Monday 1st of June 2020 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    18-May-2020

الغرابة في عتبة رواية «على باب الهوى» لصبحي فحماوي

 الدستور-دكتور عزوز علي إسماعيل

 
يبدأ العمل بإهداء قد يكون تصديراً أكثر منه إهداء وتبعث منه الغرابة بعينها، وهو مرتبط ارتباطا حقيقيا بالعمل من أوله إلى آخره الذي يتكلم فيه المؤلف عن تلك الرحلة التي خاضها خارج حدود الوطن العربي وبالتحديد في أوربا؛ حيث يقول في البدء الملك لير: «في هذا الطريق يكمن الجنون» الملك لير. شكسبير. أيُّ طريق هذا الذي يكمن فيه الجنون الذي دعاه الملك لير، هل هو الجنون الذي رأيناه في العمل في هذه المسرحية الرائعة لويليام شكسبير؟ نعم إنه الجنون الذي جعل الملك يترك ابنته المحبة الحقيقية له كورديليا، بعد أن أراد أن يهبها أكبر قدر من مملكته، ولكن البنتين الأخريين ريغان وغونريل وبخداع منهما أرادا أن يسيطراً على هذا الملك وإبعاد الأخت الثالثة كورديليا، وقد حدث بالفعل ولكن الشقيقتين الأكبر سناً قد خانتا وعدهما لوالدهما بأنهما تدعمانه، وتحاول البنت الصغرى أن تساعد والدها لكن بطريقة أخرى بعد أن تزوجت ملك فرنسا أرادت أن تعد جيشاً لإنقاذ والدها، ولكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن وجيشها يهزم وتعدم هي ووالدها إنها تراجيديا ويليام شكسبير إنه الجنون والغرابة التي حملتها هذه المسرحية والتي عدت من أفضل ما كتب شكسبير.
 
ولم يكتف الكاتب بهذا القول للملك لير وأن في هذا الطريق يكمن الجنون، ولكنه يتبعه بعض العبارات التي كتبها فيكتور هوجو حول الشرق والغرب، لأنَّ هذه الرِّواية التي بين أيدينا «على باب الهوى» تؤكد على ما بين الشرق والغرب من علاقات متجذرة وروابط أكيدة بحكم الإنسانية، ولكن هنا نرى أن فيكتور هوجو يدعو الشرق إلى أن يضع بصماته فيما سيحل بالعالم، ولا يقف متفرجاً عما سيحدث، لا بدَّ أن يكون له دورٌ في التغيير الذي سيحدث يقول فيكتور هوجو: «.. ومن ثم، فالشرق مدعو للاضطلاع بدور بارز في الغرب، فها هو استقرار أوروبا يوشك أن يتزعزع، والمراوحة الأوروبية التي هي أصلاً عفنة ومتشققة، تتصدع من جهة القسطنطينية، وكل القارة تميل وترنو نحو الشرق، وسوف نشهد أموراً عظيمة.» فيكتور هوجو Victor Hugo, les Orientales.idem. والعلاقة بين كلام فيكتور هوجو والعمل «على باب الهوى» تكمن في تلك الأمور التي حددها في كلامه بأن الشرق يجب أن يكون له دورٌ في الغرب، وذلك بأن استقرار أوروبا على وشك الانهيار، وأوروبا بأكملها ترنو ناحية الشرق، وقد صدق أحد العلماء الذين قالوا: إنَّ الشمس تشرق من الشرق، إشارة منه إلى أن الشرق هو طريق النور والعلم، فالشرق منذ القدم كان منبع الرسالات والهداية، ويستطيع أن يضطلع بدوره الآن، خاصة بعد تلك التشققات التي حصلت في أوروبا، وهو الأمر الذي يربطه الكاتب في هذا العمل بما رآه في أوروبا، وما شاهده وكانت المقارنة دائماً بين الشرق والغرب في كل ما تقع عليه عيناه.
 
الكاتب صبحي فحماوي هنا وفي هذا الإهداء يرسل عدداً من الدلائل والعلامات، بحكم أن الإهداء أيقونة دالة أيضاً على العمل من تلك العلامات أنه يؤكد للقارئ العربي أنه على علم بما يتحدثون عنه في الغرب عن الأمة العربية أو الشرق عموماً، وهو ما حدا به إلى أن يأتي بأقوال لفيكتور هوجو، ثانياً الكاتب مدرك لحقيقة تلك القوة التي يمتلكها الغرب، ولكنه في الوقت نفسه لا ينسى تاريخ أمته، ومدى إفادة العالم كله منه، وهو ما ظهر حين تتناول في العمل قصص ألف ليلة وليلة. أخيراً الكاتب يشوقنا لقراءة العمل، بأن يأتي بتلك الأقوال، وما يلاحظ هنا وفي تحت بند الإهداء أن الكاتب يأتي بعبارات لكتاب كبار، ومعنى ذلك أنه يهدي لهم العمل بطريقة أو أخرى، ولو جاءت تلك العبارات تحت بند التصدير لكان أقوى وأفضل، وهي بهذا الشكل تمثل تصديراً للعمل وهي أيقونة دالة على العمل، والإهداء أيضاً هو اعتراف بالجميل لمن قدم لنا شيئاً وهو هنا يعترف بجميل وليام شكسبير وفيكتور هوجو وفي الوقت نفسه يهدى لهما العمل بطريقة أو بأخرى.
 
غرابة الكلب الشرس كعتبة للرواية
 
يجنح الكاتب أحياناً إلى إيجاد بعض التيمات التي تميز العمل وتكون بمثابة أيقونات تنير العمل، وهو ما فعله الكاتب هنا، حين لجأ إلى استخدام الكلب في العمل الروائي، ولا بد وأن نذكر أن للكلب مكانة كبيرة خاصة في التراث الإسلامي، كما جاء في سورة الكهف، حين كان صاحباً لأهل الكهف الذين مكثوا في ذلك الكهف لأكثر من ثلاثمائة عام. ولكن هنا الكلب لعب دوراً شرساً حين رآه الكاتب وهو يدور ويلعق بشنطة صديقه خالد، ونادراً ما يستخدمون الكلاب المدربة على التفتيش، في البحث عن المخدرات والحشيش وما شابه تلك المحرمات عند المفتشين خاصة في المطارات يقول الكاتب على لسان خليل:
 
«أتمشى في قاعات مطار ميلانو الذي هبطت فيه طائرتنا في الساعة السادسة صباحاً، انتظاراً لطائرة أخرى ستحملني على بساط الريح بين ركابها إلى ميونيخ في الساعة الثامنة صباحاً»ص17. مشهد يضع فيه المتلقي أمام بعض المناظر في مطار ميلانو ليمهد لذلك الحدث الذي ناله منه حين التقى بأحد الشباب المسافرين إلى ميونيخ، حيث يتأخر عن موعد إقلاع الطائرة فيضطر إلى الانتظار مع صديقه الذي تعرف عليه في هذا المطار..
 
«أراقب القادم والمغادر، ألتقي شاباً يعرفني على أنه فلسطيني من رام الله وأن اسمه خالد يقول لي إنه مسافر إلى أهله في ميونيخ على نفس الطائرة»ص18. ولكن يُشك في أمر الشابين العربيين، فتأتي الأوامر لتفتيش الأمتعة في مطار ميلانو، الأمر الذي أرهب الجميع
 
«لحظات تمر كلمح البصر آه والله كلمح البصر، وكما يقول لك الروائي خيري شلبي «وهبِّ للنبي! وإذ بنا نفاجأ برجال الأمن يحيطون بنا كإحاطة السوار بالمعصم، ولكن بمنتهى الضبط والربط المهذبين وفوراً يعتقلون جوازيّ سفرنا، ويدققون فيهما ثم يجلبونا بكل احترام وتقدير – الواحد يشهد الحق- ويدخلوننا إلى غرفة خاصة للتفتيش»ص20.
 
وهنا مفارقة ساخرة يوضح فيها السارد أنه يشهد الحق ببشاعة تعامل الأجانب مع العرب، وهو يؤكد ساخراً بما يقوله «الواحد يشهد بالحق» على بشاعة تعاملهم معه..فالأمر هنا في منتهى الغرابة، التي نبحث معالمها وهو الموقف الأول في هذا العمل الذي يدون فيه السارد شيئاً عن الغرابة، ويصل بالسرد إلى أهم ما كان في هذا الموقف وهو لحظة التفتيش وحضور الكلب الجحش، يقول «فيأمر الضابط صاحبي خالد بفتح حقيبته، بلغة إنجليزية طبعاً لأنا لا نفهم اللغة الألمانية، فيفتح ابن الثامنة عشرة حقيبته بكل براءة وامتثال، وفجأة، يرعبنا كلبٌ بحجم الجحش، وهو يتقدم نحونا بكل هيبة واقتدار، متصدراً موظف أمنٍ يسير مجروراً خلفه؟ أي والله بحجم الجحش!»ص20. الكلب يؤتى به للتفتيش ومثل هذه الأنواع من الكلاب تكون مدربة على الرعب والبحث عن أسلحة أو مخدرات أو ممنوعات، ولكن ما لفت انتباه السارد هنا هو حجم هذا الكلب الضخم الذي يشبه الجحش وهو ابن الحمار. تتم عملية التفتيش البشعة هذه لصديقه المسافر خالد، والذي لم يعثر معه على شيءٍ مخالفٍ فيهم راكضاً بعيداً عن شخص الرواية.. وقد يلعن الظروف التي جمعته به، ولكن ما يعنينا هنا في البدء جزئية الغرابة التي أكد عليها السارد بأن استخدام الكلب الشرس مع مسافرين مدنيين آمنين، هو أسوأ من الضرب أو الشتم أو سوء الحديث مع المسافرين الآمنين.. وهذا ما يهين كرامة الإنسان ويرعبه في مثل هذه المواقف، إذ كان المفروض على الغرب أن يقدروا كرامة الإنسان، كونه يجب أن يحترم.
 
ويأتي دور السارد في التفتيش، فيشعر بالحرج الشديد كون أن الكلب سيلعق محتوياته والكلب عندنا نجس بطبيعة الحال، ويشعر كذلك بأن كرامته ستداس بفعل هذا الكلب فينفعل ويقول للضابط:
 
«لو سمحت لي: أنا موفد بدعوة رسمية إلى مؤتمر»قادة شباب الأرياف في العالم» والذي سيعقد بعد غد في (هيرشنج- ميونيخ) وهذا كتاب الدعوة، ولا يُعقل أن لا أجد من يرحب بي في بلادكم سوى هذا الكلب! أنا أرفض التفتيش بهذه الطريقة، فإما أن تقبلوا حقيبتي التي خضعت للقانون، وفتشت مثل غيري من سائر المسافرين في المطار دون كلب يتشمشم ويلحوس، وإما أن تعيدوني إلى بلدي»ص21. يستغرب البطل من تفتيش الكلب للملابس وشمشمتها وكان ذلك في بداية الثمانينيات قبل أن تظهر تلك الكلاب في التفتيش بالطريقة التي نراها الآن، وكان استغراب شخص الرواية في محله؛ إذ رفض أن يفتشوا شنطته وملابسه بهذه الطريقة، خاصة وأنه سبق وأن تم تفتيشه قانونياً من قبل الأمن..وهنا عرض عليهم تلك الدعوة التي جاء بها لحضور ذلك المؤتمر، فتفهم الضابط ما أراد، ولكن الأمر تحجج بأن الأمر متعلق بالشاب خالد الذي صادفه وقابله في مطار ميلانو، ليرد عليه شخص الرواية بقوله:
 
«مجرد علاقة مطار عابرة، فأنا لا أعرفه، وهو لا يعرفني من قبل! وعند مواجهتهم بمقاومة هدر كرامته، يلاطفه رجل الأمن قائلاً: «نحن نعتذر لك! لا تقلق! أنت مرحب بك! يبدو أن السبب هو تلقينا مخابرة تفيد أن شابين عربيين في مطار ميلانو قد تخلفا عن طائرتهما، وغيراها متجهين إلى ميونيخ»ص.23 . وكان ذلك هو المشهد الأول الذي صادف سارد الرواية في رحلته إلى ميونيخ. وهو الأمر الذي جعله يتندر بقوله حول ما حدث وأن بداية الغيث قطرة «هذا أول الغيث! يا لطيف!». فالعجيب هنا عند الكاتب ما حدث مع خليل في بداية وجوده في تلك البلاد، ولكن عند المتلقي أيضاً يجد عجباً وهو استخدام الكاتب للكلب، على اعتبار أنه تيمة سردية إرهابية عجائبية، «وأن جوهر «العجائبية» في الأدب العربي هو أنها تتميز بامتزاج الخيال بالواقع بشكل التباسي يضيع الحدود بينهما غالباً، ويضخم اللايقين والشك بين التفسير الطبيعي والتفسير فوق الطبيعي لدى القارئ»
 
*مدرس الأدب والنقد والبلاغة بالمعهد العالي للغات والترجمة الفورية بالقاهرة
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات