يعيش مع حكومة إسلامية صديقة لتركيا في ليبيا والتي تسيطر على الأرض على طول الحدود الليبية المصرية.
الآثار المترتبة على الغرب
أين حلف “الناتو” وسط هذه المواجهة العسكرية المحتملة بين أحد أعضائه ومصر؟ لا يبدو أن اللاعبين داخل هذا التحالف الغربي يعملون على نفس الموجة على الإطلاق.
تتعاطف فرنسا واليونان مع أجندتي الإمارات العربية المتحدة ومصر في ليبيا. وتواجه كل من باريس وأثينا مشاكل كبيرة في خطط أنقرة لشرق البحر الأبيض المتوسط. وكانت فرنسا من الرعاة الرئيسيين لحفتر طوال فترة الأزمة الليبية، مما أثار احتكاكًا كبيرًا بين الفرنسيين والإيطاليين. كما أن اليونان تدعم حفتر أيضًا، في انسجام مع استراتيجية البلاد لمواجهة النفوذ التركي في المنطقة، وكذلك يفعل التقارب الأخير بين اليونان وسورية.
ومن جهتها، تدعم إيطاليا حكومة الوفاق الوطني، وهو ما ساهم في تعزيز العلاقات الإيطالية التركية. وترى روما أن فرنسا كانت مضللة ومتهورة تمامًا في دعمها لحفتر، الذي تشكل أجندته في ليبيا تهديدًا كبيرًا لمصالح إيطاليا الحيوية في وقف تدفقات اللاجئين عبر البحر الأبيض المتوسط. ومثل قطر، من المتوقع أن تقدم إيطاليا الدعم بأشكال مختلفة لحكومة الوفاق الوطني، وبالتالي تركيا. ومع ذلك، لا يمكن للمرء أن يتوقع دخول الجيش الإيطالي المعركة من أجل دعم الحكومة الليبية المتمتعة باعتراف الأمم المتحدة في حال انطلقت حملة مصرية ضد حكومة الوفاق الوطني وسط الصراع من أجل سرت والجفرة.
من جهة أخرى، يتساءل الكثيرون عما إذا كانت إدارة الرئيس دونالد ترامب ستقف إلى جانب حليف أميركا في الناتو، تركيا، أو مصر، التي يحكمها “ديكتاتوره المفضل”. وهناك احتمالات كبيرة لأن لا يقف ترامب بشكل حاسم مع أحدهما أو الآخر. وكما هو الحال مع الملفات الدولية التي لا تعد ولا تحصى، فإن السياسة الخارجية لإدارة ترامب تتوزع على جميع أنحاء الخريطة. فبعد وقت قصير من شن حفتر هجومه باتجاه الغرب في نيسان (أبريل) 2019، تحدث ترامب مع حفتر عبر الهاتف وهنأه على جهوده للقضاء على “الإرهاب”. لكن الإدارة شددت بعد ذلك على موقفها القائل بأن حكومة الوفاق الوطني هي الحكومة الشرعية في ليبيا وأن حفتر ليس زعيماً شرعياً. وعلى الأرجح، ستقدم الولايات المتحدة دعمًا بلاغيًا لحكومة الوفاق الوطني، لكنها لن تنضم إلى تركيا من حيث إعطاء الأسلحة للقوات الموالية للحكومة التي تتخذ من طرابلس مقراً لها.
كان أحد الأهداف التركية المهمة في ليبيا هو حشد حلفائها في “الناتو” وراء أجندة موالية لحكومة الوفاق الوطني. وفي هذا الصدد، قد يجد المسؤولون في أنقرة أنفسهم محبطين من عدم وجود دعم من الولايات المتحدة وأعضاء الناتو الآخرين. وفي الوقت نفسه، من المرجح أن تتلقى مصر دعمًا قويًا من العديد من أعضاء جامعة الدول العربية، والتي ستعمل الإمارات العربية المتحدة بجد لتوحيدها ضد الأعمال التركية في ليبيا كما فعلت أبو ظبي في مواجهة التدخل العسكري التركي في سورية والعراق.
لكن كبار ضباط الجيش المصري يدركون أن دخول ليبيا يمكن أن يؤدي بسهولة إلى كابوس. فقد أثبت الجيش التركي قدراته في وقت سابق من هذا العام في إدلب، وأثبتت الطائرات التركية من دون طيار أيضًا أنها عامل كبير في تحويل وجهة المد ضد حفتر في ليبيا في أواخر العام 2019 وأوائل العام 2020. ومن المرجح أن تجد مصر صعوبة في أن تقوض بشكل حاسم نجاحات ميليشيات حكومة الوفاق الوطني التي وضعت حفتر في حالة تراجع. وبالإضافة إلى ذلك، على خلفية الإرهاب والتحديات الأمنية الكبرى التي تواجهها مصر في سيناء، ووجود اقتصادها في حالة مروعة، وتفشي وباء “كوفيد-19” فيها، سيكون من الحكمة أن يعيد السيسي النظر في تهديداته بشأن التدخل عسكريًا في ليبيا.
بالنظر إلى هذه الحقائق، يجب أن يأمل الأتراك وغيرهم في حلف شمال الأطلسي في أن تكون تهديدات من باب المبالغة وأنه لا يقصد أن يفعل ما يقول. ولكن، إذا لم تكن نوايا الزعيم المصري كذلك، فقد يحتاج العالم إلى أن يستعد لحرب مصرية تركية في ليبيا.
 
*الرئيس التنفيذي ومؤسس “غولف ستيت أناليتيكس”، وهي مؤسسة استشارية للمخاطر الجيوسياسية ومقرها واشنطن العاصمة. وتشمل اهتماماته البحثية الاتجاهات الجيوسياسية والأمنية في شبه الجزيرة العربية والشرق الأوسط الأوسع. وهو مساهم منتظم في مطبوعات ومواقع مختلفه، منها “معهد الشرق الأوسط”، و”المونيتور”، و”داخل شبه الجزيرة العربية”، و”العربي الجديد”. كثيرا ما يظهر على قناة الجزيرة، و”تي. آر. تي”، و”بي. بي. سي. الفارسية”، وشبكات أخرى كمعلق سياسي.
*نشر هذا التحليل تحت عنوان: An Egyptian-Turkish War in Libya?
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات