Sunday 18th of April 2021 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    20-Mar-2021

في وداع الأكاديمي اللبناني ماجد فخري: صاحب تاريخ الفلسفة الإسلامية ومُترجم القرآن

 القدس العربي-أديب صعب

عن 98 عاماً رحل قبل أيام، ماجد فخري (6 كانون الثاني/يناير 1923 ـ 4 آذار/مارس 2021)، مؤرخ الفلسفة الإسلامية والمؤلف الغزير في عدة حقول فلسفية، والمفكر النهضوي والأُستاذ الجامعي اللامع.
 
سيرة
 
بعد دراسته في جامعة أدنبره الأسكتلندية على يد الباحث الكبير مونتغومري واط وحصوله على الدكتوراه في الفلسفة الإسلامية، علّمَ فترة وجيزة في جامعة لندن قبل انتقاله إلى الجامعة الأمريكية في بيروت، حيث ترأس دائرة الفلسفة مراراً ودرّس مواضيع كثيرة، أبرزها فلسفة أرسطو وفلسفة ابن رشد وتاريخ الفلسفة الإسلامية.
خلال حياة غنية بالإنتاج الفكري، ألّف فخري كتباً ودراسات كثيرة. وإلى تأليفه باللغة الإنكليزية، حرص على التأليف بالعربية، مع دقة وعمق وبلاغة ووضوح في اللغتين.
بين أعماله كتب عن علم الكلام وابن رشد والفكر الأخلاقي في الإسلام. ويبقى عمله الأكثر انتشاراً حول العالم «تاريخ الفلسفة الإسلامية» الذي أَوكلَت إليه جامعة كولومبيا في نيويورك تأليفه، وصدر في طبعته الأُولى عام 1970، تلتها طبعات كثيرة، وترجمات إلى ثماني لغات. كما أَنجز ترجمةً للقرآن بلغة إنكليزية عصرية، صدرت عن دار بنغوين البريطانية. من كتبه بالعربية: «دراسات في الفكر العربي» «ابن رشد فيلسوف قرطبة» «أرسطوطاليس المعلّم الأول» «أبعاد التجربة الفلسفية» «الحركات الفكرية وروّادها اللبنانيون في عصر النهضة» «تاريخ الفلسفة اليونانية» مع عدد كبير من الدراسات الإسلامية في مجلات مختصة حول العالم.
كما درّس ماجد فخري في عدد من الجامعات الغربية، منها جامعة كاليفورنيا (لوس أنجِلِس) وجامعة برنستون وجامعة جورجتاون في واشنطن، حيث أقام سنوات بعد مغادرته بيروت أواسط التسعينيات لينضم إلى عائلته. ومن واشنطن انتقل إلى ولاية فرجينيا، حيث توفّي في الرابع من الشهر الحالي.
عرفتُ ماجد فخري عن كثب، إذ كنت طالباً لديه في الجامعة الأمريكية، ثم زميلاً لفترة قصيرة قبل ذهابي إلى لندن. وبقينا على اتصال بعد عودتي وتدريسي الفلسفة في معهد القديس يوحنا الدمشقي اللاهوتي الجامعي، الذي كان نواة جامعة البلمند. ودعوتُه لإلقاء محاضرة هناك قبل أواسط التسعينيات يوم غادر إلى الولايات المتحدة ليمكث بقية حياته مدرّساً ومحاضراً ومؤلفاً. وجَمَعَنا لقاء وداعي في مكتبه في الجامعة، وهو على وشك إخلائه، فأهدى إليّ عدداً من مؤلفاته.
 
مساهمته في مجلة «الأزمنة»
 
قبل ذلك كنتُ على صلة بفخري إذ دعوتُه للكتابة في مجلة «الأزمنة» الثقافية المخصصة للإنسانيات والفكر والإبداع الأدبي. وقد رسمتُ خطة المجلة ورأستُ تحريرها طوال صدورها من باريس في النصف الثاني من الثمانينيات. وتحمس لقضية المجلة، وهي «النهضة العربية المنشودة» وساهم فيها منذ العدد الأول، فنشر فصلاً عن دور اللبنانيين في صنع النهضة العربية، أتبعه بفصلٍ ثانٍ، من بحث كان يعمل عليه قبل أن ينشره كتاباً. ومما كتبه للمجلة شهادة عن شارل مالك الفيلسوف. وكشفَت «الأزمنة» عن وجه غير مألوف لفخري، هو وجه أدبي إبداعي، بعد الوجه النقدي، الذي تجلّى تنظيراً أدبياً فلسفياً في مجلة «شعر» وسواها.
 
الرائي
 
أما الوجه الإبداعي فتجلّى يوم أَرسل إليّ قطعة وجدانية تأملية بعنوان «المرآة والأشباح» نُشِرَت في العدد الخامس من «الأزمنة» بتاريخ تموز/ يوليو ـ آب/ أُغسطس 1987، تدور على «راءٍ» أو «نبيّ» وقف «ينادي القرون الخوالي، مخاطباً الحاضر والمستقبل» بهدف إحداث لقاء أو مصالحة بين حضارتَي أُوروبا وآسيا:
«فلمّا رست سفينته عند شواطئ البحر الذي يفصل بين قارة الغروب وقارة الشروق، أخذ يتأمل في الجبال المرتفعة على جانبَي البحر، وكأنها تودّ أن تتصافح، على الرغم مما يفصل بينها من لجج عميقة وأبعاد سحيقة… على هذه الشواطئ تفتقَت براعم الفكر والإدراك، وتحررَت الأذهان من عبودية الأساطير. هنا اكتشف الإنسان حقيقة الكون ورابطة الأُخوة التي تشده إلى كل ما هو موجود. وسَواء وَسَمَ تلك الحقيقة بالماء أو الهواء أو النار، فقد أراد من وراء ذلك النفاذ إلى ما تخفيه ظواهر الأشياء واستجلاء حقيقتها الباطنة. وما لبث أن تبين ما هو أعظم من الماء والهواء والنار، فاكتشف حقيقة ذاته وأَدرك أن الكون، بأبعاده اللامتناهية ومجرّاته التي لا حصر لها، إنما هو انعكاس لتلك الذات». ويتابع: «أعظم من الرسوم والأشباح المنعكسة في المرآة هي المرآة التي تعكس تلك الرسوم والأشباح. وأعظم من البحار والجبال والفِجاج هي الباصرة التي تطيف بكل بعيد وقريب، وكل كبير وصغير، بل أعظم من الباصرة هي البصيرة، التي تدرك أبعاد الزمان السحيقة وخفايا الكون النائية، وتَنفذ إلى قرارة السرائر والضمائر والأذهان». ويختتم قطعته الوجدانية بهذا الكلام: «على مَن أراد أن يلمّ بأحكام الخير والشر والجمال والقبح، ويفصل بينها فصلاً باتّاً، أن ينفصل أولاً عن هذا العالم الحاصل، ويلحق بعالم الممكنات الخارج عنه والزاخر بكل ما تشتهيه الأنفس وتصبو إليه الجوارح. فذلك العالم هو مستودع الأماني وكنز الوعود والأسرار، ومحوَر تَوَقان النفس الدائم إلى ما لا نهاية له».
واضحٌ من هذه الكتابة أنها تنتمي إلى الوجدانيات التأملية، على غرار «النبي» لجبران خليل جبران، و»مرداد» لميخائيل نعيمة و»كتاب عبد الله» لأنطون غطاس كرم و»لو حكيتُ مسرى الطفولة» للمطران جورج خضر. وقصدي من التركيز على هذا المقطع إبراز جانب غير معروف من اهتمامات فقيدنا الفكرية. وإذ أشك في أن يكون فخري نشر جزءاً آخر من هذا العمل، كما لا أدري ما إذا أكمله كمخطوط غير منشور، غير أني أتمنى أن تتولى ابنته ريما، نشر ما هو ناجز منه، إضافةً إلى ما تقع يدها عليه من أعماله المخطوطة أو غير المنشورة في كتاب.
برحيل ماجد يبقى للفكر العربي إرث أكاديمي ضخم، نأمل أن يكون نموذجاً يُحتَذى وقدوةً للأجيال.
 
كاتب لبناني