Monday 18th of January 2021 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    24-Nov-2020

قصص قصيرة جدًا

 الدستور-محمد عارف مشّه

 للبيع أو المبادلة
أجلس خلف ذاكرتي المثقوبة، أنتظر قدوم قصة أو إلهام كتابة قصيدة. أحيانا أتشاغل عنهما بالبحث عن صديقي مسعود البغل، فأجده كما البغل يحرن ولا يجيء، فألتزم الصمت، أشعل سجائري بغيظ، أنفث حلقات الدخان دوائر في غرفة ليس فيها سواي، أتأمل حلقات دخان تتصاعد باتجاه الحائط، وسريعا تتلاشى.
تلك الدوائر الحمقاء تشبهني، تصاعدتُ كثيرا وبحثتُ عن أشياء مهمة، بحثت عنه وعني، بحثت عن القصائد وبقايا الفرح فيما تبقى لي من عمر، ارتحلتُ له معتمرا، بين حقول البرتقال على شواطئ بحر يافا وبين بيارات موز أريحا كان رحيلنا الأول ، تجمّلتُ بألوان قوس قزح، حلمت، ركضتُ في شوارع القدس وقت اكتظاظ الحر.
الشارع الأسفلتي الوحيد يلسع قدميّ الحافيتين بسياط من لهب، يقذف بي في شوارع المخيم بلا صور. بلا ذكريات. بلا بيت يؤويني، سوى غرفة مبنية من طين، مثقّبة السطح، وبعض بقايا كسرة خبز وملح.
ااااه يا ملح الطفولة كم ظمأت روحي على عتبات المخيم، كان برد الشتاء وصقيع الحياة. كانت دكاكين وكالة الغوث. وكان سروال الرياضة من قماش كتب عليه: هدية من شعب الولايات المتحدة الأمريكية ويدان متصافحتان. بالضبط هناك وفي منتصف خلف سروال الرياضة: عبارة ( ليس للبيع أو المبادلة ). فكتبناها على سراويلنا من الخلف. في مثل هذا اليوم، بعنا السراويل.
 قالت علّمني
تماما كهذا الوقت، انتظرك الفتى، عزف الموسيقار على أوتار العود ألحانه. وعلى تمام هذه الساعة غنّى المغنى أغنيتك التي تحبينها، في تلك المسافة ما بين الغيم والمدى، جلست حزينة كامرأة عجوز كانت تجلس في الجانب القصي من المقهى، بلا ضوء إلا من عينيك، فهمس لك الفتى مبتسما:
سأعلمك كيف تحبيني أكثر.
ازداد تقطيب وجهك وقلت بلا مقدمات:ــ
بل علّمني كيف أكرهك.
دهش الفتى وصمت بحزن، فأكملت قائلة:
تعلمت حروف حبك، واستطعت تهجئة كل مفردات حبك بكل لغات العالم، لكني أبدا لم أعثر فيها على حرف يعلمني كما أحبك بجنون أكرهك بجنون.
ساد صمت ثقيل، تفوح منه عفونة المقهى، ثم أشارت بإصبعها نحو امرأة الحزن في طرف اللوحة الجدارية على حائط المقهى وأكملت:
لا أريد أن أكون هذه المرأة التي نسيها الرسام في لوحته بعد أن ثبتها على الحائط بمسمار، فأيقن أنها لن تسقط عن الجدار وبأنها في مأمن من غدر الزمان، فسقطت امرأة اللوحة الجدارية، وغدر بها رجال المقهى بنظراتهم المشتهاة حينا واللامبالية حينا آخر، فكانوا لها حلقات دخان وهمية ترتسم على أطراف اللوحة لتزيدها قتامة. حب زائف مذاقه كمن يتجرع زجاجة دواء دفعة واحدة، ولا يشفى من سقمه.
- لكن...
في مثل هذا اليوم. رفعت يدها البنت كي يصمت الفتى، وأكملت بوحها لوهم فتى غير موجود، ولبنت رسمت على لوحة الجدار...
 صاحب القميص المخطط
الرجل النحيل الذي يقف عادة على زاوية الشارع، أمام بسطة السجائر، لم أره اليوم. شعرتُ بشيء من الامتعاض، حين اقتربتُ من البسطة لشراء علبة سجائري، سألتُ رجلا يقف بجانبي في طابور الاصطفاف أمام فرن الخبز عني، فقال لا يعرفني. سألتُ رجلا آخر يشبهني فأنكر معرفته بي. اتجهتُ لصاحب البقالة الذي يرتدي قميصا أزرق مخططا مثلي كي اسأله، فنظر لي متوجسا، وقبل أن أصله، أغلق باب دكانه، ثم هرب.
واصلتُ سيري إلى مكان عملي. وصلتُ وطيفي لا يفارقني، ملامح وجهي، قسوة الجبين بخطوط متعرجة، ابتسامتي، فمي الذي لا يحتوي على أكثر من ثلاثة أسنان، شعر لحيتي الأبيض، قميصي الأزرق المخطط و.........
حاولتُ طرد ملامح طيفي، حين جاء لي ساعي المكتب بفنجان قهوتي وصحيفة اليوم. ارتشفت من فنجان القهوة رشفتي الأولى بتلذذ، ورحت أقلّب صفحات الجريدة على مهل، إلى أن وصلت صفحة أصابني بها ذعر. فركتُ عينيّ وقرأتُ: رجل تجاوز المائة من عمره، وجد مقتولا يرتدي قميصا أزرق مخططا، والبحث جار للتعرف على هويتي.