Thursday 21st of January 2021 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    30-Dec-2020

النحت العمّوني وتمثلاته الشكلية

 الدستور-الباحث الأكاديمي والفنان التشكيلي زيد عدنان

 
تعد المملكة العمّونية إحدى الممالك التي تأسست نتيجة للتغيرات السياسية التي حدثت في المنطقة، مما انعكس بفاعلية على بلاد الشام بشكل عام وعلى الأردن بشكل خاص، وقد تزامن ظهور هذه المملكة بالتقريب مع بداية العصر الحديدي وجاءت كحصيلة لسلسلة من التطورات والتراكمات الثقافية والحضارية، ففي حدود عام 1250 ق.م أو قبلها بسنوات قليلة ظهرت بوادر التشكل، والعمونيون هم من الأقوام السامية اتخذوا من (عمون)، عمان الحالية عاصمة لهم وكان مقرهم الإداري الرئيسي في جبل القلعة، امتدت مملكتهم القوية من الزرقاء شمالا إلى الموجب جنوبا ومن الصحراء شرقا إلى نهر الأردن غربا، ورغم قلة التنقيبات الأثرية التي خصت هذا الجانب فقد اكتشفت ومنذ خمسينيات وستينيات القرن الماضي وحتى الأعوام القليلة المنصرمة مجموعة من التماثيل تجاوز عددها الـ30 تمثالا جسدت موضوعات محددة، ولغرض تفكيك وتبسيط مدلولات هذه المنحوتات لا بد من توضيح ما نعنيه بالتمثل الشكلي، فهو التجسيد للصور الذهنية وإيجاد مرادفاتها في صور جديدة من خلال أعمال نحتية، أي تصور المثال الذي ينوب عن الشيء ويقوم مقامه بما يضمن إيجاد شكلا جديدا. وفي ما يخص تماثيل الآلهة يمكن القول إن الفكر العموني ابتدع العمل الفني الذي يمثل التمثال كوسيلة لبلوغ المغيب من القوى الروحية، أي التعبير عن ما يجول بالمخيلة، وهو نوع من الكشف تبثه هذه الأشكال، لذلك اتخذ العمونيون التماثيل من أنظمة النحت باعتبارها وسائل اكتشاف لصور الآلهة المغيبة، وإظهارها بكتل مادية مدركة.
 
إن أهمية هذه التماثيل تدل على مدى فاعليتها كونها تعبر عن إحدى الضروريات للإبلاغ عن جملة من الأفكار الكامنة، فهناك زخم انفعالي قوامه الطقوس والممارسات الدينية تحتم إنتاج هذه الأعمال؛ ما يشير إلى الارتباط الوثيق بين الفن والدين، ولمحاولة تغير المدركات الروحية إلى صور نحتية تشكيلية، وهي بمثابة خطاب يستثير جملة من الأفكار والانطباعات لإعادة صورة الفكر اللامرئي بصيغ وأشكال مرئية، وإحالة ما هو على الأرض من عمل فني وتحويله إلى شيئا مقدسا محملا بطاقة روحية مهيمنة، أي أن التمثل الشكلي لا يكون مبررا له الوجود إلا ليكون تعبيرا عن الفكر الميثولوجي الجمعي، وهو انعكاس لما يؤمن به المجتمع العموني، وهذه البنية هي بمثابة نوع من الاحتفالية الطقوسية التقديسية.
 
اما التماثيل الملكية فانها تمتاز بطابعها التشبيهي المباشر وهي توثيق لصورة الملك، اي انها محاولة لفعل توثيقي يحفظ الشخصية ويقوم على فكرة التاثير بين المتماثلات وذلك ان صفة المتشابه بين التمثال والنموذج من شانها ان تجعل الصورة البديلة تعمل بفاعلية الصورة الاصلية لتاكيد الحضور، فالتمثال يمثل صاحبه الا انه يصبح رمزا في بنية الفكر الاجتماعي العموني. ان اهم ما يميز هذه المنحوتات من الناحية الشكلية هي النسب التي تبناها واشتغل عليها النحات العموني وطبقها ولم يغيرها ولم يلتفت للنسب المستخدمة في منحوتات الحضارات المجاورة رغم طول الفترة الزمنية التي انتجت خلالها مجموعة التماثيل المشار اليها، وتقسم التماثيل العمونية الى قسمين رئيسين، تماثيل كاملة وتماثيل الرؤوس، التماثيل الكاملة بدورها تقسم الى ثلاثة اقسام، تماثيل الالهة وتماثيل الملوك وتماثيل النساء، وقد جاءت اغلبها بحيث شكل طول الراس ثلث طول جسم التمثال، باستثناء البعض القليل ومنها احد التماثيل والذي حمل سحنة وملامح افريقية حيث كان الجسد اكثر طولا كنسب تشريحية عن باقي التماثيل بقليل، وتتميز تماثيل الالهة عن تماثيل الملوك والنساء بوجود التاج المقرن بينما خلت باقي التماثيل منه، اما تماثيل الملوك فقد حملت معظمها زهرة اللوتس التي ترمز الى تجدد الحياة والبعث والخلق. نحتت معظم تماثيل النساء وهي مزينة بالحلي والاطواق والاساور والاقراط وشملت البعض منها وجود الحبات الثلاث التي تحيل الى مفاهيم الخصب والوفرة وتعني جودة الارض وخصوبتها ورخائها، نفذت هذه التماثيل بوضعية الوقوف وجاءت الكثير منها منحوتة بوضع اليد اليسرى تحت منطقة الصدر بينما اليد اليمني مسبلة بجانب الجسد، نحت الشعر واللحى والملابس بطريقة مبسطة الى حد ما، واستوت التماثيل على قواعد من نفس حجر التمثال، وتظهر ملامح التاثيرات الاشورية على السياق العام لهذه المنحوتات من حيث المعالجات والاشكال، والتاثيرات المصرية من خلال بعض الرموز ومنها زهرة اللوتس، ويبلغ ارتفاع اطول التماثيل المكتشفة 205 سم وهو غير مكتمل وقد تعرض للكسر عند منطقة القدمين والقاعدة.
 
اما تماثيل الوجوه فتقسم كذلك الى تماثيل الهة وملوك ونساء، تمتاز تماثيل الالهة عن تماثيل الملوك والنساء بوجود التاج المقرن كما في التماثيل الكاملة، وتقسم تماثيل النساء الى قسمين تماثيل بوجه واحد واخرى بوجهين ولعل الغرض من نحت وجه امامي واخر خلفي، ليتم وضعها داخل اطار نافذة لتمكين من بداخل المبني او المعبد مشاهدة الوجه وكذلك يؤمن لمن يكون خارج المبنى من رؤية الوجه الاخر، وكرست هذه المنحوتات للاستخدامات الدينية.
 
نحتت بعض من تماثيل الوجوه برقاب طويلة، وقد تكون مطعمة باحجار ملونه او بالعاج او بالاثنين معا، واستخدم النحات العموني احجارا مختلفة لتنفيذ اعماله النحتية منها الحجر الجيري او الكلسي والحجر الاملس الصابوني والحجر البركاني البازلتي.
 
واخيرا فان التمثلات الشكلية لهذه التماثيل تثبت ان بنية الفكر العموني وما انتج على ارض الاردن هو حصيلة لافعال ابداعية اقترنت بالتأمل والفحص والوظيفة المرتبطة بالطقوس والعقائد والاعراف الاجتماعية.