Friday 26th of February 2021 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    04-Feb-2021

النقد البطيء: محاولة في قراءة لغة السرد

 القدس العربي-علي جواد عبادة

في عدم الاستعجال يكمن كثير من المتعة، هكذا يخبرنا صاحب مديح البطء كارل أونوريه، وإذا استعرنا هذا الخبر إلى عالم السرد، فإننا نجد في عوالم الرواية ما هو أهم من معرفة مصير شخصياتها، هو أن نتلقّاها ببطء، لا لنعرف الموضوع الذي تُعبِّر عنه فحسب، بل لنتدبّر الطريقة التي قيل بها الموضوع، ذلك لأنّ الأعمال الأدبية – حسب ما يقول تيري إيغلتون: «تتطلب نمطاً من القراءة على درجة بالغة من اليقظة، نمطاً منتبها للنبرة والحالة المزاجية والسلاسة، والجنس والنحو والتركيب، والنسيج والايقاع، وبنية السرد وعلامات التنقيط والإبهام، بل كل ما ينطوي عليه موضوع الشكل» هذا النمط البطيء أو القراءة البطيئة بتعبير نيتشه، يجعلنا ننظر «إلى ما يُعبَّر عنه في ضوء الأسلوب الذي يُعبّر به» من أجل تأسيس متعة نقدية، وتقويض الخرافة السائرة: التحليل عدو المتعة.
أسوق هذه المقدمة رغبةً في قراءة بطيئة في استهلال رواية «العلموي» لمرتضى گزار، إذ يقول الراوي: (قبل ثلاث سنوات تقريباً دخلتُ كافتيريا متحف فراي آرت في مدينة سياتل في أمريكا، كانت في انتظاري سيّدة اسمها تيلر فولي، استغرق اجتماعي معها أكثر من ثلاث ساعات، افترقنا على أمل الاجتماع مرة أخرى، وحدث فعلاً أن التقينا سبع مرات بعد ذلك، وتواصلنا بالرسائل والبريد الصوتي والاتصالات الفيديوية كل أسبوع، وكانت النتيجة هي هذا الكتاب الذي بين يديك).
قبل تأمل هذا الاستهلال بقراءة بطيئة، أودّ الإشارة إلى سؤالين: الأول يسأله القارئ الاعتيادي، وهو ماذا بعد هذا الاجتماع؟ ومصدر هذا السؤال البحث عن المتعة في القراءة. والآخر: يسأله القارئ الناقد، وهو لِم استهل الراوي بهذا النمط الأسلوبي؟ ولأنني هنا بصدد محاولة في قراءة لغة السرد سأحاول الإجابة عن الثاني؛ بحثاً عن الطابع الأدبي للنص. فضلاً عن ضيق أفق السؤال الأول، وتفضيله للتشويق على التأمل. في حين يحتوي السؤال الثاني بركاناً من الأسئلة: لمِ عبر هكذا؟ بم يُفكِّر قبل الكتابة؟ ما الكلمات المركزية في الاستهلال؟ ما الإحساس الذي ينبعث منه؟ ما الحالة المزاجية للراوي؟ ما التراكيب التي تعبر عنها؟ علام يركز هذا الاستهلال؟ ولمَ ؟
يبقى هذا الاستهلال باردا تقريريا، ربما فاقداً للتشويق، ولا يُعبِّر عن أي معنى سوى معناه المباشر: اجتماع مع السيدة (تيلر فولي) في كافتيريا متحف (فراي آرت) ما لم يدخل القارئ/الناقد في حالة من اللبث، والتدبر، والتأمل لتلك التشكيلات اللغوية التي كونت الاستهلال. أول ما يُلفتِ النظر في هذا الاستهلال بعضُ الكلمات المركزية أهمها (اجتماعي، اجتماع) ومعطيات سياق الحال، أو المقام: (كافتيريا، سيدة في الانتظار) تفرض ألفاظاً غير هذه لنقل مثلا: (لقائي، اللقاء) لكن عدول الراوي عن استعمال ألفاظ يقتضيها سياق الحال، يبدو حتّمته الحالة المزاجية له، وهي رغبته في إضفاء طابع ارستقراطي لشخصه، وهذا الطابع ترفعه إلى الذهن مفردة (اجتماع) ولا تستطيع الاقتراب منه مفردة (لقاء). إذا تفحصنا التركيب الاستهلالي الأول (قبل ثلاث سنوات تقريبا) نجد أن كلمة (تقريبا) مركزية، بل بدونها تنتفي النزعة الارستقراطية للشخصية، لأننا بعد المقطع الاستهلالي مباشرة نعرف أن شخصية الراوي هنا قاصٌ، و(تيلر فولي) رئيسة تحرير مؤسسة (نورث ويست) للمنشورات الأدبية، أرسلت إليه بأنها قرأت قصة من تأليفه، فطلبت أن تلتقي به، لمناقشة موضوع تعمل عليه.
لقد غيّبَ الراوي في الاستهلال سببَ القدوم لكافتيريا المتحف، مثلما غيَّب تحديد معرفته بالماضي، لأن الأديب لا تهمه التواريخ الفعلية للأحداث، بل هو مشغول بصناعة التاريخ، وكلمة (تقريباً) تفصح عن عدم اكتراثه بالتاريخ الفعلي بقدر تركيزه على الحدث نفسه، لكن السؤال هنا: لِمَ لَم يُردِف الراوي عبارته (استغرق اجتماعي بها أكثر من ثلاث ساعات) بكلمة (تقريبا) ببساطة يمكن القول: إن الهاجس الارستقراطي الذي يشغله جعله يُصوّر اجتماعه بها اجتماعا منضبطا، لأن الانضباط والدقة من لوازم الارستقراطية، وعلى الرغم من وجود كلمة (أكثر) التي تخلخل للوهلة الأولى الانضباط بالوقت، إلا أنها تكشف عن أهمية الاجتماع. وقد حتَّم عليه هاجسُهُ هذا تزييفَ الوعي، فقدم نفسه في الاستهلال بوصفه هو الداعي لها بدليل (اجتماعي بها) ولم يقل (اجتماعها بي).
أود لفت الانتباه هنا إلى الــ(لا أبالية) أو التظاهر بعدم التخطيط في السطر الأول من الاستهلال (قبل ثلاث سنوات تقريباً دخلت كافتيريا متحف فراي آرت في مدينة سياتل في أمريكا) تفصح هذه التراكيب اللغوية عن (لاأبالية) الدخول إلى الكافتيريا، و(لاأبالية) في الالفتات إلى سبب الدخول، وتجعل القارئ يتوقع أن قرار الدخول كان مصادفةً، إلا أن أفق التوقع هذا ينهار حين ندرك أن الراوي يصرح بعد هذا الاستهلال: (اختارت هي ذلك المكان وصادف أن يكون على مبعدة مئتي متر من محل سكناي) فلم يكن الأمر مصادفة، وعلى الرغم من احتفاء الاستهلال بالزمن، إلا أن الراوي سكت عن زمن انتظار السيدة له، واكتفى قائلاً: (كانت في انتظاري سيّدة اسمها تيلر فولي) وهذا ما يجعل زمن انتظار السيدة له مفتوحاً، ليضخم بدوره عُقدة الـ(أنا) التي تُسيّر الراوي.
بناءً على هذه اللغة المؤسسة لواقع التجربة لا نكون أمام استهلال إخباري مباشر، بل في معركة لغوية، وصراع دوال، وتزييف للوعي، إذ كشفت طريقة الأسلوب عن (أنا) متعالية ومتضخمة. ولو لم يكن الأمر كذلك لكان الاستهلال (دعتني السيدة تيلر فولي بعد قراءتها لقصة نشرتُها في مجلة «أرابيا» للنقاش حول موضوع تعمل عليه) وبهذه التراكيب يكون الاستهلال أكثر تقريرية، وأكثر صراحة ووضوحا، لكن الروائي الذي يعي مهمة السرد، يدرك جيدا، إنّ التقريري والمباشر والواضح حين يدخل في السرد عليه أن يكتسي حُلةً تفتح شهية التأويل، بل تغري للإفراط فيه. السؤال الأكثر جدية بعد هذا التأمل: لِمَ قدّم المؤلفُ الراوي بهذه الصورة المريضة بعقدة تضخم الأنا؟ ببساطة نحن أمام مرتضى گزار، الروائي الذي يمتلك من الجرأة ما يكفي لتشريح صورة المثقف، والسياسي، ورجل الدين، فقد أثبتت رواياته السابقة «طائفتي الجميلة، مكنسة الجنة، السيد أصغر أكبر» جرأة، ونقدا، وتمكنا من حرفة السرد، وهو بهذا الاستهلال وضع المثقف الشرقي (القاص) أمام سيدة أجنبية قرأت قصة من تأليفه منشورة في مجلة «أرابيا» الخاصة بالأدب العربي المترجم للإنكليزية تطلب منه اللقاء معه لمناقشة موضوع تعمل عليه، فلابد للعُقد الشرقية أن تظهر، فيتحول اللقاء الودي حول قصة أدبية إلى اجتماع، ويستمر لأكثر من ثلاث ساعات، فالروائي من خلال هذا الاستهلال يُعري المثقف العربي، ويفضح عُقدة تضخيم الـ(أنا) التي ورثها من أجداده، الذين يجهلون فوق جهل الجاهلينا، لأن الرواية عنده كشف عن المرجعيات الثقافية للشعوب، وقدرة تحليلية نقدية للظواهر، وسخرية جادّة تقوض الوقائع الموروثة، وتؤسس لتطلعات أكثر سمواً ووعياً.
هذه القراءة البطيئة التي تمعن النظر في لغة النص الأدبي، وتنظر للغة التي تشكل بها بوصفها مؤسسة للمعنى لا وسيلة لإيصاله، يطلق عليه تيري أيغلتون (أوجه النقد الأدبي البسيطة) تساهم هذه الأوجه البسيطة بتقويض خرافة: التحليل يُذهب المتعة، وتجعل النص الأدبي ميداناً نبحث به عن المنسي في داخلنا نؤسس من خلاله نصاً نقدياً جديداً تضاهي متعته متعة النص الأدبي نفسه.
 
كاتب عراقي