Thursday 9th of July 2020 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    13-Jun-2020

إدوارد سعيـــد فــــي «خــارج المكـــان»

 الدستور-إبراهيم خليل

  لا شك في أن إدوارد سعيد (1935- 2003) حين اختار أن يُعَنْونَ كتابه الذي نحن بصدده الآن بعبارة خارج المكان (دار الآداب، بيروت، 2000) كان يريد أن يقول إن الأماكن الكثيرة التي شهدت طفولته وصباه وشبابه كالقدس والقاهرة وضهور الشوير في لبنان، قد أصبحت بالنسبة له ذكريات، أو كالذكريات، نظرا لما وقع فيها، وطرأ عليها، من تغيير. فمثلما ذكر في المقدمة كانت القاهرة ملكية كولونيالية في طفولته، وأصبحت جمهورية راديكالية حينا، ومعتدلة غير راديكالية حينا آخر. ولبنان تغير كثيرا بعد الحروب الأهلية الطاحنة التي مني بها من العام 1958 وحتى تاريخ كتابته لهذه السيرة- المذكرات. والقدس بشطريها الغربي والشرقي غدت مدينة محتلة، وهي على وفق الإدعاءات الإسرائيلية عاصمة للكيان الصهيوني لا لفلسطين. على أننا نعتقد بالمقابل أنه، وهو يحرص على هذه الإِشارات في عنوان كتابه خارج المكان Out of Place ما فتئ يؤرخ بدقه غير معهودة لدى المؤرخين، ولا لدى كتاب السير، والمذكرات، تأريخا لا يخفى على القارئ، لفترة أو مدة من الزمن. فلو أن العنوان خارج المكان، أو فترة من الزمن، لما كان ثمة فرق بين العنوانين، بل لما كان فيه ما يدعو للمجازفة بالعنوان الأصلي، ولا للمجدازفة بتضليل القارئ.
فإدوارد سعيد يذكر لنا في البداية شيئا عن ميلاده في حي الطالبية 1935 وهو من أحياء القدس الجديدة. ويذكر لنا – فيما يذكره- أن أمه تنتسب لآل بدر من لبنان، وهو في هذا الجزء من السيرة يلقي الضوء على الحياة الغابرة في القدس، وعلى العادات، والتقاليد السائدة، وعلى التآخي الحميم الذي شاع بين العائلات المسيحية، والإسلامية، وحتى اليهودية، في المدينة المقدسة في تلك الأثناء، وقبيل مجيء (الإسرائيليين) وقبيل أن تشتعل المدينة بالخلافات، والإحن، والأعمال المسلحة، التي كان سببها في المقام الأول الاستيطان الإسرائيلي، مع السعي الدائب لإقامة ما عرف لاحقا بدولة (الكيان) الإسرائيلي.
لم تكن الحدود الجغرافية بين كل من فلسطين ولبنان ومصر بالقسوة، أو الوضوح، الذي يمنع الحركة والتنقل بين أي من هذه البلدان، والبلدين الآخرين. ولذلك ترتسم على هذه الحقبة من الزمن ملامح أبرز ما فيها حرية التنقل، والتواصل، والإقامة، والاتجار، والتعلم، والتعليم، والمصاهرة بين هذه البقاع دون أي عائق من حكومات، أو من متطلبات تختص بالهوية القطرية. ولذلك نجد عائلة وديع سعيد – والد إدوارد- تقيم في القاهرة وتتمتع بالجنسية الأمريكية، فضلا عن أنها من فلسطين، ولها في لبنان ما لها في القطرين ألآخيريْن. ولوديع هذا - المقيم في حي الزمالك بالقاهرة - الكثير من الوكالات، والمتاجر، التي تهتم بالقرطاسية، والأحبار، والأقلام، والآلات الكاتبة، والورق، فضلا عن تجارات أخرى تعنى بالأجهزة الدقيقة من كاميرات، ومحافظ. ولهذه التجارة امتداداتٌ، وفروعٌ تنتشر في القدس وغير القدس من مدن فلسطين ولبنان.
وهو إلى جانب إقامته في القاهرة لا يجد ما يحول دون إرسال ابنه إدوارد للدراسة في إعدادية الجزيرة، أو في مدرسة القاهرة لأبناء الأمريكيّين، أو في كلية فيكتوريا التي يغلب عليها الطابع الإنجليزي، وهي كلية مشهورة عرفت بأن لها فرعين الأشهر منهما في الإسكندرية، والثاني في المعادي بمصر. وفي الوقت نفسه لم تحلْ هذه الإقامة، في هذه الحقبة بالذات، من تجذر الأسرة في ضهور الشوير. فكانت مثلما يذكر كثيرة التردد لهذه الضهور تردُّدَها لبيروت، وغير بيروت، تربُطها في هذه الأماكن صلات عائلية متينة، مثل عائلة نصار، وعائلة شارل مالك (1906- 1987) وعائلة وديع حداد (1)، وغيرها من العائلات ذات النفوذ العشائري. وفي هذه السيرة لا يخطئ القارئ ملاحظة المؤلف، ودأبه على تسليط الضوء بحرص لافت على المتغيرات التي تعصف بالمنطقة. فالأسرة بلا شك تنخرط، خارج أوقات العمل أو الدراسة، في هذه المتغيرات مع الاختلاف، والتردد، إلى دور المسرح والأوبرا والموسيقى والسينما. واستقبال وفود إنجليزية وإيطالية وإسبانية تحيي نشاطات وبرامج مسرحية أو موسيقية فيسلط المؤلف الضوء على ذلك التغيير الذي مس بأصابعه الثورية المجتمع القاهرى، ولا سيما النخبة المثقفة من فنانين، وموسيقيين، وإعلاميين.
ففي إحدى ذكرياته يعقب على حفل شهده للراحلة أم كلثوم، مقارنا بينه وبين عرض لأوبرا أندريه شينيه، ذات الحبكة المسرحية التي استحوذت على مشاعره، مقابل الإحساس بالملل وهو يصغي لوصلة كوكب الشرق، وفي أخرى يحدثنا عن مصير الطبيب فريد حداد الذي يمثل في رأيه تيارًا ماركسيا، وفي ثالثة يروي لنا كيف شاهد للمرة الأولى ممثلا مصريا- ميشل شلهوب - ليذكر لنا بعد ذلك أن هذا الممثل عرف لاحقا باسم عمر الشريف (1932- 2015) وكان تلميذا معه في كلية فكتوريا Victoria بالمعادي. وهذا كله قبل أن يصبح ممثلا عالميًا بعد أن اشترك بفيلم لورنس العرب الذي أخرجه ديفيد لين عام 1962 . تمت تلك المشاهدة في عرض مسرحي تجريبي في الكلية متزامنا مع زياراته المتكررة لمسرح بديعة مصابني، وإعجابه المفعم بالإشارات الإيروتيكية من الراقصة تحية كاريوكا (1915- 1999) التي تمثل في تلك الحقبة نموذجا لتنامي المسرح الاستعراضي والغنائي والسينمائي في مصر، فهي في رأيه « أعظم راقصاتِ الشرق في ذلك الزمن «.
والواقع أن هذه السيرة من الكُتُب التي تبرهن على أن المكان والزمان وجهان مختلفان لشيء واحد، فلا يستطيع القارئ، ولا الدارس، الفصل بينهما إلا بشيءٍ غير قليل من التعسف. فها هو يتحدث عن القاهرة، ويذكر لنا شيئا عن الإطاحة بالملك البدين (النسونجي) ويحدثنا عن ثورة الضباط الأحرار، فلا يفوته أن يشير لفضيحة لافون (1954) ويحدثنا عن كلية فكتوريا، وعن عمر الشريف زميله في الصَفّ، ولا تفوته الإشارة لمآلات تلك الكلية التي زارها عام 1989 ليجدها وقد أصبحت كلية النصر Victory College في تسمية جديدة لا تعدو أن تكون ضربا من التصحيف المتعمد في تهجئة الكلمة. لكن هذا التصحيف ينمّ على الاتجاه الراديكالي الذي طبعت به ثورة 1952. ومن الحديث عن الثورة إلى آخر يروي لنا شيئا عن زيارة قامت بها الأسرة لصعيد مصر، ورؤية الآثار القديمة في الكرنك، ووادي الملوك. وهذا التتبُّع لمجريات الزمن المتحدة بوصفه الدقيق للعلاقة بالمكان لا تخلو من تتبع آخر للنمو البيولوجي للسارد الذي هو المؤلف. فقد بدأ مع القارئ طفلا 1935 ثم بعد أن كبر قليلا تردد إلى إعداية الجزيرة في الزمالك، ثم يطوف بنا في مراحل العمر واحدة تلو الأخرى، فإذا به طالبا في مدرسة القاهرة لأبناء الأمريكيين، على أساس أنّ والده وديع كان قد تمتع بالجنسية الأمريكية. وبعد أن كبر متجاوزًا التاسعة قبل في كلية فكتوريا التي طرد منها لاحقا شرَّ طردة. وهذه التنقلات تداخلت فيها أبعاد أخرى كاللغة، والحيرة بين العربية والإنجليزية والفرنسية. والبعد الإنساني بين هويات متعددة: فهل هو أمريكي، أم فلسطيني، أم كأخواله لبناني. وعندما غادر القاهرة إلى لبنان في زيارة قصيرة عام 1951 ثم إلى لندن، وباريس، وأمستردام، لم يكن ليكفَّ عن تتبع الماجريات المتغيرة، والمتواليات التاريخية، ليأتي الارتحال إلى ماديسون بولاية وسكنسون.. والالتحاق بمدرسة ماوت هيرمون.. والإقامة فيها مع صبيّ أشقر بعينين زرقاوين اسمه بوب سالزبوري. والغريب اللافت أن المؤلف طوال هذه المدة، وعلى الرغم من تلك الأسفار، لم يفارقه الحنين للقدس، ولا للقاهرة، وتفسيرة لهذا الحنين أنه خلافا للقدس والقاهرة المكتنزتين بالآثار التاريخية الفواحة بجل ما يعبق به الماضي، وجد نفسه في بقعة لا تعدو أن تكون ضربًا من الوحشة القسرية، والوحدة القاحلة. والمتوقع أن تختلف المرحلة الجامعية عن تلك التي سبقت، فما إنْ حلَّ بجامعة برنستون ثم هارفارد بعدها حتى كان الشاب قد انخرط في النشاط السياسي على الرغم من أن اباه حذره من السياسة، ونهاه مرارا عن السير في هذا الطريق. فالرجل – وديع- بصفته رجل أعمال محنكا ليس عديم الاهتمام بالسياسة فحسب، بل أيضا ينهى ابناءه عن الخوض في ذلك، خلافا لشقيقته نبيهة – عمة إدوارد- التي جعلت من منزلها في القاهرة عام 1948 مركزا يشبه مراكز الإيواء للمشردين من فلسطين. ووصلت الليل بالنهار من أجل الحصول على مساعدات نقدية، وعينية، للمحتاجين منهم. وهذا الموقف لطااما أعجب به إدوارد خلافا لأبيه. وفي الفصلين الأخيرين من كتابه خارج المكان يشير لكتاباته السياسية في الصحف. وردود الفعل المؤيدة له أو المفندة. وهو مع ذلك يصغي للفريقين بعقل وقلب مفتوحين. ولا يفتأ يتلقى الرسائل المفعمة بالحنين من أمه المقيمة في واشنطن. وبعد أربع سنوات من المعاناة، وتفشي داء السرطان، لقيت حتفها، لتضع بالموت مقطعا جديدا في لحن الوداع الأخير. كانت لعلاقة إدوار سعيد بأمه طبيعة خاصة تتجلى في هذه السيرة، تختلف تماما عن علاقته بأبيه شبه المتسلط، على الرغم من حنوِّه المبالغ به أحيانا، إلا أن الأم تمثل بالنسبة له نموذجا آخر مباينا لنموذج الأب. فقد كاد أن يصرِّح، تصريحًا لا مواربة فيه، بأن علاقته بها تشبه علاقة جبران خليل جبران بأمه. وأن ذلك التعلق هو الذي أثر عليه، فجعله خجولا، حييا، فاشلا في علاقاته النسائية.
إدوارد في هذا الكتاب، على الرغم من احتفائها بالأمكنة، تحتفي أيضًا بالزمان، وبدرجة لا تقل عن حفاوته بالمكان. يحتفي بالماضي المسترجع، أي بالبحث عن ذلك الزمن الضائع، المفقود، الذي أطنب مارسيل بروست Proust في البحث عنه، فكتب رواية فيه من سبعة مجلدات نشرت بين عامي (1913- 1927). عدا عن حفاوته بالشخوص التي كان لها، أو لم يكن، أثرٌ في بناء شخصيته، فهو لا يفتأ يروي الكثير من المواقف التي مكنته من التغلب على الكثير من العقبات، أو الصعوبات، التي يخشى أن تؤدي لتعديلات جذرية في مساره، من حيث هو أكاديمي، ومثقف فلسطيني، وعالمي، يحتل مركزًا معروفًا بين أعلام هذا العصر، بل يعد واحدا من أكبر عشرة مفكرين تأثيرًا في القرن العشرين، وهي مكانة بوأته إياها مؤلفاته الجمَّة، من مثل: الاستشراق، والثقافة والإمبريالية، وصُوَرُ المثقَّف، والعالم، النص، الناقد.
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات