Friday 5th of March 2021 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    15-Jan-2021

وللفرح نصيب في مجموعة «إيفا» لوداد أبو شنب

 الدستور-موسى إبراهيم أبو رياش

 
تميل معظم السرديات العربية، وخاصة القصة القصيرة، إلى تناول موضوعات مؤرقة وشائكة ومؤلمة؛ كالحروب والصراعات والفقر والحرمان والبطالة والظلم والفساد والاضطهاد وغيرها مما يحزن ويجرح، ونادرًا ما نقرأ قصصًا ذات بهجة، أو فيها مسحة من فرح، أو نتفٌ من سعادة، وهذا يتفق والحياة التي نعيش؛ كثير بؤسها، نادر سرورها، ولحظات الفرح قليلة مسروقة، تأتي خجلة، وتذهب عجلة. ولكن مجموعة «إيفا» لوداد أبو شنب، كسرت هذا الإيقاع؛ إذ تسرب الفرح ومقدماته من الابتسامة والضحكة والسرور والمرح إلى نصف عدد قصص المجموعة التي تعد واحدا وستين نصًا بالإضافة إلى الغلاف المُبهج، ولكن الفرح بمفهومه الجميل المشرق تغلغل في إحدى عشرة قصة، سواء أكان الفرح حقيقيًا معاشًا، أو متخيلًا أو ذكرى جميلة، وهذا ما تتناوله هذه المقالة.
 
في قصة «الحلم الأخير»، تعاني زوجة من جفاف عواطف زوجها وبرودة مشاعره، تتقرب منه دون جدوى، ولذا «قررت النوم واللجوء إلى أحلامها حيث تلتقي زوجها الحنون، بكلماته غير الاعتيادية. نامت وعاشت الموعد الأخير لها في أحضانه مع طيب الكلام الذي لم يصمت عنه، في جنة لم تر مثلها في حياتها، عاشت كما لم تعش في صحوها، حققت كل ما أرادته ورحلت في هدوء، دون جلبة، ودون اعتراض.. لم تسجل الحالة موتًا ذا جلطة أو مرض. هل ماتت فرحًا من روعة ما رأته في حلمها؟» فعندما تبخل علينا الحياة بالفرح، فلا نعجز أن نحققه في أحلامنا وخيالنا وتصوراتنا، وإن أدى ذلك إلى موتنا، فحياة دون فرح موت في كل لحظة.
 
مؤلم جدًا أن يكون الطلاق مدعاة للفرح والابتهاج والاحتفال، ولكن عندما تستحيل الحياة المترعة بالبؤس والتعاسة والشك، يكون الاحتفال مبررًا، والفرح مشروعًا، ولذا تحتفل المطلقة في قصة «كعكة الطلاق»بالخلاص وتدعو صديقاتها لتناول كعكة الحرية، فللطلاق كعكته أحيانًا، كما للزفاف. وعندما حضر طليقها ليأخذ بقية متعلقاته«صدمه هول المنظر، لم يتوقع أن تكون بهذا التألق، وبتلك الراحة النفسية التي لم يرها عليها مذ تزوجها».
 
يتعاون الكهلان في قصة «ليلة عيد»في ترتيب البيت وخبز الكعك، وهما يتذكران أولادهما الذين تفرقوا في دروب الحياة البعيدة، ولم يبق في البيت إلاهما. تكلم معهما كل أولادهما ليلة العيد مهنئين إلا ابنهما الأصغر، فناما «يكلمان خيالات أبنائهما سرًا، ويحجبان الدمع الفار من الأحداق». وفي فجر العيد تفجر فرحمها بقدوم ابنهما الأصغر في مفاجأة أسعدتهما، وطردت الوحشة من قلبيهما، وزادهما فرحًا وسعادة بأن أجرى اتصالًا مرئيًا مع جميع الأبناء والبنات والأحفاد من خلال شاشة كبيرة، صحيح أنها فرحة منقوصة، فالرؤية عن بعد لا تقارن بالأحضان والقبلات، ولكن «يبقى الحضور المعلق خيرًا من الغياب التام».
 
يتخيل الزوج يوميًافي قصة «كابوس»لحظات السعادة والفرح مع زوجته وابنه عند عودته من العمل، وكيف كانت تستقبله زوجته بالابتسامة، وتحضر له ملابسه بمرح ليستحم قبل تناول الغداء، فيتحرك مبتسمًا سعيدًا، يجلس إلى مائدة الطعام فيتناول ما تشتهيه نفسه مما تعده زوجته، وسط ابتسامة طفله وفرحته... ولكن سرعان ما  تعتم الشاشة الجميلة، ويعود إلى واقعه جالسًا على كرسي متحرك، يقتات على صبر جميل على فقد زوجته وابنه في حادث سيارة قبل خمس سنوات.
 
الذكرى أليمة، والواقع بائس، ولكن تبقى ذكريات السعادة أنسًا وتعويضًا وإن للحظات، بالإضافة إلى أنها تساعد على الصبر والتحمل، فذكريات الفرح بلسم للمكلوم، وطاقة نور في ليله المظلم.
 
في قصة «صباح منفرد»، تقف على شرفتها كل صباح مستمتعة باستقبال حياة جديدة مع فنجان قهوة «أستمتع فعلًا باستقبال صباح جديد على أنغام تغريد عصافير احتلت مسامعي، تهديني الاسترخاء عنوة. حاولت ملء رئتي بهواء اليوم الجديد، أسرفت في التفكير في أمور لم أكن قد وجدت لها قرارًا، وفجأة بدأت صور الحلول تتهاطل على صفحة الصباح الندي». وهل الفرح إلا بداية سعيدة وصباح جميل وأصوات عذبة وعقد تتفكك وحلول تتهاطل؟ إن لحظات الصباح البكر متاحة لكل إنسان، ولكن معظمنا يحرم نفسه منها طلبًا لمزيد من النوم.
 
يعيش الرجل في قصة «امرأة من السماء»حياة بؤس وشقاء وصمت مطبق وأنين لا يتوقف، يشعر بالتيه والضياع وانسداد الأفق، وفجأة يخرج إثر صوت مرتفع يخترق الصمت، فيجد امرأة سقطت من أعلى، فيطلب النجدة ويرافقها طيلة فترة علاجها، وعلى الرغم مما حلّ بها من كسور وتهتك أعضاء إلا أنه كان «يتعلم من مناجاتها الليلية مع ربها سر الأمل، ويرى في عينيها وقت الكلام سر الحياة»، ولم يسمع منها إلا شكرًا وحمدًا، فهي تعيش حالة من الرضا التام والفرح القلبي والسعادة الطافحة على محياها، فيتأثر  «ويفتح قلبه لبعض الضوء، يردد: لا مانع من الابتسام قليلًا، لا مانع من الضحك، لا مانع من الحياة.. إلى أن وجد أنه لا مانع من أن يستعيد حياته من جديد». فدفن آلامه وخيبته، وغادر بروح متجددة إلى مدينة أخرى. وهكذا الحياة، تمنح دروسًا وتعطي فرصًا، والسعيد الموعود بمواسم الفرح من التقط الإشارة، وفهم الرسالة، ونال البشارة.
 
سعادة البعض، تكون أحيانًا منغصة للغير، يحاولون تأويلها بما يتلاءم ونفسياتهم المريضة بما فيها من غيرة وحسد، فجارات الست علياء في قصة «زوج الست»، يصفن زوجها بأنه «زوج الست» لأنه متوافق ومنسجم معها ويتعاون وإياها في تربية الأولاد، وشؤون البيت وإدارة ميزانيته، وتوزيع الأدوار، ويعيشون بتفاهم وسعادة «كانا زوجين في المركب نفسه، يغرق الآخر إذا غرق الأول بعد فشله في إنقاذ رفيق العمر». ولذا لحق الزوج بزوجته قبل تمام الأربعين؛ فقد نفد رصيده من الفرح والحياة بعد رحيل زوجته وشريكة سعادته.
 
في قصة «البجعة السوداء»، كانت في صغرها أبشع أخواتها في نظر من يراها، ولكن ذلك لم يفقدها ثقتها بنفسها، فكانت تبتسم عندما تسمع وصفها بالبشعة أو تذكيرها به، تعيش حياتها سعيدة مرحة، مؤمنة بجمالها المختلف، وتميزها، تقول: «أنا لم أكن بشعة لكنني لم أحمل مقاييس جمال العائلة، فاستنكر الجميع شكلي، وها أنا كبرت لأجسد أسطورة البجعة السوداء بطلة كل المعزوفات العالمية». 
 
تنجب البنت الخامسة في قصة «اكتفاء» وسط خيبة أمل بإنجاب ذكر، يسعد الجميع، ويزداد حزنها عندما يخبرها الطبيب باستحالة الحمل مجددًا. وذات تحميم لطفلتها، تتلمس خللًا في جهازها التناسلي، فتذهب وزوجها إلى الطبيب الذي يبشرهم بعد فحص وتشخيص أن الطفلة ذكر، فتكون فرحة للأسرة، تدخل السعادة إليها، وتعيد لها رونق الحياة. صحيح أن البنات خير وبركة ونعمة من رب العالمين، ولكن من حق كل زوج وزوجة أن يكون لهما ابن كما لهما بنت، ومن حق كل بنت أن يكون لها أخ.
 
في قصة «العروس والحماة»، تواطأت العروس وحماتها على العيش المشترك بسعادة، فالحماة تشعر أنها سيدة المكان، ورأس كل شيء، تشعر بأهميتها، وأنها المسيطرة، والعروس تقدم حماتها وتكرمها، فهي ضيفة، وستتوج هي ملكة على البيت لا محالة، والابن يتقن فن المجاملة، والإمساك بالعصا من الوسط. كان الثلاثة أذكياء، فقد نجحوا في تجنب الصراع المعتاد، وعاشوا حياتهم بما يليق بها من سعادة وفرح واستمتاع دون شد وجذب ومكائد ومطبات تحول الحياة إلى جحيم.
 
تتقدم كفيفة في قصة «العازفة»إلى مسابقة عزف التشيلو، فأبدعت وأبهرت وهي تبتسم بقلبها؛ تتذكر مسيرتها وتشجيع والدتها ورعايتها لها في كل خطواتها، وعندما تهنئها لجنة المسابقة بالفوز والتأهل، ويعرفون أنها كفيفة يسألونها عن السر، فتقول بسعادة غامرة، وفرحة راقصة: «تعلمت من حواسي يا سيدي، من عذوبة الإيقاع، ولون النغمة، وعطر الوتر المشدود، وأنفاس الخشب الحي التي تنبض بها آلتي، وروح القوس القائد لكل المشاعر المحررة من الأوتار. تعلمت من تذوق اللحن، واستشفاف الإيقاع، كراقصة باليه تغمض عينيها لتتحرك كلها على أصابع قدميها فقط، بتناغم. تعلمت من الاستماع إلى نعومة النسمات وهي توشوش في أذني، لأمزج حواسي كلها في معزوفة واحدة، في عمل واحد. تعلمت من التحرر التحرر من علتي، ومن نقصي لأتكامل روحًا وذكرى على هذه الأرض.. ثم ترفع رأسها وتقول، لأنني لست كفيفة كغيري!».
 
وبعد؛؛؛ فإن مجموعة «إيفا، الآن ناشرون وموزعون، 2021، 148 صفحة»، تتناول قضايا مجتمعية وإنسانية من خلال طرح قضايا المرأة ومشكلاتها ومعاناتها وصراعاتها الداخلية والخارجية، وما تلاقيه من صعوبات وقيود. وهذه المجموعة هي الإصدار الرابع للكاتبة وداد أبو شنب بعد: «ترنيمات على هامش الحياة– قصائد، 2017». «هواجس ورد– نصوص، 2017». «هشيم العالم الأزرق – رقصص، 2017».