Wednesday 25th of November 2020 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    19-Oct-2020

مستقبل المكتب: “كوفيد- 19” فرض تحولاً جذرياً في عادات العمل، غالباً إلى الأفضل

 الغد-تقرير خاص – (الإيكونوميست) 12/9/2020

 
ترجمة: علاء الدين أبو زينة
 
 
على مدى عقود، ظل الذين يعرضون أنفسهم كرؤيويين والأشخاص المولعون بشكل خاص بـ”البيجاما” يجادلون بأنه يمكن القيام بالكثير من العمل الذي يتم إنجازه عادة في المكاتب الكبيرة المشتركة بشكل أفضل في المنزل. ومع قدوم “كوفيد-19″، وُضعت أفكارهم قيد الاختبار في تجربة هائلة -إذا لم تكن عشوائية. والنتائج الأولية الآن هي: نعم، يمكن إنجاز الكثير من العمل في المنزل؛ والأكثر من ذلك، يبدو أن الكثير من الناس يفضلون الأمر بهذه الطريقة.
لكن هذا لا يعني، في حد ذاته، نهاية المكتب خارج المنزل. إنه يعني أن هناك مناقشة حية ينبغي إجراؤها. وتبدو بعض الشركات مرتاحة بحدوث تحول نحو العمل المنزلي. في 28 آب (أغسطس)، دفعت “بينتريست” Pinterest، وهي شركة وسائط اجتماعية، 90 مليون دولار لإنهاء التزام استئجار جديد لمساحة مكتبية بالقرب من مقرها الرئيسي في سان فرانسيسكو، لخلق “قوة عاملة أكثر توزيعًا”. وثمة شركات أخرى يبدو أنها تعارضه. ففي ذلك الشهر أيضًا، وقعت “فيسبوك” Facebook عقد استئجار جديدا لمكتب كبير في مانهاتن. ويقال إن “بلومبيرغ” Bloomberg تعرضُ راتبًا يصل إلى 55 جنيهًا إسترلينيًا (75 دولارًا) في اليوم لإعادة موظفيها إلى مبناها في لندن. والحكومات، التي سيقع عليها جزء من العبء إذا استمر الوباء، تتبنى نهجًا مشابهًا؛ حيث تشجع الناس على “العودة إلى العمل” -التي تقصد بها “العودة إلى المكتب”.
وهي تواجه مهمة صعبة. يبدو أن العمل من المنزل ناسب العديد من الموظفين ذوي الياقات البيضاء. ومع تخفيف الإغلاقات، خرج الناس عائدين إلى العالم مرة أخرى: قفز الإنفاق على بضائع التجزئة في جميع أنحاء العالم الغني، بينما ارتفعت حجوزات المطاعم بشكل حاد. ومع ذلك، يستمر الكثيرون في تجنب المكتب، حتى بينما يُعاد فتح المدارس، بما يعنيه ذلك من جعل الذهاب إليه خيارًا أكثر قابلية للتنفيذ بالنسبة للآباء والأمهات العاملين. وتشير أحدث البيانات إلى أن 50 في المائة فقط من الأشخاص في خمس دول أوروبية كبيرة يقضون كل يوم عمل في المكتب. وأن ربعهم يبقون في المنزل بدوام كامل.
وقد يكون هذا بسبب الخوف المتبقي من “كوفيد-19” وعدم ملاءمة المكاتب ذات القدرة المخفّضة. وإلى أن يتم إنهاء العمل بإرشادات التباعد الاجتماعي، لا يمكن للمكاتب أن تعمل بكامل قوتها. ويمكن للمكتب المتوسط العمل بنحو 25-60 في المائة من موظفيه مع الحفاظ على مسافة مترين (ست أقدام) بين العمال. وتعتمد المكاتب التي تمتد لأكثر من خمسة طوابق على المصاعد؛ ويمكن أن تطول صفوف الانتظار لاستخدام المصعد عندما يُسمح لشخصين فقط باستخدامه في وقت واحد، لتلتف حول المقطع السكني.
تحاول بعض المكاتب أن تجعل نفسها أماكن عمل أكثر أمانًا. وعلى سبيل المثال، قام مديرو ناطحة سحاب جديدة في لندن، 22 Bishopsgate، بإيقاف تشغيل مكيفات الهواء المعاد تدويره في المبنى. وقام آخرون بتركيب محطات لتعقيم اليدين ووضعوا حواجز بلاستيكية. ولكن، حتى لو كانت المكاتب أكثر أمانًا، فإن الوصول إليها ما يزال صعباً. ثمة الكثير من العاملين الذين لا يرغبون في استخدام وسائل النقل العام أو الذين يثبطهم ذلك -ويعيش ربع الذين يركبون للوصول إلى أعمالهم في مدينة نيويورك على بعد أكثر من 15 ميلاً (24 كم) من المكتب، وهي مسافة أبعد كثيراً من أن يمكن قطعها بالمشي أو بركوب الدراجة.
ومع ذلك، يبدو أيضًا أن العمل من المنزل يمكن أن يجعل الناس أكثر سعادة. وقد جدت ورقة بحثية نُشرت في العام 2017 في مجلة “مراجعة الاقتصاد الأميركي” American Economic Review أن العاملين كانوا على استعداد لقبول خفض رواتبهم بنسبة 8 في المائة للعمل من المنزل، ما يعني أن ذلك يمنحهم منافع غير نقدية. ويبدو أن متوسط مدد الاجتماعات ينخفض. وأصبح الناس أقل تنقلًا في وسائط النقل أو أنهم لا يتنقلون على الإطلاق. وهذا شيء عظيم للرفاهية. وجدت دراسة أجراها دانيال كايمان Daniel Kahneman وزملاؤه من جامعة برينستون في العام 2004 أن التنقل اليومي إلى العمل في وسائط النقل العام كان من بين الأنشطة الأقل إمتاعًا التي يمارسها الناس بانتظام. ووجد المكتب البريطاني للإحصاءات الوطنية أن “هؤلاء الركاب لديهم رضا أقل عن الحياة… ومستويات أقل من السعادة، وقلق أعلى في المتوسط من الذين لا يفعلون”.
يمكن لزيادة السعادة في العمل من المنزل، بدورها، أن تجعل العمال أكثر إنتاجية. في معظم البلدان، أفادت العاملة العادية بأنها، تحت الإغلاق، أنجزت في المنزل أكثر مما كانت ستنجزه في المكتب. ومع ذلك، من الصعب في ظل الظروف الحالية التأكد مما إذا كان العمل من المنزل أو العمل المكتبي هو الأكثر كفاءة. فقد اضطر الكثير من الناس، وخاصة النساء، إلى العمل أثناء رعاية الأطفال الذين عادة ما يكونون في المدرسة. وقد يجعل هذا الأمور تبدو كما لو أن العمل من المنزل كان أقل إنتاجية مما يمكن أن يكون عليه نظريًا (مثلاً، عندما يكون الأطفال في المدرسة).
النهوض المتثاقل من السرير وإلى المطبخ
لكنّ هناك تأثيرات خاصة بالإغلاق بشكل حصري، والتي تؤدي إلى تحيز معاكس، ما يجعل العمل من المنزل يبدو منتجًا بشكل مصطنع. خلال فترة الإغلاق، ربما يكون العمال قد رفعوا مستوى أدائهم خوفًا من تخلي شركتهم عنهم -تشير الأدلة من أميركا إلى أن أكثر من نصف العمال قلقون من فقدان وظائفهم بسبب تفشي المرض. وهناك مشكلة منفصلة تتمثل في أن معظم الدراسات تحت الإغلاق قد اعتمدت على العمال للإبلاغ الذاتي عن إنتاجيتهم، ولا تميل البيانات التي يتم استخلاصها بهذه الطريقة إلى أن تكون موثوقة كثيراً.
تقدم الأبحاث المنشورة قبل الجائحة صورة أوضح. وقد نظرت دراسة أجراها نيكولاس بلوم Nicholas Bloom من جامعة ستانفورد وزملاؤه في العام 2015 على العاملين الصينيين في مراكز تلقي الاتصالات. ووجدوا أن أولئك الذين يعملون من المنزل كانوا أكثر إنتاجية (عالجوا عدداً أكبر من المكالمات). وجاء ثلث الزيادة بسبب وجود بيئة أكثر هدوءا. وكان الباقي بسبب عمل الناس لساعات أطول. وقد انخفضت أيام الإجازات المرضية للموظفين. ووجدت دراسة أخرى، تبحث في العاملين في مكتب براءات الاختراع والعلامات التجارية في أميركا، نتائج مماثلة. ووجدت دراسة في صدرت في العام 2007 عن المكتب الأميركي لإحصائيات العمل أن العاملين من المنزل يتقاضون رواتب أعلى قليلاً من نظرائهم العاملين في المكاتب، ما يشير إلى وجود إنتاجية أعلى.
أدت تجربة الإغلاق، ببساطة، إلى تسريع اتجاهات موجودة مسبقًا، كما يعتقد هاري بادام Harry Badham، مطور مبنى 22 Bishopsgate. وقد يكون هذا تبخيساً. فعلى الرغم من أن نسبة الأشخاص الذين يعملون بانتظام من المنزل كانت ترتفع قبل الجائحة، إلا أن الأرقام المطلقة ظلت صغيرة. ووفقًا لإحدى وجهات النظر، فإن حقيقة أن العمل المكتبي كان سائدًا للغاية حتى وقت قريب يكشف أنه يجب أن يكون أكثر كفاءة من العمل في المنزل، سواء بالنسبة للشركات أو العاملين. وبهذا المنطق، يمكن قياس نجاح خروج بلد ما من حالة الإغلاق من خلال رصد عدد الأشخاص الذين عادوا إلى مكاتبهم.
لكن هناك تفسيراً آخر يقول إن العمل من المنزل هو في الواقع أكثر كفاءة من العمل المكتبي، وإن أيام مجد المكتب قد ولت. فبعد كل شيء، ظهر المكتب إلى الوجود عندما اشتمل عالم العمل على معالجة الكثير من الأوراق. وقد تعكس حقيقة أنه ظل مهيمناً جداً كل هذا الوقت الطويل بدلاً من ذلك فشلاً في السوق. قبل “كوفيد-19″، ربما كان العالم عالقًا في “توازن سيئ” حيث كان العمل في المنزل أقل انتشارًا مما كان ينبغي أن يكون. ويمثل الوباء صدمة هائلة تضع العالم في توازن جديد أفضل.
يقترح بريت نيمان Brent Neiman من جامعة شيكاغو ثلاثة عوامل حالت دون نمو العمل من المنزل قبل الآن. الأول يتعلق بالمعلومات. لم يكن الرؤساء يعرفون ببساطة ما إذا كان التجمع في المكتب أمرًا ضروريًا أم لا. وقد أتاحت لهم الأشهر الستة الماضية معرفة ذلك. ويتعلق الثاني بالتنسيق: ربما كان من الصعب على شركة واحدة أن تنتقل بشكل أحادي إلى العمل من المنزل، ربما لأن مورديها أو عملاءها قد يجدون ذلك غريباً. ومع ذلك، أجبر الوباء جميع الشركات التي يمكنها القيام بذلك على التحول إلى العمل من المنزل دفعة واحدة. وفي خضم هذه الهجرة الجماعية، أصبح الناس أقل ميلًا إلى النظر بشك إلى الشركات التي فعلت ذلك.
يتعلق العامل الثالث بالاستثمار. قد تكون التكاليف الثابتة الكبيرة المرتبطة بالانتقال من العمل المكتبي إلى العمل من المنزل هي التي ثنت الشركات عن تجربته. وتشير الدلائل المستمدة من الدراسات الاستقصائية إلى أن الشركات أنفقت في الأشهر الأخيرة مبالغ طائلة على معدات مثل أجهزة الكمبيوتر المحمولة لتمكين الموظفين من العمل من المنزل؛ وكان هذا أحد الأسباب التي جعلت التجارة العالمية تصمد بشكل أفضل من المتوقع منذ بدء الوباء. ويتم إجراء هذه الاستثمارات على مستوى الأسرة أيضًا. ففي العديد من البلدان الغنية، أصبح سوق منازل الأسرة الواحدة أقوى من سوق الشقق. ويشير هذا إلى أن الأشخاص يبحثون عن مساحة إضافية، ربما من أجل مكتب منزلي مخصص.
اسكُب لنفسك فنجاناً من الطموح
يعتمد مدى استمرار شعبية العمل من المنزل لفترة طويلة بعد مرور الوباء على إبرام صفقات بين الشركات والعاملين. لكنه سيعتمد أيضًا على ما إذا كانت الشركات تتبنى أو ترفض النظرية المثيرة للجدل، القائلة إن العمل من المكتب قد يعيق الإنتاجية فعلياً. فمنذ سبعينيات القرن الماضي، اختلف الباحثون الذين درسوا القرب الجسدي (أي المسافة التي يحتاج الموظفون إلى قطعها للمشاركة في تفاعل وجهاً لوجه) حول مسألة ما إذا كان ذلك يسهل التعاون أو يعيقه. وتركز الجدل إلى حد كبير على المدى الذي يؤدي فيه الجمع بين الناس تحت سقف واحد إلى تعزيز السلوك الذي يؤدي إلى ظهور أفكار جديدة، أو ما إذا كان القيام بذلك يعزز الثرثرة الفارغة فقط.
يتجسد مثل هذا النوع من عدم اليقين في دراسة أجراها ماثيو كلوديل Matthew Claudel من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا وزملاؤه في العام 2017. وقد نظرت دراستهم في الأوراق وبراءات الاختراع التي أنتجها باحثو معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا والتوزيع الجغرافي لهؤلاء الباحثين. ووجدوا علاقة إيجابية بين القرب الجسدي والتعاون. ولكن، عندما نظروا إلى مباني معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، فإنهم وجدوا القليل من الأدلة الإحصائية على الفرضية القائلة إن “المساحات ذات الموقع المركزي والمأهولة بكثافة ومتعددة التخصصات تكون نقاطاً ساخنة نشطة للتعاون”. وبعبارة أخرى، يمكن أن يساعد القرب الجسدي الأشخاص على ابتكار أفكار جديدة، لكنهم لا يحتاجون بالضرورة إلى أن يكونوا في مكتب لكي يفعلوا ذلك.
ومع ذلك، ليس كل شيء بشأن العمل من المنزل ممتعًا. في تموز (يوليو)، وجدت دراسة أجراها خبراء اقتصاديون في جامعات هارفارد وستانفورد ونيويورك أن متوسط يوم العمل تحت الإغلاق كان أطول بنحو 50 دقيقة مما كان عليه في السابق، وأن الناس أصبحوا أكثر احتمالاً لتبادل رسائل البريد الإلكتروني بعد ساعات العمل. وهناك أيضًا تباين كبير بين العاملين في مدى استمتاعهم بالعمل من المنزل. وقد أجرت “ليسمان” Leesman، وهي شركة استشارية للقوى العاملة، دراسة استقصائية لرصد تجربة أكثر من 100.000 عامل من ذوي الياقات البيضاء في جميع أنحاء العالم الغني أثناء الوباء. ووجدت أن الرضا عن العمل من المنزل يختلف باختلاف ما إذا كان للشخص المعني مكتب مخصص ومساحة لطاولة أم لا.
تحولت وجهة المد.. وهو يتدحرج في اتجاهك
وليست لدى الجميع القدرة على العمل من المنزل، حتى لو أرادوا ذلك. وقد جد البحث الذي نشره في نيسان (أبريل) السيدان نيمان وجوناثان دينغيل Jonathan Dingel، وكلاهما من جامعة شيكاغو، أن حوالي 40 في المائة من القوى العاملة في جميع البلدان الغنية تعمل في وظائف يمكن أن يتم إنجازها بشكل معقول من على طاولات مطابخهم. وتدعم الأدلة المستخلصة من ترتيبات العمل الفعلية أثناء الوباء هذه التكهنات. وتشير ورقة بحثية من إيريك براينيولفسون Erik Brynjolfsson وزملاؤه من جامعة ستانفورد، والتي تبحث في البيانات الأميركية، إلى أنه من بين كل الذين كانوا يعملون قبل بدء الوباء، كان حوالي نصفهم يعملون من المنزل في أيار (مايو).
في الحقيقة، من غير المؤكد ما إذا كانت فوائد العمل من المنزل يمكن أن تستمر لفترة طويلة من الزمن. والدراسة المشتركة التي أجراها السيد بلوم حول العاملين الصينيين في مراكز تلقي الاتصالات هي واحدة من الدراسات القليلة التي قامت بتقييم تأثير العمل من المنزل على مدى عدة أشهر. ووجد هو وزملاؤه أنه في النهاية، كان الكثير من الناس يتطلعون يائسين للعودة إلى المكتب، ولو بين الحين والآخر، ويرجع ذلك جزئيًا إلى شعورهم بالوحدة. كما أن بعض الشركات التي جربت العمل عن بُعد على نطاق واسع في الماضي تخلت عنه في النهاية، بما في ذلك شركة التكنولوجيا “ياهو” Yahoo، في العام 2013. وتقول مذكرة داخلية مسربة في ذلك العام: “تأتي بعض أفضل القرارات والأفكار من مناقشات الردهة والكافيتريا، ومقابلة أشخاص جدد، والاجتماعات المرتجلة لفرق العمل”.
وإذن، فإن التحدي الذي يواجه الرؤساء هو إيجاد طرق للحفاظ على سعادة الموظفين والابتكار وتعزيزهما، حتى عندما يصبح العمل في المنزل أكثر شيوعًا. وأحد الحلول هو جلب الجميع إلى المكتب بضعة أيام في الشهر. وقد يكون نهج يكرس فيه العمال جزءًا من الوقت لتطوير أفكار جديدة مع زملائهم أكثر إنتاجية من ذي قبل في الحقيقة.
اقترحت دراسة أجراها كريستوف ريدل Christoph Riedl من جامعة نورث إيسترن وأنيتا ويليامز وولي Anita Williams Woolley من جامعة كارنيغي ميلون، ونُشرت في العام 2017، أن التواصل “السريع الانفجاري”؛ حيث يتبادل الناس الأفكار بسرعة لفترة قصيرة من الوقت، أدى إلى أداء أفضل من التواصل المستمر الثابت، وإنما الأقل تركيزًا. ولا توجد الكثير من الأدلة على أن الصدفة مفيدة للابتكار، على الرغم من أن الكثيرين يقبلون ذلك على أنه حقيقة بديهية. ويقول السيد كلوديل من معهد مساشوتس للتكنولوجيا: “الكثير من الناس جنوا الكثير من المال من بيع فكرة المبرد المائي هذه”، مشيرًا إلى النمو الذي حدث في العقود الأخيرة للمكاتب ذات المخطط المفتوح ومساحات العمل المشتركة و”مناطق الابتكار” العصرية.
ليس القدوم إلى المكتب بين الحين والآخر هو الطريقة الوحيدة لخلق اتصال سريع. يمكن تحقيق الشيء نفسه، على سبيل المثال، من خلال اجتماعات وتجمعات الشركات. وتعمل شركة “غيتلاب” Gitlab، وهي شركة برمجيات، “عن بُعد” لجميع موظفيها منذ تأسيسها في العام 2014. ومع عدم وجود مكاتب، تقوم بجمع أعضاء فريقها البالغ عددهم 1.300، والذين يعيشون في 65 دولة مختلفة، مرة واحدة في السنة على الأقل في اجتماعات للتعارف والترابط الجماعي للفريق.
وبالمثل، تقدم شركات مثل “تيملي” Teemly و”سوكوكو” Sococo و”براغلي” Pragli “مكاتب افتراضية”، ما يسهل التواصل مع الزملاء بدلاً من الخوض في صعوبة تحديد موعد مكالمة فيديو. وباستخدام رسائل الفيديو من “لوم” Loom، يمكن لعاملة تسجيل شاشتها وصوتها ووجهها ومشاركتها على الفور مع الزملاء -وهي طريقة أكثر فائدة من مكالمة الفيديو التقليدية؛ حيث يمكن تسريع الفيديو أو إعادة عرض جزء منه. ويتبع العاملون في “غيتلاب” يوم عمل “غير خطي” -حيث يقطعون العمل بفترات من الراحة. وبدلاً من التحدث إلى زملائهم عبر مكالمات الفيديو الحية، فإنهم يشاركون في “اتصال غير متزامن”، وهي طريقة أخرى للقول إنهم يرسلون لزملائهم في العمل رسائل فيديو مسجلة مسبقًا.
سوف يتطلب العمل المتكرر من المنزل أيضًا استخدام أجهزة جديدة، وتلاشي أنواع الأخرى. في الوقت الحاضر، تستضيف العديد من الشركات مراكز بيانات كبيرة، ولكن ثبت أنها تصبح أقل كفاءة بينما يعمل المزيد من الأشخاص من المنزل. ويعتقد بنك “غولدمان ساش” Goldman Sachs أن الاستثمار في البنية التحتية التقليدية للبيانات سينخفض بنسبة 3 في المائة سنويًا في الفترة 2019-25. وبدلاً منها، من المرجح أن تنفق الشركات المزيد على التكنولوجيا التي تسمح للعاملين بنسخ تجربة التواجد في المساحة المادية نفسها مع شخص آخر (على سبيل المثال الكاميرات والميكروفونات عالية الجودة). ويعتقد محللو التكنولوجيا الأكثر يوتوبية أن الناس سيتمكنون في غضون خمس سنوات من ارتداء مجموعة سماعات ونظارات الرأس التي تعرض الواقع الافتراضي، والانغماس في مكتب افتراضي -الإضاءة الشريطية، وكل ذلك.
هناك حياة أفضل
كل هذا له آثار واسعة النطاق على السياسة العامة. في الوقت الحالي، من المستحيل معرفة ما إذا كان العاملون من المنزل سيجدون أنه من الأسهل أو الأصعب المساومة مع صاحب العمل من أجل زيادة الأجور وتحسين الظروف، على الرغم من أن فكرة طلب علاوة من خلال دردشة الفيديو ليست جذابة. وقد يجد أرباب العمل أيضًا أنه من الأسهل طرد العمال عن بعد مما لو اضطروا إلى القيام بذلك وجهًا لوجه. وإذا كان الأمر كذلك، فقد تتزايد الدعوات للحكومات لمنح العاملين من المنازل حماية أكبر.
وهناك مشكلة أخرى تتعلق بقانون العمل، كما يقول جيرمياس آدامز براسل Jeremias Adams-Prassl من جامعة أكسفورد. فمثلما أدى ظهور اقتصاد الوظائف المؤقتة إلى إثارة تساؤلات وقضايا قضائية حول ما يعنيه أن يكون المرء موظفًا أو عاملاً عند نفسه، فإن زيادة شعبية العمل من المنزل تضغط على القوانين التي تم إنشاؤها حول افتراض أن الناس سوف يكدحون بعيداً عن المنزل في المكتب. ولم يفكر أحد حتى الآن في كيفية قيام الشركات بمراقبة وقت العمل التعاقدي في عالم لا تتم فيه مراقبة ساعة قدوم العامل فيزيائياً، ولا حول مدى قدرة الشركات على مراقبة العمال في المنزل.
لا يمكن بالتأكيد أن تكون المعارك حول مسؤوليات أصحاب العمل تجاه عمالهم من المنزل بعيدة عنا كثيراً. هل يجب على الشركة أن تدفع تكلفة اتصال العامل بالإنترنت أو كلفة تدفئته في نهاية فصل الشتاء؟ إن التعامل مع مثل هذه الأسئلة لن يكون سهلاً. ولكن، يجب على الحكومات والشركات اغتنام الفرصة. ويوفر الوباء، على الرغم من آثاره السيئة، فرصة نادرة لتجديد أسلاك عالم العمل ووصلاته.
 
*نشر هذا المقال تحت عوان: The future of the office