Thursday 22nd of April 2021 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    05-Mar-2021

درج العتمة لهشام عودة.. قراءة في الإهداء

 الدستور-الدكتورة إنعام القيسي

تعد عتبة الإهداء من العتبات أو المصاحبات النصية المهمة في الأعمال الأدبية عامة والشعرية خاصة، وذات علاقة وطيدة بالنص، فهي لا تقل أهمية عن العتبات النصية الأخرى، مثل العنوان، والمقدمة والغلاف والمقتبسات وغيرها؛ ذلك أنها تساعد المتلقي على فهم النص وتوضيح دلالاته، وشرح علاماته والكشف عن خباياه ومكنوناته، كما أنها تساعد المؤلف على إثراء نصه وتقديمه للآخرين. وعلى الرغم من أن الإهداء تقليد أدبي قديم، فإنه حظي باهتمام كبير لدى النقاد المعاصرين، كان في مقدمتهم الناقد الفرنسي جيرار جينيت في كتابه «عتبات» 1987م ، وغيره الذين عمدوا إلى تحليل هذه الاهداءات، واعتبروها جزءاً من النص و مكملة له ، لها دور في إضاءة دروب القراءة، خصوصا عندما يكون مضمون هذا الأثر الأدبي له علاقة مباشرة أو غير مباشرة بهذا الإهداء. فالإهداء من هذا الجانب هو خطاب حول النص، مرتبط بالكاتب. يحاول من خلاله الاحتفاء بالمهدى إليه.
 
سأٌقدم في هذه القراءة القصيرة قراءة بعيدة عن القراءة الأكاديمية لإهداء الشاعر الأردني الكبير أحمد عبدالحميد عودة (هشام عودة)، في ديوانه «درج العتمة»، الصادر عن دار (مرسال الحديثة: ناشرون وموزعون)، عمان، (2021)، يقول هشام عودة في إهدائه: «إلى ابنتي سما التي منحتني عينها وصوتها وكثيرا من وقتها لنهزم معا شيئا من العتمة القاسية «.
بهذه الكلمات التي جاءت في صيغة نص نثري قصير يفتتح هشام عودة إهداء بسيطا وموجها إلى مهدى إليه ذي علاقة واضحة بالمهدي إنها ابنته «سما»، وهي صيغة تقريرية تتضمن إشارة واضحة إلى زمن الإبداع الذي كان بعد أن منح هشام عودة عينيه إجازة مفتوحة قبل ثلاثة أعوام.
ولم يقف هشام عودة عند حد التغنّي بشاعريّته وذكر مقدرته في الشعر وانقياده له، ولم يقلّد مَن سبقه ممَّن يتذيّعون في العصر كما أنّه لم يتأثّر بالمجتمع و البيئة فحسب‘ فهو خرق العادات، وخالف المعهودات، فاعترف أو باح بالمسكوت عنه، وكشف عن أن عمله الإبداعي « درج العتمة « جاء شراكة بينه وبين من يهدي إليها عمله الإبداعي، فسما « منحته عينها وصوتها «، ولذلك لم يعد هشام عودة الشاعر الذي يرى بعيني زرقاء اليمامة كبقية الشعراء المبدعين، بل أصبح يرى بعيني من هي « أبصر من زرقاء اليمامة «، وهو في إهدائه يستدعي إلى ذاكرتنا ما اتسمت بها زرقاء اليمامة من حكمة ورجاحة عقل إلى جانب حدة البصر والقدرة على رؤية الأشياء من مسافات بعيدة، وهي كلها صفات كانت حاضرةً عند زرقاء اليمامة، وغدت عند هشام عودة حاضرة لدى ابنته «سما»، وإلا لن يستعير عينيها ليرى بهما وقد منح عينيه إجازة مفتوحة لأجل غير مسمى. وهي عندما تمنح أباها صوتها لتهزم معه « شيئا من العتمة القاسية «، إنما هو اعتراف كبير أن الصدى للرؤية عندما تنساب تلك الأصوات إلى أذنيه، فيتخيل الأمكنة والناس وسلوكياتهم وتصرفاتهم قبل العين أحيانا، وقد أخذ السمع على صوت «سما» وظيفة الرؤية، ويتجاوز الصوت إلى صداه، الذي يتردّ في الأذن، فتحل أذنه مكان عينه في رسم الصورة؛ وقد اعتمد على صوتها في كتابة تجربته الشعرية، ويعده مدخلاً مهماً لفهم الحياة وحقيقة الأشياء الجديدة التي لم يمر بها فيما مضى.
لقد أضحى هشام عودة في قصائده يبصر ما لا يراه الآخرون؛ إذ هو أبصر من زرقاء اليمامة، وحق له أن يقول أبعد مما قال أبو الطيب المتنبي مفاخراً بنفسه:
وأَبصر من زرقاء جو، لأنني
إذا نظرت عيناي ساواهما علمي
فعلى الرغم من أن إنجازات وإبداعات هشام عودة طويلة وممتدة عبر الأيام، فقد بدت إسهاماته في هذا الديوان إسهامات وفتوحات ذات أهمية كبيرة، وقد رآها بعين مختلفة استطاع من خلالها بعد أن قرأ الماضي فيما مضى من أيام العمر بعيني زرقاء اليمامة، أن يقرأ الحاضر، ويرى المستقبل بعيني من هي أبصر منهما، فتوحد نصه بالأشياء وامتزج بالكون، بعد أن أعاد قراءة التجربـة الإنـسانية التـي عاشها في عالمنـا المعـاصر بتكوينه الثقافي والسيكولوجي والاجتماعي، وخبراته الجمالية في الإبداع.
كما غدت «سما» دون الأخريات من بنات جنسها صـوتاً أنثـوياً آخـر يحمل خصائص الرؤية حين يصدق نبوءتها من هـو قريـب منهـا «الشاعر أبوها»، فإذا كان الشعراء يبصرون بعيني زرقاء اليمامة، فيكفيك شرفا أيها الشاعر الكبير أن تبصر بعيني «سما» التي هي أبصر من زرقاء اليمامة، وأنت تأخذ برؤيتها، لأن الرَّائي لا يَكذِبُ أَهلَه، وهي صاحبة رؤية مستفيدة من وجع التاريخ العربي في بناء حاضر الأمة ومستقبلها وأحلامها في الحرية والوحدة وبناء واقع جديد.