Monday 21st of August 2017 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    24-Feb-2017

عربة الدين وحصان الفلسفات والعلوم والآداب - معاذ بني عامر
 
الغد- في المجتمعات المتدينة، يتقدّم الديِّن خطوة إلى الأمام، ويتراجع كل ما عداه من فلسفات وعلوم ومعارف وفنون وآداب خطوة إلى الخلف؛ بحيث يتسيّد مشهد الاجتماع الإنساني بصفته التعبير الأكبر عن آمال الناس وآلامهم؛ فهو الحامل لمعناهم الوجودي في هذا العالم، وهم الحاملون –بالضرورة- لمضامينه الكليّة والجزئية، بما يجعلهم يتحدّون في نسق واحد، يُخضع كل ما عداه له. لذا، تتحوّل صورة هكذا مجتمعات إلى صورة أحادية لا تقبل، أو بالأحرى ترفض –تحت وطأة الإلغاء والشطب- كل ما لا يتفّق مع رؤاها التي ترى بها هذا العالَم، ابتداءً بالإله وليس انتهاءً بالإنسان. فالعلوم والفلسفات والمعارف والفنون والآداب، ينبغي عليها أن تتحوّل إلى خدمة هذا الدين، أو الترويج له، أو الإعلاء من شأنه، أو الانطلاق منه، أو التأسيس عليه، أي اعتباره -بمعنى أو بآخر- نقطة "بداية/ نهاية" لكلّ ما يمكن أن يجترحه الإنسان من إبداع في هذا العالَم، أو الحيلولة دون انتشار هكذا إبداعات، أو محاربتها أو تدميرها أو قتل أصحابها... إلخ.
وفي هكذا مجتمعات، يتخّذ التديّن أبعاداً مختلفة، منها:
1 - التديِّن الرسمي؛ إذ تتشكّل شبكة كبيرة من المؤسسات الحارسة للنصّ الديني من أيّ سوء! على اعتبار طهارتها المبدئية –أعني المؤسسات الدينية- وقدسيتها في مقاربة هذا النصّ، وتمثّلها الحقيقي له، سواء في مرحلة القراءة والفهم أو في مرحلة التطبيق. لذا تُنشئ الدول هكذا مؤسسات لاحتكار النصّ الديني ووضعه في قوالب تنسجم مع المصالح السياسية للدولة المُنشئة، بما يؤمن عدم المساس بهذه المصالح من قبل أيّ أحد، حتى لو كان من قبل مُتديِّن يحمل وجهة نظر مغايرة للنسق الديني الذي اصطلحت عليه هكذا مؤسسات. فالتديّن الرسمي هو تديّن سياسي بالدرجة الأولى. وعليه، يتم تنميط سلوكيات الناس وفقاً لهذا التديّن عبر حزمة من القوانين الفاعلة والنافذة، التي لا يمكن لمصالح الناس أن تستقيم وتؤتي أكلها في الواقع المعيش إلا إذا أخذت بهذه القوانين. وعدم الامتثال لهكذا قوانين، سيعرّض الناس ومصالحهم لحالة من الاضطهاد، ستصل –إذا ما تعقّدت الأمور- إلى حدّ القتل والترويع، كيف لا وهاته القوانين تُجسّد رؤى الإله على الأرض؟
2 - التديّن الشعبي؛ إذ يتحوّل الإنسان العادي إلى حارس للنصّ الديني، معتبراً نفسه وصياً على بقية الناس في فهمهم –كما يفهم- وتطبيقهم –كما يُطبّق- للنص الديني. بالمحصلة، سيتحوّل الناس جميعاً إلى مُراقبين لبعضهم بعضا، بما يفتك بحيواتهم الإبداعية ويضعها في حالة حصار مبدئية؛ فالأنماط التي يُريد التديّن الشعبي ترويجها هي أنماط جاهزة وناجزة سلفاً في الذهن الجمعي، وأي خروج على هذه الأنماط سيُقابل بالرفض، أياً كانت الصيغة التي سيتجلّى بها هذا الرفض. وفي هذا المجال، سيأخذ الناس، صغيرهم وكبيرهم، في مراقبة أي جديد، وإخضاعه لمسطرة الدين الذي يؤمنون به ويقرّون نواميسه. لذا، لا عجب أن نرى –والحالة هذه- فناناً يُراقب أعمال فنان آخر ويحاكمها من منطلق ديني، ولا عجب أن نرى أستاذاً للنقد ينقد عملاً شعرياً أو روائياً من منطلق ديني، فهو بالمحصلة لا يختلف كثيراً عن سياق شعبي جمعي، يقتطع الأحكام اقتطاعاً، ويمرّرها تحت وطأة حضور طاغٍ لنسقٍ ديني واحد، يفتك بكل ما سواه.
في نمط التديّن الرسمي، أمكن رصد كثير من حالات الاستلاب التي مارسها هذا النمط من التديّن بحقّ كل من اجترح إبداعاً، رأت فيه السلطة السياسية تهديداً لمصالحها، ليس ابتداءً بإعدام سقراط أو سحل هيباتا أو تقطيع أعضاء ابن المقفع أو صلب الحلاج أو رمي الفلاسفة بالزندقة أو محاربة غاليليو أو استصدار صكّ حرمان بحقّ باروخ إسبينوزا أو تكفير نصر حامد أبو زيد ... إلخ.
وفي نمط التديّن الشعبي، أمكن أيضاً رصد كثير من حالات الاستلاب التي مارسها هذا النمط من التديّن على كلّ ما هو خارج نطاق ما يؤمن به أتباع هذا النمط، ابتداءً من مراقبة –بوعي أو من دون وعي- تصرّفات كلّ من يُشَكُّ في ابتعاده عمّا هو سائد دينياً، وليس انتهاء بفصل الفنانة أسماء مصطفى من نقابة الفنانين الأردنيين وعلى يدّ نقيب الفنانين نفسه!
ولربما شكّل هذا النمط –إضافة إلى النمط السابق- من التديّن حالة من الفتك بالاجتماع الإنساني بتجلياته كافة، فهو يضعه في قفص صغير، ويذهب بعيداً في خياراته تجاه هذا الحبيس، تحديداً إلى خيار تدميره روحياً، والحدّ من مساهماته في المشروع الحضاري الإنساني، إذ تُقتل شيئاً فشيئاً حيوات الناس، وتتحوّل إلى طور أبدي ثابت، فتصير ملامح الناس واحدة، إلى أن يأتي شخص/ أشخاص، ويكسروا حلقات هذا القفص المخيف، فيبدأ الناس بالخروج واحداً تلو الأخرى، واجتراح نظم ليست مغايرة فحسب لما هو سائد، بل ومفيدة في الآن نفسه، تحديداً ما تعلّق منها بالحرية وعدم ممارسة الدور الرقابي الذي كانت تمارسه أجهزة القمع الديني "السياسي/ الشعبي"، بحقّ كل من يخالف شرائعها ونواميسها الفاعلة، بل فتح المجال أمام مزيد من الإبداعات الفلسفية/ العلمية/ الأدبية، لأنّ الحضارة –أيّ حضارة- لا يمكن لها أن تقوم وتؤدّي دوراً رسالياً في العالَم، إلا إذا تكاتفت جهود كثير من الإبداعات إلى جانب بعضها بعضا وفي مجالات مختلفة، بحيث يتحوّل الاجتماع الإنساني الذي تتجلّى في بنيته الكُلّية العمليات الإبداعية على اختلافها، إلى اجتماع حاضن للإبداع ومُحفّز له، حتى لو كان هذا الإبداع صادماً أو مفارقاً لما اعتدنا عليه، إذ ليس بالضرورة أن يكون ما نحنُ عليه هو الأصح، بل إن التجربة أثبتت أنَّ قائمةً لن تقوم لأيّ حضارة إلا بالتعدّد والتنوّع والاختلاف.
واليوم -عطفاً على ذي بدء- إذ تنداح عربة الدين من أعالي الرؤوس المُتدينة، سياسياً وشعبياً، وتسحق كل شيء يأتي أمامها، فإننا بحاجةٍ إلى إعادة التفكير في قرار تفكيك هذه العربة الكبيرة وإحالتها إلى قطع صغيرة، والتوقّف عن تحويل الفلسفات والعلوم والآداب إلى أحصنة تُجْلَد، إذا لم تسر وفقاً لحركات عربة الدين، سواء تمّت ممارسة الجَلْد من قبل اتباع التديّن الرسمي أم من قبل اتباع التديّن الشعبي.
FacebookTwitterطباعةZoom INZoom OUTحفظComment
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات