Saturday 18th of January 2020 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    10-Dec-2019

العلاقة الأميركية-الكردية في العراق بعد سورية

 الغد-سردار عزيز* – (معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى) 3/12/2019

 
في 23 تشرين الثاني (نوفمبر)، وصل نائب الرئيس الأميركي، مايك بنس، إلى العراق، في رحلة غير معلن عنها تخللتها زيارة للقاء رئيس “حكومة إقليم كردستان” نيجيرفان بارزاني. وأكد البيت الأبيض في تعليقات نشرها عن اللقاء على حسّ من الثقة بالعلاقة الكردية-الأميركية. وبعدما شكر الرئيس الكردي، شدد نائب الرئيس الأميركي مايك بنس على أهمية “الحفاظ على الروابط القائمة بين الشعب الكردي وشعب الولايات المتحدة الأميركية”.
لكن علينا الانتظار لمعرفة ما إذا كانت هذه التصريحات قادرة على ترميم الجانب النفسي للعلاقة بين أكراد العراق والحكومة الأميركية التي تضررت في الآونة الأخيرة بشكل كبير جراء الإعلان الأميركي -الذي تم تعديله- بالانسحاب من سورية. ويعتبر تأييد الأكراد الكبير لنموذج الديمقراطية الأميركي أحد جوانب القوة الناعمة الأميركية التي لا تحظى بالتقدير الكافي، ولكنها بالغة الأهمية في العلاقة الكردية-الأميركية. وفي الكثير من الأحيان، يقتصر تحليل العلاقة في اللغة الاصطلاحية العسكرية والأمنية على وصفها بـ”الوكالة” و”شريك محلي”. ولا يدرك أغلبية الأكراد هذه الاختلافات؛ فهم يعتبرون محاربة الإرهاب على سبيل المثال قيمة مشتركة.
وبالتالي، بالنسبة لأكراد العراق مثلما هو لبقية الشعب الكردي، فإن تصريح البيت الأبيض السابق الذي أعلن فيه الانسحاب من سورية مباشرة بعيد اتصال الرئيس دونالد ترامب بنظيره التركي رجب طيب أردوغان في السادس من تشرين الأول (أكتوبر) كان بمثابة خطوة صادمة -ولو أنها مألوفة أيضاً. وقد ترك قرار الانسحاب بشكل خاص أثرًا مؤلمًا على عامة الشعب الكردي، حيث أجج من جديد شعور الاستياء الذي ساد مؤخرًا تجاه الولايات المتحدة، في وقت ترك فيه العديد من الأسئلة من دون إجابة.
ومن جهة أخرى، يؤكد عدم استقرار الحكومة في بغداد، والذي توج باستقالة رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي، على أهمية الحفاظ على علاقات جيدة بين الولايات المتحدة وحكومة إقليم كردستان خلال هذه الفترة الانتقالية في العراق. ومع ذلك، قد يتعين على الولايات المتحدة أن تعمل بشكل أكبر على تعزيز النوايا الشعبية الحسنة والحرية التي كان يتمتع بها الأكراد العراقيون في وقت من الأوقات.
وفي استطلاع غير رسمي أجري عبر “فيسبوك”، حو كيفية تأثير الانسحاب الأميركي على الأكراد في العراق وسورية، أعربت الغالبية الساحقة من المستطلعين عن خيبة أمل وخوف. وكان رد الفعل هذا من عامة الشعب الكردي أحد التداعيات التي لم تحظَ باهتمام لمحاولات الانسحاب التي جرت الشهر الفائت. وعلاوةً على ذلك، لم يعر صناع السياسة أهمية أو يتناقشوا في العلاقة الجماعية والنفسية بين الأكراد والولايات المتحدة ودورها في أي سياسة مستقبلية. في العراق وسورية على حد سواء، يعتبر الأكراد أنفسهم حلفاء لأميركا. غير أن هذا الموقف لا يخلو من المخاطر والأثمان في منطقة الشرق الأوسط، حيث غالبًا ما ينتشر العداء تجاه الولايات المتحدة. وبالنسبة للعديد من المثقفين الأكراد بشكل خاص، تختلف الولايات المتحدة عن غيرها من القوى العالمية التقليدية بأنها تولي أهمية كبيرة لمفهوم الشعب في ثقافتها ومؤسساتها ودستورها. ويرى الأكراد أن تركيز الولايات المتحدة على الديمقراطية والحق في تقرير المصير يتواءم بشكل خاص مع مساعيهم طويلة الأمد من أجل إنشاء دولة مستقلة معترف بها. وقد أعجب القادة الأكراد على نحو خاص بنهج ويلسون في السياسة الخارجية الأميركية، معتبرين أن رؤية وودرو ويلسون هي تقليد أميركي رسم معالم السياسة الخارجية الأميركية لغاية يومنا هذا.
باختصار، يتشارك المثقفون الأكراد رؤية الشاعر ويتمان لأميركا، والمفصلة في مقدمة ديوانه أوراق العشب: “إن عبقرية الولايات المتحدة لا تتأتى في أفضل الأحوال من مسؤوليها التنفيذيين أو مشرعيها، ولا من سفرائها أو مؤلفيها أو من كلياتها أو كنائسها أو صالات عرضها ولا حتى من صحفها أو مخترعيها… إنما في أغلب الأحيان من عامة الشعب”. وهذا الجانب الديمقراطي هو ما يربط الكثيرين خارج الولايات المتحدة بها.
هذه هي العناصر الجوهرية التي ربطت الأكراد بالولايات المتحدة، غير أن أحداث الآونة الأخيرة التي ارتبطت بأميركا وواقع تعرض الأكراد للمذلة على يد الأميركيين، يضعهم في موقف ضعيف ومحرج في المنطقة. وقد أضر الانسحاب بنظرة الأكراد تجاه الولايات المتحدة. وبالإضافة إلى آثاره الجيوسياسية، من المهم إدراك الأثر الذي تتركه هذه اللحظة في الحاضر والمستقبل على تصوّرات الأكراد تجاه الولايات المتحدة وتفهمهم لها.
بالنسبة لأكراد العراق بشكل خاص، تعمق هذه الخطوة استياء إزاء سياسة الولايات المتحدة لوحظ للمرة الأولى في نهج الولايات المتحدة تجاه إقليم كردستان العراق في أعقاب الاستفتاء على الاستقلال في العام 2017، أي قبل عامين تقريبا قبل قرار الولايات المتحدة الانسحاب.
يُذكر أنه خلال الهجوم الذي نفذه الجيش العراقي والسيطرة في نهاية المطاف على كركوك -ما أخرج هذه المنطقة وغيرها من المناطق المتنازع عليها من سيطرة الكورد– اتخذت الولايات المتحدة موقفًا حياديًا فسّره العديد من العراقيين من الجهتين على أنه موافقة على تحرك بغداد عسكراً. واعتبر الكثيرون أن أحدث قرار اتخذته الولايات المتحدة هو شكل آخر من أشكال “إعطاء الموافقة”، وإنما لتركيا هذه المرة.
كما سلطت هذه الظروف الضوء على مشاكل ثقة وضعف في أوساط الأكراد. فكلما رأى الأكراد أن الولايات المتحدة تنتهج موقفًا حياديًا إزاء قضايا إقليمية رئيسية، كلما اعتبروا ذلك موافقة ضمنية ممنوحة للقوى الإقليمية -ولا سيما تركيا وإيران– الراغبة في ملء الفراغ في السلطة وتطبيق أجندة هيمنة في المنطقة. ومن خلال التقاعس والسماح لهذه القوى بتطبيق أجنداتها، تدفع الولايات المتحدة بشكل غير مباشر بالنخب المحلية إلى أحضان هذه القوى الإقليمية. وهذا هو واقع الحال حتى في أوساط الحلفاء على غرار الأكراد. وفضلًا عن ذلك، سيكون لهذه المواقف المتغيرة أثر على تعامل “حكومة إقليم كردستان” مع الولايات المتحدة بطرق عديدة. فهي تجعل حكومة الإقليم مترددة وأقل ثقة وحذرة من أي تغير مفاجئ محتمل قد يؤثر على ميزان القوى في المنطقة.
لكن رد الأميركيين على الانسحاب شكل بطرق عديدة بصيص أمل في هذا الوضع. فبعد الانسحاب في ذاته والفظائع التي تلته، أظهر الشعب الأميركي موقفًا مختلفًا تجاه الأكراد، والذي عبر عنه في الكونغرس وعبر منصات أخرى. وهو تطور مهم في العلاقة الكردية الأميركية. وفي حال أسفر الانسحاب عن كشف معاناة الأكراد للعالم، قد يتمكن أكراد العراق من الاستفادة من التقليد الأميركي المدني الذي تقوم عليه عقيدة ويلسون من أجل حشد الدعم الشعبي. وبذلك، قد يكون الانسحاب من سورية أضر بالعلاقة الكردية-الأميركية، لكنه لم يقطعها نهائياً. ومن المرجح أن تقرّب التغيرات والأزمات العالمية والإقليمية المستمرة بين الولايات المتحدة والأكراد بما أن مصالحهم ما تزال متناغمة. كما أن الصراعات التي يشهدها القرن الواحد والعشرون ستجعل الشركاء المحليين ضروريين في وقت يبدو فيه أن الشركاء والوكلاء المحليين سيرسمون معالم العقود المقبلة من الزمن.
أخيرا، من شأن التاريخ الطويل بين هذين الشركين أن يبقي على التعاون بينهما. لكن الثقة، التي تعتبر ميزة بعيدة المنال للعلاقات -لكنها أساسية للشراكات الناجحة- أصبحت على المحك، وعلى الولايات المتحدة العمل على ترميمها إذا كانت تأمل في الحفاظ على تحالف مثمر مع أكراد العراق على المدى الطويل.
 
*كبير المستشارين في البرلمان الكردي وباحث وكاتب. وتشمل مجالات اهتمامه العلاقات المدنية-العسكرية والسياسة الإقليمية في الشرق الأوسط ونظم الحكم. حاصل على شهادة الدكتوراه في الشؤون الحكومية من كلية جامعة كورك.
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات