Friday 5th of March 2021 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    22-Jan-2021

سيمياء العنوان في ديوان «ناقف الحنظل»

 الدستور-د.عاطف العيايدة

 
لقد اهتمّت السيميائيّة الحديثةِ بكلّ ما يحيطُ بالنصّ من مكوّناتِ كالشّكلِ الفنّيّ، أو الصّورِ أو الفضاءاتِ المكانيّة، أو الرّسوماتِ أو العناوين التي تتصدّر النّصوصَ، وقد سُمّيتْ هذهِ مجتمعةً بــ(النصوصِ الموازية).وتُعْتَبَرُ العناوينُ عتبةً أولَىْ ممهّدةً لنقلِ المتلقّيْ إلى مركزِ النّصِ الفِعليّ، فقدْ أصبحَ العنوانُ في الدراساتِ الحديثةِ أداةً هامّةً في الكشفِ عنْ مجاهيلِ النصّ بمحتواه اللفظي وإيحاءاتِه ومقاصده ودلالاته المباشرة والرّمزيّة واتّساقِه وانسجامهِ.فالعنوانُ من أهمِّ العتباتِ النّصّيّة الموازيةِ التي تساهِم في كشفِ المعانيْ الظاهرةِ والخفيّةِ المرتبطةِ بالنّصِّ، وفي هذا السّياقِ سأسلّطُ الضّوءَ على سيمياءِ العنوانِ في مجموعة (ناقف الحنظلِ) الشعرية الصّادرة عام 2015م للشاعر الأردنيّ لؤي أحمد، محاولًا توضيحَ مدى التّعالقِ بينَ عناوينِ القصائدِ الشّعريّة والنّصّ الشّعريّ ذاته.
فما أنْ تقعَ عينا القارئِ على صفحةِ غلاف المجموعة الشعرية (ناقف الحنظل) حتى يستذكر معلقة امرئ القيس المشهورة، وتحديدًا البيت الشعريّ الذي يقول فيه:
كأَنِّي غَدَاةَ البَيْنِ حِينَ تَحَمَّلُوا لَدَى سَمُراتِ الحَيِّ ناقِفُ حَنْظَلِ
وفي هذا البيت بنى امرؤ القيس مفارقته التشبيهيّة على اختيارِ مستحضرٍ نباتيٍّ مرتبطٍ بالمرارةِ، وهو نبات الحنظل الّذي يشبه ثمره البطيخ، لكنه في حجم البرتقالة، وهنا شبه امرؤ القيس نفسه في صبيحة اليوم الذي ارتحل فيه قوم محبوبته بحال من يقوم بنقف الحنظل، والمقصود بناقف الحنظل الذي يشقّ ثمار الحنظل ويستخرج بذوره؛ فتسيل الدموع مدرارة من عينيه من شدّة حرارته ومرارته.
أمّا الشاعر لؤي أحمد فقد اختار (ناقف الحنظل) عنوانًا لمجموعته الشعريّة متوافقًا مع عنوان القصيدة الخامسة من قصائد المجموعة التي بلغ عددها ستّ عشرة قصيدة.
وقصيدة (ناقف الحنظل) تتكوّن من واحدٍ وعشرين بيتًا، وهي من الشعر العموديّ الفصيح، نظمها الشاعر على بحر الكامل، ومطلعها:
الليلُ يحملُ للقصيدةِ شاعرًا
يخلوْ بفاتحةِ الكتابِ لِيَدْخُلَهْ
وفي القصيدة استهلالٌ جميل لتسليط الضوءِ على الرؤية التي يحتكم لها الشاعر حين يستنطق الكلمات ويبحر في أعماق المعاني، ويبتكر الصّور الشعريّة، ويلتفّ حول دوائر القوافي مصوّبًا طلقاتٍ تطيح برؤوس الأخيلة؛ فالشاعر على حدّ تعبير لؤي أحمد شمس هذي الأرضِ التي تستجلي ضبابية الغيوم، وهو كالصوفيّ الذي يطيل التّبتّل كيما تحلّ عليه روحانيّة صادقة.
فالكثير الكثير من الطّروحاتِ الرّمزية التي قدّمها الشاعر حول الخواصّ الجمالية التي تميّز الشعر وصانعه، وتبيّن الحالة التي يكون عليها صاحب التجربة الشّعريّة الّذي يتجاوز الواقع الحسّي ويتخطّى حدود المادّية ليصل في بوحه الشّعريّ إلى دفائن المعاني، ونفائسِ التعبيرات، وغرائب الدلالات، ولا يكون في كلّ أحواله منطقيّا في التعاطي مع الانطباعاتِ الإبداعيّة حين يقدّم مادّته الشعريّة الملأى بـ(رائحة الدّوار وفوضى الأسئلة) على حدّ تعبير الشاعر لؤي أحمد.
ووصولًا إلى سيميائية عنوان المجموعة الشعرية الّذي هو ذاته عنوان القصيدة الخامسة من الديوان نجد أن الشاعر في البيت التاسع عشر قد ذكر (ناقف الحنظل) في قوله:
أنَا في المجازِ المُرِّ ناقفُ حنظلٍ
أبكيْ على بكرِ المعانيْ المُغْفَلةْ
فالشاعر يعلنُ عن نفسه ناقفًا للحنظلِ في الملفوظات المجازية التي تتفجّر منها الدلالات، وهنا جاء التركيب (ناقف حنظل) كمتعلّق سيميائي بناء على البوّابة الافتتاحيّة للمجموعة الشعرية التي حملت عنوان (ناقف الحنظل).
وبما أنّ العنوانَ من أهم العتبات النصّية المحيطة بالنصّ الأساسيّ فمن الضروريّ أن يشكّل علامة سيميائيّة فارقة في سبر أغوار النصّ، والسريان في دهاليزه، وهو في المجموعة التي بين أيدينا ضابط أساسيٌّ من ضوابط العلاقات الإيحائيّة للمحتوى الشّعريّ ككلّ إذا ما استعرضنا بعض العناوين الأخرى لقصائد المجموعة.
ففي القصيدة التاسعة وعنوانها (مرآة أبي الطّيب) يأخذنا الشاعر معه إلى شخصيّة جدليّة في الشّعر العربيّ وهي شخصية الشاعر العبّاسيّ أحمد بن الحسين المعروف بالمتنبي، الذي حظي بمكانةٍ أدبية رفيعة، وتناقلت المدوّنات والألسن والعصور تراثه الشعريّ، فجاء عنوان القصيدة كعلامةٍ سيميائيّة وموتيفٍ رمزيّ دالٍّ على أبي الطّيب المتنبي، ورغم أن الشاعر لؤي أحمد لم يصرّح في المتن الشعريّ عن اسم المتنبي لكنه وضعنا أمام مرآة شعره لنرى خيط التناص الرفيع بين ما قاله لؤي أحمد:
لنْ تفهمَ الرّيح ما في الغيمِ من قلقٍ
حتّى تضيقَ جيوبُ الغيمِ بالفيضِ
ليعيدنا إلى الوراء عندما قال المتنبي:
علـى قــلــقٍ كــأنَّ الريــحَ تحـتـيْ
أوجّــهــهــا جــنـوبًـا أو شـمــالا
فاستحضار المتنبي حالةً وروحا في القصيدة جعلت من العنوان علامة سيميائية تحدّد مسارّ التداول الشّعريّ، وتحرّر المتلقّي من قيود النمطيّة بعد ذلك فيما يمكن أن يواجهه من ارتباطاتٍ لفظية سطحيّة بين شعر المتنبي وشعر لؤي أحمد.
وتجدر الإشارة إلى أنّ حضورًا درويشيًّا في القصيدة في المطلعِ الأوّل من قصيدة (مرآة أبي الطيّب) حيث يقول لؤي أحمد:
لا أرضَ تحتكَ كيْ تمشيْ على الأرضِ
ولا سماءَ تحاكيْ صوتَكَ الفضّيْ
فالالتقاء المقصود مع محمود درويش كانَ في العبارة الخطابية للشاعر لؤي أحمد في قوله (لا أرض تحتك) التي وردتْ بصيغة المتكلم في رائعة محمود درويش (مديح الظلّ العالي) في قوله:
لا أرض تحتي كي أموت كما أشاءْ
ولا سماء حولي لأثقبها وأدخل في خيام الأنبياءْ
وفي القصيدة السادسة عشرة والأخيرة من المجموعة وهي بعنوان (ما كنت ظِلِّيلًا) نجد أنّ العنوان يحيلنا مرّة أخرى إلى شخصية الشاعر الجاهلي الذي سبق وذكرناه، وهو امرؤ القيس الملقب بــ(الملك الضلّيل).
والعنوان هنا علامة سيميائيّة استباقية تلفت انتباه المتلقي إلى أنّ ثمّة علاقة بين العنوان والنص الشّعريّ الّذي اتّسم بالصّبغة الكلامية المحالة إلى مرجعيّة تاريخية ذات بعدٍ تراثيٍّ شعريّ، وقد وردت في الأبيات الشعريّة كلمات تؤكّد هذا الملمح، وتدور في الفلك ذاته، كقول الشاعر:
_ رفرفتُ في قفص الملوك وكلّ أغنيةٍ أبيتُ
_ ما كنت ضلّيلا ولكن فوقَ آلامي مشيتُ
وعودًا على بدءٍ نجد أنّ كريستاليّة العنوان السيميائيّة قد وضعتنا كقرّاء في إحداثيّات الازدواجيّة والتأمّل والتّخيّل لما قد يصادفنا في السياقات الشّعريّة، خاصّة مع وجودِ عناوين أخرى لقصائد أخرى تتفيّأ تحت الضلالِ ذاته _إن صحّ التعبير_، فالعنوان أعطانا بلا شكّ دلالة عن فكرة القصيدة، وقدّم علامة قادتنا إلى صُلب الدلالة؛ لتنسجم بهذا حيويّة الارتباط التقابليّ بين الدّالّ والمدلول الّذي يفسّر النصّ نفسه.
فمجموعة (ناقف الحنظل) يمكن أن يكون في عنوانها غموض واضح لمن لم يطّلع على معلّقة امرئِ القيسِ، أو يقرأ أبياتها المكتنزة بالدلالات، أمّا هي كعنوان لقارئ امرئ القيس فلا غرابة فيها، وهي علامة فارقة يستنير بها المتلقّي منذ اللحظة الأولى التي يكحّل بقراءتها بصره، وتكون له دليلًا في الانسياقِ مع محتوى النصِّ، والأمر كذلك حاصل في القصائد الأخرى للشاعر لؤي أحمد في مجموعة (ناقف الحنظل).