Friday 15th of December 2017 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    02-Aug-2017

الشريف الحسين بن علي والثورة العربية الكبرى - ا.د. كامل صالح أبو جابر
 
الراي - احتفل الأردن عام 2016 بمرور مئة عام على اعلان الثورة العربية الكبرى من قبل الشريف الحسين بن علي أمير مكة والجيل الأربعين من سلالة الرسول العربي محمد بن عبدالله (صلى الله عليه وسلم).
 
وقد شعرت بالحزن ان لم يحتفل بهذه المناسبة العطرة والعظيمة سوى المملكة الأردنية الهاشميّة، إذ لديّ إيمان قوي أن الثورة ما كانت أردنية وحسب بل عربية كان واجب كل دولة عربية أن تحتفل بها حيث قامت باسم العرب تُطالب بحقهم في الاستقلال والحرية وحكم أنفسهم لا في الأردن وحسب بل وفي جميع الأقطار العربية في مشارقها ومغاربها. وكان حريّ على الدول وعلى المثقفين العرب ان ينتبهوا الى هذه الحقيقة ويساهموا في إحياء هذه المناسبة الكريمة.
 
ولعلّه من المهم التذكير أن الشريف حسين كان أول عربي منذ عهد المعتصم العباسي الذي ادخل الجند الأتراك ليعتمد عليهم والذي طالب بحق العرب أن يحكموا أنفسهم، صحيح أنه كان إنسان مسلم مؤمن بأخوة المسلمين في كل مكان، وانه ما طالب بحكم عربي إلاّ بعد ما شاهد من محاولات التتريك والاستعلاء والاستكبار العثماني وتجاهلهم لحقوق العرب السياسية وغيرها وأحياناً ظلمهم، ولكن صحيح كذلك كان شعوره بان للعرب الحق بان يكون لهم حضور بين أمم العالم. وعلى الأقل في منطقتهم الشرق أوسطية التي تضم الأتراك والإيرانيين والاكراد والعرب والتي ادخل عليها الاستعمار الغربي فيما بعد دولة إسرائيل.
 
كان الشريف شريفاً مع نفسه ومع أمته ومع حلمه بدولة عربية موحدة بالحدود، التي تم الاتفاق عليها في مراسلاته مع السير هنري مكماهون: دولة عصرية تواكب الزمن تتشاور مع مواطنيها وتعمل على تنميتهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية وتخاطب العالم بلغة العصر بينما تحافظ على أروع وأسمى سمات الحضارة العربيّة الإسلاميّة وتعدديتها وقبول جماعاتها وفئاتها ومِللها ونحلها لبعضهم البعض التقليدي والتاريخي.
 
مثل هذا الحلم الرائع اصطدم مع مخططات الاستعمار الغربي الذي كان يعمل لصالح الصهيونية من جهة، ولتمزيق الوطن العربي من جهة أخرى لتسهيل امكانية السيطرة عليه. فلا وعد بلفور جاء صدفة ولا اتفاقية سايكس بيكو كانت ارتجالاً وإنما حسب تخطيط دقيق مسبق صهيوني غربي منذ نزول جند نابليون إلى مصر نهاية القرن الثامن عشر الذي قام باصدار وعد موزبلييه لاقامة دولة يهودية في فلسطين والذي اكد عليه رئيس الوزراء البريطاني هنري كامبل بانرمن عام 1907 حين طالب باقامة دولة يهودية في فلسطين لتشاغل العرب الذي حسب رأيه لا بد من ابقائهم في حال من الحيرة والضياع والتشتت والفقر كل ذلك لحماية هذه الدولة.
 
منذ نهاية الحرب العالمية الأولى والى يومنا هذا ارتبط مصير فلسطين، لا بل مصير العرب بأبعاد ونتائج وعد بلفور ومعاهدة سايكس بيكو.
 
ماذا كان بيد الشريف ان يفعل وميزان القوى السياسية والعسكرية والاقتصادية مُختل لصالح الطرف الاخر، كما هو حال اليوم. حاول الغرب اقناع الشريف بقبول الأمر الواقع والرضوخ ولكنه رفض ذلك وبالذات ما يتعلق بفلسطين مسرى الرسول صلى الله عليه وسلم وثالث الحرمين الشريفين.
 
ويقال إنه كان عنيداً، وان صح ذلك فان عناده كان للحق والمبدأ وكذا آثر المنفى في قبرص ولكنه طلب أن يدفن في القدس ليذكر أجيال العرب والمسلمين القادمة بأهميتها لا في وجدانه وحسب بل وفي وجدان الأجيال القادمة على مدى التاريخ.
 
عاش الشريف الحسين في بيت استأجره في أحد أحياء مدينة لارنكا، اختاره قريباً من أحد أقدم المساجد في العالم الذي يعتقد أن تشييده تم بعد وفاة السيدة أم حرام بنت ملحم، زوجة عبادة بن الصامت التي رافقت زوجها في أول حملة بحرية زمن الخليفة معاوية بن أبي سفيان لاحتلال جزيرة قبرص. وقد تمت وفاتها اثر وقوعها عن ظهر البغل، الذي كانت تركبه اثر وصول سفينتها شواطئ قبرص. وتم دفن زوجة الحسين بن علي كذلك بنفس المكان ابان فترة منفاه.
 
وقد تم ترميم المسجد وجواره من قبل الحكومة القبرصية اثر اتصال تم معها في عهد الملك المغفور له الحسين بن طلال بحيث اصبح اليوم احد اهم المعالم الدينية والسياحية في قبرص والذي اتشرف بزيارته كلما سنحت لي الفرصة لزيارة الجزيرة.
 
كان الشريف الحسين بن علي قومياً عربياً واعياً، ابن زمانه وظروف العصر، انتبه لازدهار القوميات الفارسية والتركية والكردية وضرورة استقلال العرب الذين حملوا راية الإسلام إلى أطراف العالم. وواعٍ كل الوعي ان الرسول صلى الله عليه وسلم عربي وأن القرآن عربي وأن الاستكبار والاستعلاء العثماني واغفالهم حقوق العرب أمر لا يجوز السكوت عليه.
 
ولكنه كان واعياً كذلك لحقيقة أن العرب فقدوا فن الحكم فترة غيابهم الطويل عنه تحت السلاجقة والفرنجة والمماليك والعثمانيين حتى العصر الحديث.
 
وإذا ما كان صحيحاً أن الثورة لم تنجح بسبب اختلال الموازين العسكرية والحضارية، فإنه صحيح كذلك انها أوقدت الحسّ والوعي العربي الإنساني لضرورة وحدة العرب وتكوين هوية خاصة بهم، وأعتقد أن هذا الاحساس بهوية عروبية كريمة سيبقى ويزدهر على الرغم من ظروف حياتنا السياسية هذه الأيام، والتي تشابه فترة ملوك الطوائف في الأندلس.
 
المتأمل في مسيرة حضارتنا العربية والإسلامية سيجد أن في أمتنا من المنعة والاعتزاز الوطني ما يمكنها التغلب على العثرات وان بها المقدرة على تجديد وتحديث نفسها ولو طال الزمن، وخير دليل على ذلك استمرار وازدهار دولتنا الأردنية التي تتابع على عرشها احفاد الحسين بن علي: عبدالله الأول، وطلال والحسين واليوم عهد عبدالله الثاني، والتي من أروع سماتها الحفاظ على تعددية ووسطية وعقلانية الحضارة العربية الإسلامية.
 
وأقول بأسف شديد: إن قلائل هم أبطال العرب الحقيقيين في العصر الحديث، وأن الشريف الحسين بن علي يجب أن يكون على رأس قائمتهم وأنه يتوجب على العرب كل العرب، لا أهل الأردن وحسب، أن يكرموا هذا البطل الهاشمي الجليل .
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات