Sunday 17th of January 2021 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    05-Jan-2021

مفاتيح السرد اللغوية

 القدس العربي-توفيق قريرة

من الممكن أن أسرد عليكم حكاية عن جحا، بدون أي إذن مسبق وسأفعل حالا فخير البر عاجله. اشْترَى جُحَا دَجَاجَة وطمع في أن يَأْكُلَ بَيْضَةً كُل يَوْمٍ. سَمِعَ جُحَا الدجَاجَةَ تَقُوق فأسْرَعَ إِلَيْهَا فَرِحًا. كانت الدجاجة على السورِ؛ نزلت الدجاجة إلى دار الجيران فباضت فيها وعادتْ. قال جُحَا: دَجَاجَتُنَا تَقوق عنْدَنَا وَتَبِيضُ عِنْدَ الجِيرَانِ.
ما جَعلني أسرد هذه الحكاية بيسر عناصر معطاة سلفا، من بينها الشخصية الشهيرة، شخصية جحا التي اعتبرها شخصية قبْلية منتجة؛ ومن بينها تلك العناصر القبلية المنتجة اللغة نفسها. من المعلوم أن اللغة معطى ما قبلي يمتلكه الناس، يموتون وهو موجود وجودا سابقا لوجودهم، صحيح أنه يمكن أن يتطور معهم وبهم، لكنه يظل موجودا حين يذهبون إلى الفناء.
ما نعتبره مفاتيح للسرد اللغوية ليست اللغة، بما هي أبنية، بل اللغة بما هي تدبير سردي فيها طاقة خلاقة قادرة على إنتاج السرد بالتركيب بين أفعاله وأساليبه، وقادرة قبل ذلك على بناء الكون الخيالي الذي يجد فيه السرد ملاذه الآمن. القص يكون بالخبر أقدم أشكال الكلام تأثيرا. أفضل ما في الخبر، أنه كلام يصف ويقرر وقد يكون في أغلب أحواله ناقلا لأكوان نقلا ما بعديا مثلما وقع مع حكاية جحا: إن اللغة نقلت ما كان حادثا، أو قابلا لأن يحدث، من حديث جحا مع دجاجته. مفاتيح السرد اللغوية هي مفاتيح تصنعها اللغة لأكوان وقعت، أو أنها في حيز الوقوع، هكذا يوهمنا السرد، لكن الحقيقة أن تلك المفاتيح لا تفتح أبوابا موجودة سابقا، بل هي تنشئ أكوانا سردية، إنشاء آنيا. العنصر الأساسي الذي هو حكر على الإنتاج السردي، هو الشخصية القبلية المنتجة، وإليها سنصرف اهتمامنا في جزء من هذا المقال لما نعتبره مفتاحا من مفاتيح السرد اللغوية.
لا شك في أن أهم ما في جحا من عنصر سردي أنه بطل جاهز، أو قل شخصية مستعدة كي تتقلد ما يمكن أن يلحق بها من أفعال وأحوال وأقوال. من الصعب أن نصنع في السرد شخصية خطاطية من هذا النوع: شخصية تفرّغ وتملأ كل مرة بما أراد لها السارد من أحداث، هو دال ومدلول يصبحان عند السرد الجديد دالا لمدلول جديد، بدون أن تحذف دلالات الشخصية التي اكتسبها من ركام القصص العديدة.
المادة التي قدت منها تسمية هذه الشخصية مادة عجيبة، لا يمكن ردها إلى أي اشتقاق حتى إلى الفعل (جَحَا) الذي يفيد معنيين متناقضين هما، الإقامة والاستئصال. ويبدو أن التسمية عابرة إلى هذه الحضارة من غيرها (الإيراني أو التركي أو غيرهما) ولا فائدة تذكر من ربط هذه الشخصية بعلم واحد من الحضارة الإسلامية أو غيرها.
 
ليس جحا شخصا، بل هو شخصية، وهناك خلط كبير في التاريخ بين الاثنين: الشخص قد يدخل إلى السرد، فيصبح شخصية هذا ممكن، لكن الشخصية لا تغادر مجال الخيال السردي أو الأسطوري أو غيره، هي تسكن المخيال ولا تغادره إلى الواقع، إذ لا تحتاجه إلا ليكرس استمرار وجودها الذهني على مرّ العصور. جحا من هذه الناحية أشبه بشخصية علي بابا، أو علاء الدين، في «ألف ليلة وليلة» لكن تينك الشخصيتين أسرتهما حكايات ألف ليلة وليلة في قمقم يشبه قمقم العفريت. فلا يمكن أن يوجد علي بابا من دون اللصوص الأربعين، ولا يمكن أن يوجد علاء الدين من دون مصباحه السحري وعفريته، لكن جحا متحرر من هذا الإطار السردي الذي يسجنه. يشبه جُحَا أشعبَ لكنه أعظم منه. حوصر أشعبُ في سياق سردي آخر؛ صحيح أنه أوسع نطاقا من سياق الحكاية الإطار «حكاية ألف ليلة وليلة» ولكنه ظل نطاقا ضيقا لأنه سجن الشخصية في الجَشع والطمع والبطنة. حكايات أشعب لا قيمة لها من دون طعام كحكاية علاء الدين لا قيمة لها من غير مصباح.
 
اللغة في جميع الأشكال رمزية ورمزية اللغة تعني أنها تمثل تجاربنا وتبني أكواننا. طريقة التمثيل في الحكاية استعارية، تسمى في المألوف أليغوريا: هي قصة تكون فيها عناصر الحكاية قابلة للتحقق ومحيلة على محتوى مجرد فكري أو قيمي (هو في الحكاية: نتعب ولا نجني).
 
غير أن جُحا حاصره أمران: الزمان القديم والثقافة الشرقية، فمن الصعب أن تتخيل جحا الأصلي من غير أن تراه لابسا عمامة وقميصا، من قرون الحضارة الإسلامية الأولى؛ يمكن أن تتخيله ومعه حماره الشهير، لكن من الصعب أن تراه يركب سيارة فارهة من سيارات هذه الأيام، ويدخن غليونا أوروبيا، أو سيجارا كوبيا. في شخصية جحا مفاتيح سردية كثيرة، تيسر المفاتيح اللغوية أهمها، أنه بطل قابل لأن يكون فاعلا بسيطا. والفاعل البسيط هو الفاعل اليومي، ومن اليومي يمكن لأي مجرب للسرد أن يحبك حكاية ينسبها إليه. قوة جحا اللغوية أنه مسندٌ إليه ينتظر أفعالا بعينها، إن أسندت إليه تلك الأفعال كان جحا هو الشخصية القابلة للتحقق من جديد سردا. اشترى جحا الدجاجة، واستمع إليها وهي تقوق، وراقبها وهي تنزل إلى دار الجيران، وقدر أنها باضت عندهم ولما عادت قدر أنها عادت بصوتها لا ببيضها هذه أفعال مطابقة لطراز جحا السردي، لذلك تُتقبل الحكاية على أنها قابلة لأن تنسب إلى جحا. فاعلية جحا السردية الممكنة هي نسبة أفعال طرازية إلى شخصية طرازية قيمتها أنها ترى بطريقة، وتتفاعل بكيفية، وتتحدث على نهج معين، فلا هي قاهرة، ولا هي عجائبية، بل هي يومية غير أنها وهي تستنتج تقول شيئا كالحكمة. الفعل السردي في حكاية دجاجة جحا فعل منتجٌ من اللاشيء، هو فعل تراكمي لا تعرف اتجاهه مسبقا، حتى يوصلك إلى قول نهائي هو بمثابة الحكمة، التي رغم بساطتها تحيل على كون كامل من التجارب. كل شيء في هذا القص ما قبلي وما قبليته نابعة من ما قبلية الشخصية. الشخصية الماقبلية هي الشخصية الموجودة على الذمة، هي فقط تنتظر الحاكي أن ينسب الأفعال إليها. جحا حارس شخصي لحكايات الناس، التي تريد أن تتنصل من مسؤولية السرد، غير أنها تريد رغم ذلك أن تسرد. ماقبلية الصفات الممكنة لجحا هي التي تجعل السرد معلوما في هيكله العام، فهو سرد شعبي لا يتعب الذهن برمزيته، رغم أنه يحوي رموزا، وهو سرد يتكيف مع شخصية جحا العالقة في التفاصيل، لكنها تنتصر في النهاية بالأقوال التي تسخر من الكون، أو التي تصوغ منه قانونا مفيدا.
ماقبلية الشخصية تشبه ما قبلية اللغة: جحا واللغة متوفران جاهزان للعمل الأول، فاعل لغوي والثانية أداة ذلك الفعل. إن ما قبلية اللغة إذا ما نوقشت لسانيا كانت موضوعا مركبا وقابلا للخلاف. فيعتقد شمسكي، أن البنى العرفانية المخصصة للغة لها وجود سابق لاكتساب اللغة نفسها. وأن هناك نحوا كونيا هو الذي يوجه الأنحاء الخاصة. قواعد السرد هي من هذا الباب هي قواعد خصوصية داخل قواعد العربية أو الفرنسية، وهي مسيرة بها وموجودة بالتالي وجودا سابقا مضمنا فيها. لكن مخالفي شمسكي من العرفانيين الجدد يعتقدون أنه لا توجد طاقة ماقبلية بل ما يحدث أننا نتمثل الأكوان ونعالجها باللغة، وما اللغة إلا تمثيل رمزي لما يحدث على صعيد التمثيل الذهني للكون. قول كهذا يعني أن جحا هو تمثيل من التمثيلات المخزنة، ولها حقل إدراكي كامل، وأنه يمكن أن يستخدم شأنه شأن بقية التمثيلات على أنه بنية رمزية يبنى بها تصورنا لوضعيات معينة بناء حيا.
اللغة في جميع الأشكال رمزية ورمزية اللغة تعني أنها تمثل تجاربنا وتبني أكواننا. طريقة التمثيل في الحكاية استعارية، تسمى في المألوف أليغوريا: هي قصة تكون فيها عناصر الحكاية قابلة للتحقق ومحيلة على محتوى مجرد فكري أو قيمي (هو في الحكاية: نتعب ولا نجني). هي استعارة بمعنى أننا صغنا تجربتنا مع تعبنا الذي لا نجني منه شيئا ويجنيه غيرنا الذي لم يتعب، صغنا تلك التجربة المجردة بوسائل التجربة المادية: تجربتنا مع الدجاج وبيضها. يصبح جحا وأفعاله وسيلة ملموسة تمثل تجربة مجردة بوسائل التجرية اليومية.
 
أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية