Sunday 18th of August 2019 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    31-Jul-2019

نحو مقاربة جديدة لمسألة العدالة العالمية*حسن أبو هنية

 الراي-تشكل مسألة العدالة الدولية أحد أهم التحديات العالمية، وقد تحددت صيغة أسس نظرية العدالة العالمية مع كبير فلاسفة السياسة المعاصرين الأميركي جون رولز، وجائت نظريته تحت ضغوطات واقع وجود الشر في العالم، وغياب العدالة مجسدة بالحروب والاستبداد والمجاعات والكوارث البيئية، ومدفوعة بأمل تحقيق علاقات عادلة بين الشعوب سوف تخفف من وطأة هذا الواقع،فالعالم ليس عادلاً، حسب يوليان نيدا روميلين لأن الملايين من الناس يعانون سوء التغذية المزمنة، على الرغم من أن القطاع الزراعي في جميع العالم ينتج أكثر من تغطية الاحتياجات الغذائية الضرورية لسكان العالم، والعالم ليس عادلاً، لأن جزءاً كبيراً من سكان العالم لا يزال في حالة فقر على الرغم من أن هذا البؤس يمكن معالجته من خلال تعاون منصف في جميع أنحاء العالم، وعدم المساواة ليس في حد ذاته مؤشراً على الظلم فحسب، بل نتيجة عدم مساواة الأفراد واستمرارهم في الحرمان، فالاحترام الفردي الذي يستحقه الانسان، يدعو للمساواة كمواطن وكبشر، والتي يجب فرضها وتأمينها من خلال حقوق المواطنة وسيادة القانون، فالمساواة في المعاملة كإنسان تدعو الى العدل في العالم.

 
يعتبر جون رولز (1921 ــ 2002) من أهم أعلام الفلسفة السّياسيّة المعاصرة، وقد حصل على درجة الدّكتوراة في الفلسفة (فلسفة الأخلاق) من جامعة برنستون عام 1950م، وأستاذ الفلسفة في جامعة هارفارد منذ عام 1962م حتّى وفاته في عام 2002، وشكلت إسهاماته محوراً أساسياً لمعظم القضايا المتداولة على السّاحة الدّولية، منذ أن نشر عام 1958 مقالته المطوّلة في «المجلّة الفلسفيّة» بعنوان «العدالة كإنصاف»، والتي حدد فيها الخطوط الرئيسية لمشروعه الفكريّ، الذي تبلور بصورة غير نهائية في كتابه «نظريّة العدالة» الصّادر في عام 1971، والذي طوره وأعاد نشره بعد مراجعته عام 1975، ومع توالي المراجعات والتعليقات والانتقادات، عمل رولز على مراجعة نظريته وتنقيحها في كتابه الجديد بعنوان «العدالة كإنصاف: إعادة صياغة» الّذي صدر في عام 2001.
 
عندما نشر رولز «نظرية في العدالة» سخر اهتمامه على مسألة العدالة في نطاق مجتمع معيّن داخل نظام سياسي واحد، ومنذ ذلك الحين أخذ يفكرفي طبيعة العلاقة بين هذا المجتمع الذي وضع نظريته للعدالة وبين مجتمعات أخرى تخضع لأنظمة ومفاهيم مختلفة عن العدالة، وهل يمكن تمديد نظرية العدالة لتشمل العالم، أم أنها نظرية محدودة في إطارها الخاص وبالتالي نحتاج إلى نظرية أخرى للعلاقات الدولية، وبهذا قدم رولز تصوره للعدالة العالمية في كتابه «قانون الشعوب» الصادر سنة 1999، لتكتمل نظريته في العدالة، حيث يتناول في كتابه «نظرية في العدالة» مبادئ العدالة الأهلية أو الوطنية، وهي التي تنظم البنية القاعدية للمجتمع ومراده بهذه البنية القاعدية؛ المؤسسات الاجتماعية الأساسية بدءاً بالدستور وانتهاء بالأسرة ويخصص كتابه «قانون الشعوب» لمبادئ العدالة الدولية، وهي التي تنظم العلاقات بين مختلف المجتمعات والتي ينبغي أن تلتزم بها كل دولة في سياساتها الخارجية.
 
في محاولة لتقديم مقاربة مختلفة للعدالة عن رولز وتطويرها، ظهرت مساهمات عديدة، وقد شكل مفهوم «الاعتراف» بديلا مفهوميا مُؤسِسا ومركزيا في معالجة المعضلة المطروحة، من خلال تقديم بديل ممكن للبراديغم الذي هيمن على الفكر الفلسفي السياسي الليبرالي منذ ظهور كتاب جون رولز، حينما عرفت المجتمعات الليبرالية الكثير من الإخفاقات والأزمات على المستويات السياسية والاجتماعية والقيمية، والتي دفعت رولس إلى تطوير نظريته في العدالة قصد تجاوز هذه الأزمات، وهي نظرية قامت على جملة من المبادئ والإجراءات التي يمكن أن تضمن في رأيه توزيعا عادلا ومتساويا للموارد الأولية بين مختلف الأفراد، ضمن تصوّر أسماه «العدالة بوصفها إنصافا»، ويُعد الفيلسوف الألماني أكسل هونيث أحد أبرز منظري «الاعتراف» ذلك أنّ تأسيس العدالة على الاعتراف يسمح بأن نأخذ بعين الاعتبار أشكال رفض الاعتراف والاحتقار الاجتماعي، وبالتالي فإنّ العناصر الأساسية لهذا التمثل الجديد للعدالة لم يعد التوزيع العادل للخيرات أو الثروات وإنما الكرامة الإنسانية ونزاهة الأفراد واستقامتهم، بهذا تقاس العدالة الاجتماعية بدرجة قدرتها على ضمان شروط اعتراف متبادل، وقد ساهم في هذا النقاش تيار واسع من الفلاسفة، أمثال نانسي فرايزر وشارلز تايلور وإيمانويل رونو، وغيرهم ممن تتأسس مسألة العدالة لديهم جميعا على مفهوم الاعتراف.
 
في هذا السياق جاءت مساهمة توماس بوجي حول الاعتراف والعدالة الدولية، وهو فيلسوف ألماني حصل على الدكتوراة من هارفرد تحت إشراف جون رولز وألّف لاحقا كتابا مهما عن رولز يشرح ويعلّق فيه على نظريته في العدالة، الذي عمل على استئناف أستاذه رولز ونقده في نفس الوقت، وقد ركز بوجي نقده لرولز في مسألة العدالة الدولية خصوصا جزأها المخصص للعدالة الاقتصادية وتكافؤ الفرص التي يمكن وصفها على أنها نظرية دولية وليست كونية حسب عبد الله المطيري، بمعنى أنه على خلاف نظريته المحلية التي يشترط فيها رولز توزيعا عادلا للثروات العامة وتكافؤ الفرص فإنه في نظريته للعلاقات بين الشعوب اشترط فقط الاعتراف المتبادل بالمساواة بين الشعوب وواجب المساعدة في أساسيات حقوق الإنسان لا أكثر، أي أنه لا يوجد استحقاق لشعب على شعب آخر خارج المساعدة في توفير أساسيات حقوق الإنسان كالمساعدة في أوقات المجاعات والكوارث البيئية أو انتشار الأوبئة.
 
بوجي يختلف مع أستاذه ويطالب بعدالة كونية. أي إنه يطالب بالإضافة إلى الاعتراف بمبدأ التساوي في الحقوق والحريات بين الشعوب بأنه على الشعوب الغنية التزام أخلاقي تجاه الشعوب الفقيرة. هذا الالتزام يتجاوز أساسيات حقوق الإنسان إلى التزام اقتصادي يسعى لتحقيق عدالة اجتماعية كونية أكبر. فكرة بوجي تكمن في فرض ضريبة على الدخل الوطني للشعوب الغنية يجري توزيعها في المقابل على الشعوب الأفقر والأكثر حاجة. الفكرة هنا تنطلق من كون المجتمعات أفرادا في مجتمع واحد ومن واجب أفراد المجتمع المقتدرين مساعدة الأفراد المحتاجين وهكذا.
 
تعتبر مساهمة الفيلسوف المغربي طه عبد الرحمن أحد أهم الاسهامات العربية الإسلامية في نقد رولز في مسألة العدالة العالمية، ينطلق طه عبد الرحمن في نقده من معاني الميثاق الآمنة عند رولز بإبرازه أن الفيلسوف الأميركي المعاصر سلك في استنباط مبادئ العدالة الدولية نفس المسلك التعاقدي الذي اتبعه في استنباط مبادئ العدالة الأهلية، وقام هذا المسلك على مفاهيم مترابطة ثلاثة تكشف آثار التفكر في مذهب سياسي، وهذه المفاهيم هي مفهوم العقد الاجتماعي ومفهوم الوضع الأصلي، ومفهوم حجاب الجهل، ويؤكد أن رولز بنى نظريته على أسس لاهوتية حول معنى الجماعة الروحية في المسيحية،ويشدد علىأن رولز قد أنجز قبل تجنيده في الحرب العالمية الثانية رسالة جامعية بعنوان «بحث وجيز في معنى الخطيئة والإيمان: تأويل مؤسس على مفهوم الجماعة» وأن رولز كان يأمل أن يتابع دراسته اللاهوتية لكي يصبح كاهنا، ولئن كان قد إرتد عن دينه بعد هذه الحرب فإن آثار هذا المعنى الروحي للجماعة ظلت نافذة في نفس رولز، فبنى نظريته على مفهوم الجماعة باعتبار أنها أساس العدالة.
 
إن رولز حسب طه عبد الرحمن استفاد من تكوينه اللاهوتي الأول، في استثمار عناصر ميثاق الائتمان العابر للأديان في إنشاء نظرية تعاقدية للعدالة مستبدلا مفهوم العقد بمفهوم الميثاق، ومفهوم الوضع الأصلي بمفهوم الحالة الائتمانية ومفهوم المتعاقد بمفهوم المؤتمن ومفهوم حجاب الجهل بمفهوم التجرد الائتماني ومفهوم العدالة الدولية بمفهوم العدالة الكونية.
 
خلاصة القول أننا بحاجة إلى مقاربات جديدة مبدعة في مسألة العدالة العالمية، فالسؤال الكبير والذي شكل محور نقد واسعا لرولز حول موقف نظريته في العدالة الدولية، التي تعاني الفروقات الاقتصادية بين المجتمعات،. وهل ثمة التزام من منظور العدالة على المجتمعات الغنية تجاه المجتمعات الفقيرة.
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات