Tuesday 2nd of June 2020 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    18-May-2020

الفن وبُعده الجمالي

 القدس العربي-عاطف محمد عبد المجيد

في الموضوعات الأساسية الواردة في كتابه «تأويل الفن والدين» الصادر عن الدار المصرية اللبنانية، التي يجمع بينها الفن والدين والتراث، يسعى سعيد توفيق، أستاذ الفلسفة المعاصرة وعلم الجمال، إلى الإسهام في تأسيس الوعي بها، من خلال تصحيح المفاهيم المغلوطة المرتبطة بها.
هنا يقول توفيق إن الحديث عن مفهومي الفن وعلم الجمال، قد يبدو أمرًا ميسورًا، لكنه في حقيقة الأمر بالغ الصعوبة والتعقيد، ومع ذلك لا بد من أن نتصدى للصعوبات والعقبات، التي تحول دون فهمنا لهذين المفهومين.
الكاتب يؤكد هنا أنه لا يرفض الاختلاف في الرأي، ويتطلع إلى موقف تتطابق فيه الآراء، لأنه يسعى إلى الوقوف على أرضية مشتركة، ليست نتاجًا لآرائه الذاتية المحضة، وإنما هي أشبه بالأساس الموضوعي الذي يكون نتاجًا لوصف الظواهر الفنية.
كما يطرح الكاتب سؤالًه: ما الفن؟ وهل يمكن تعريف الفن؟ ورغم بساطة السؤال يقول، لأننا نتعاطى الفن بشكل يومي من خلال أغنية أو فيلم، لكننا لا نستطيع أن نتحدث حديثًا مهمًّا عن الفن، ما لم نكن على بينة من معنى الفن أو ما نقصده بالفن. هذا السؤال: ما الفن؟ هو سؤال عن ماهية الفن، أي عما يجعل الفن فنًّا، متسائلًا أيضًا، ما الذي يجعلنا نسمي تلك اللوحة أو ذلك التمثال فنًّا، وهل هناك شيء مشترك بين التصوير والنحت والموسيقى وغيرها من الفنون؟
 
علاقة الفن بالحقيقة
 
توفيق يواصل طرح أسئلته قائلًا هل هناك حدود تفصل النشاط الفني عن غيره من وجوه النشاط الإنساني؟ طارحًا رؤيته أن الفن يتغير على الدوام، بل هو يتداخل مع المناحي والفاعليات الأخرى للحياة الإنسانية، إذا كان ممتزجًا بالطقوس الدينية والاجتماعية وبالأساطير. كما أن الفن الحديث والمعاصر تعددت مدارسه وتنوعت أساليبه، بحيث يستحيل استيعاب ذلك جميعًا في تعريف واحد. وحسب رؤية الكاتب فإن تغيّر أساليب الإبداع الفني، لا ينال من إمكانية تعريف الفن ذاته، باعتبار أن هناك شروطا جوهرية تتعلق بماهيته، مثلما يحدث في حالة اللغة، كما أن أكثر التصورات التي شاعت عن الفن أنه رسالة أخلاقية وتربوية، وهذا ما لاقى رواجًا لدى العوام. كذلك يقول توفيق إن التصورات التي ينبغي استبعادها تلك التصورات، التي تربط الفن بالأيديولوجيا، وكذلك ما يسمى بالنزعة الشكلانية الخاصة في تفسير الفن. وساعيًا إلى إيجاد تعريف للفن يقول، إنه التعبير عن معنى أو حقيقة شيء ما، من خلال التشكيل الجمالي في صورة متعينة. كما يذكر أن موقف جادامر يتميز بأنه يكشف عن علاقة الفن بالحقيقة، باعتبار أن الفن ينطوي على معرفة جمالية تقدم لنا شيئًا من حقيقة عالمنا الذي نحيا فيه، بأبعاده الدينية والاجتماعية والثقافية. ومتحدثًا عن علم الجمال والجميل في الفن، يقول المؤلف، إن مصطلح علم الجمال حديث نسبيًّا، إذ أطلقه ألكسندر باومجارتن حوالي عام 1750 لتمييز منطق الحساسية الجمالية إزاء الفن عن منطق التصورات المجردة، سواء في العلم أو الميتافيزيقا، فالفن يقدم لنا الجميل، من خلال الجزئي والعيني المشخَّص، وليس من خلال التصور العقلي المجرد، كمشاهد ومواقف الشر والألم والبؤس والمعاناة والموت ذاته، غير أن الفنان يُحيل هذا القبح الواقعي إلى موضوع جمالي يقبله المتلقي ويستمتع به.
هنا يؤكد الكاتب أن الفنان، أو الأديب، قد لا يصور الموضوعات الطبيعية أو الإنسانية، التي توصف بأنها جميلة، بل قد يصور أخرى تتصف بالقبح، ويدخل في عداد ذلك سائر المشاهد التي تأباها النفس السوية.
 
يكتب سعيد توفيق عن الجميل والمقدس في خبرتيْ الفن والدين، وعن أشكال الصراع بين الجميل والمقدس، وعن انفصال الفن عن الدين «علمنة الفن»، وعن عداء الدين للفن، وعن تديين الفن وعن الدعوة إلى أسلمة الفنون.
 
المقدس والمدنس
 
هنا يستنكر الكاتب من يرون أن الفن ليس له صلة بالدين، قائلًا إن هذه الرؤية ضحلة ومغلوطة، وهؤلاء لا يفطنون إلى وجود صلة حميمة بين الفن والدين، خاصة وهما مرتبطان ارتباطًا وثيقًا، وهما موضوعان ملتحمان في الوعي الإنساني منذ أن حاول الإنسان أن يعبر عن نفسه من خلال أنشطة قصدية، لا تتوجه بفعل الغريزة فقط، مؤكدًا أن البعد الأساسي للفن الذي من دونه يفقد الفن ماهيته، هو البعد الجمالي، الذي يتمثل في قدرة وبراعة التعبير عن أي موضوع، سواء كان هو المقدس أو المدنس.
في محاولته لتأويل الفن والدين، يكتب سعيد توفيق عن الجميل والمقدس في خبرتيْ الفن والدين، وعن أشكال الصراع بين الجميل والمقدس، وعن انفصال الفن عن الدين «علمنة الفن»، وعن عداء الدين للفن، وعن تديين الفن وعن الدعوة إلى أسلمة الفنون.
ويخْلُص في كلمته الأخيرة إلى أن يقول، إذا كان الفن في الأصل يحمل طابعًا مقدسًا، فإن هذا لا يعني أن ماهية الفن تكون مستغرقة في المقدس، أو في الدين باعتباره مجال المقدس، فلكل من الفن والدين مجاله الخاص: الفن له استقلاليته وقوانينه الذاتية، ومن ثَم فإنه لا يكون مكرسًا لخدمة الدين ولا مستوعبًا فيه، ومع ذلك فإن كل فن عظيم يكشف بصورة ما عن صلة ما بالمقدس، ويقدم لنا شكلًا ما من أشكال تجلياته. كما يؤكد أن دراسته هذه، يقصد كتابه، لا علاقة لها بالدعوة إلى تديين الفن، أو استخدامه كأداة في خدمة الدين، وإنما تتعلق، في المقام الأول، بتأكيد الصلة الحميمة بين الفن كمجال لتجلي الجميل والديني، ومن ثمَ كمجال لتجلي المقدس، ونسيان هذه الصلة الحميمة، وعدم فهمها أفقد الفن والدين معًا خير ما فيهما وأجمله.
ونهاية يقول الكاتب ما أشبه الليلة بالبارحة في تاريخ الحضارات، ولكننا لا نتعلم من التاريخ، ونكرر المسار الخاطئ نفسه، وبذلك فإننا نبقى في حالة من الغفلة عن التطور الذي يجري في الواقع المحيط بنا، لأننا نبقى في حالة نوم عميق، لا نفيق منه أبدًا.
 
٭ شاعر ومترجم مصري
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات