Sunday 17th of January 2021 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    04-Jan-2021

ماركس وأنجلز في الجزائر: تزكية الاستعمار الفرنسي وتجاهل جرائمه

 القدس العربي-إبراهيم مشارة

هذه نصوص مهمة صدرت عن دار الطليعة في بيروت في أغسطس/آب 1978 نقلها إلى العربية وقدّم لها جورج طرابيشي، وتأتي أهميتها في أنها لم تنقل من قبل إلى اللغة العربية، وما نقل إلى الإنكليزية أو الروسية وصدر في موسكو، حذفت منه فقرات، فهي نصوص محرجة، والذين لم يقرأوها من قبل كاملة سيصابون بالدهشة الشديدة حين يقرأون عن موقف ماركس وأنجلز من قضايا الاستعمار في شمال افريقيا، حيث كانت الجزائر ومنذ 1830 إحدى ضحايا التوسع الإمبريالي، ورغم المقاومة الشعبية إلا أن القوة الاستعمارية استطاعت توطيد أركانها في البلد، حتى أزفت ساعة الحرب الشاملة في 1 نوفمبر/تشرين الثاني 1954 لتستمر تلك الحرب أو الثورة الباهرة سبع سنوات ونصف السنة، كللت بإعلان النصر على الاستعمار وحلفائه.
صورة ماركس وأنجلزا صاحبا البيان الشيوعي عام 1848في هذه النصوص صورة صادمة، لأنهما زكيا الاستعمار الفرنسي للجزائر باعتباره شكلا من أشكال الهجرات، التي تنقل التمدين والتحضر إلى شعوب شبه بدائية أو شعوب متخلفة ـ بدو على حد تعبيرهما ـ وغير متحضرة، مثل الهجرات الأوروبية إلى أمريكا وأستراليا، حيث تطورت الحياة هناك بسرعة وأدى ذلك إلى بروز الحضارة والتصنيع والتقدم في هاتين القارتين الجديدتين، بفضل الهجرة الأوروبية. نظر ماركس وأنجلز إلى الاستعمار من وجهة نظر اقتصادية بحتة، حيث بدأت الثورة الصناعية وتضخم رأس المال، واحتاجت هذه الصناعة إلى العمال والموارد الأولية والأسواق، فبدأت تبحث عن حلول جدية لإنعاش الرأسمالية ونموها، فكانت الهجرات التي لا ينظر إليها المفكران الاشتراكيان إلا من وجهة نظر اقتصادية، مهملين الطابع الإجرامي لتلك الهجرات، ومستعملين كلمة غير مصطلحية لحقيقة ذلك الإجرام، كونه استعمارا يقوم على القتل والنفي والتشريد ومصادرة الأملاك، وإن أدانا شيئا من جرائم الاستعمار، فقد أدانا فقط القوة المفرطة والجشع المفرط.
لاشك في أن ماركس وأنجلز رأيا أن تلك الشعوب المتخلفة عاجزة عن إحداث الطفرة الصناعية والعلمية والاقتصادية، ومن ثم فإن الهجرة الأوروبية كافية لإحداث ذلك، وسوف تصبح تلك الدول قادرة على المرور إلى المرحلة الاشتراكية تحت مظلة مستعمريها، فلكي تصير اشتراكية لابد أن تصبح رأسمالية، وتعرف أزمات الرأسمالية، ولا يمكن أن تعرف الرأسمالية، إلا تحت جناح الاستعمار، حيث لا يسمياه كذلك، وإنما بكلمات أقل حدة ودلالة على المعنى الحقيقي. يقول جورج طرابيشي: «ولأن الصورة المكونة عن ماركس وأنجلز كانت أيديولوجية أكثر منها تاريخية وعقلانية، فقد ألبسا وهما ابنا القرن التاسع عشر، ثوبا جرى تفصيله في القرن العشرين على يد لينين منظر عصر الإمبريالية، وممذهب الماركسية وصانع شموليتها». ويسهب طرابيشي في تبرير الموقف الذي اتخذه ماركس وأنجلز من الاستعمار، وعدم إدانته صراحة في كونهما كتبا هذه النصوص قبل الإمبريالية، وبروز مسألة التحرير من منظور قومي.
فتصور ماركس للاستعمار عفا عليه الزمن، فالاستعمار هو استيطان المعمرين، وهو مظهر من مظاهر الهجرات الأوروبية إلى أمريكا مثلا.
إن تأويل ماركس للاستعمار هو اقتصادي صرف، يتعلق باستغلال الموارد الأولية والموارد الزراعية المواكب لتوسع الرأسمالية، ومن ثمة فإن ما يدان في الاستعمار الجشع المفرط والاستعمال المفرط للقوة، فإذا قتل فرد من الأهالي معمرا وقامت السلطات الاستعمارية بقتل دزينة من العرب الأبرياء لقاء ذلك المعمر، فالإدانة تتمثل في شجب نفسية الثأر والانتقام عند السلطات الاستعمارية والقتل المفرط للأهالي فقط، وتظل الكلمات التي تدور عند مثقفي القرن التاسع عشر، ومنهم ماركس وإنجلز عن الأهالي هي: البدو، قطاع الطرق، اللصوص، مع تعاطف بسيط مع الضحايا بكلمات مثل المساكين.فإدانة الاستعمار هي إدانة أخلاقية فقط فلا وجود للاستعمار كمشكلة سياسية لأن الحركات القومية والتحررية لم تظهر إلا في القرن العشرين، وكأن الإبادة للبشر وتدمير البنى الزراعية ونمط الإنتاج ناهيك عن تدمير ثقافة بأكملها لا يهم، مادام الاستعمار هو حركة تعمير في أرض مفتوحة. وقد انتظر العالم، حسب طرابيشي، حتى عصر لينين وروزا لوكسمبورغ ليكتب لينين مقاله عام 1913عن «أوروبا المتأخرة وآسيا المتقدمة» لتبرز فكرة القوميات وضرورة التحرر من الاستعمار.
هذه النصوص عربها طرابيشي نقلا عن الفرنسية، وقد ترجمها من قبل إلى هذه اللغة رينيه غاليسو وجلبير باديا، وهما من كبار الاختصاصيين في شمال افريقيا. والكتاب يضم بين دفتيه المقالات التالية:
ـ مقالة أنجلز عن الأمير عبد القادر
ـ مقالة أنجلز عن الجزائر
ـ مقالة أنجلز: الجزائر مدرسة عسكرية
ـ مقالة ماركس عن الجنرال بيجو
ـ تعليقات ماركس على كتاب كوفاليفسكي: «الملكية الجماعية للأرض أسباب انحلالها وتاريخه ونتائجها» ومنه الفصل المتعلق بنظام ملكية الأرض في الجزائر
 
رسائل ماركس من الجزائر
 
 
 
فالمقالة الأولى عن الأمير عبد القادر لأنجلز، كتبها بطلب من جريدة «نورثرن ستار» (نجمة الشمال) وقد كان وقتها مقيما في باريس عام 1848 يقول فيها «إن رأينا بالإجمال، هو أنه من حسن التوفيق الكبير أن يكون الزعيم العربي قد أسر، فقد كان صراع البدو بلا أمل، وعلى الرغم من أن الكيفية التي أدار بها الحرب جنود أفظاظ من أمثال بوجو تستأهل الإدانة الشديدة، فإن فتح الجزائر واقعة مهمة وموائمة لتقدم الحضارة». شيء غريب ما ورد في هذه المقالة، فالغزو صار فتحا والأهالي الأبرياء المدافعون عن أرضهم وعرضهم ووطنهم، صاروا شعبا من اللصوص وهم بدو لا حظّ لهم من حضارة ورقي، ومفردات أنجلز عن الأهالي هي: همجي، قاطع طريق، إقطاعي، والعذر الذي هو أقبح من ذنب أنه باحتلال الجزائر، كما يرى أنجلز، توقفت القرصنة في عرض البحر المتوسط وكأن الأوروبيين لم يمارسوا القرصنة في عرض البحر، بل إن روما ذاتها تاريخها كله استعماري، ولكن هذه هي حكاية الذئب الذي قال للخروف إنك تعكر الماء عليّ. قال الخروف: كيف ذلك وأنت تشرب أولا، ثم يصل إليّ الماء، قال الذئب: إن لم تعكره أنت فقد عكره أبوك. والمغزى من الحكاية أن الانتهاك والجريمة مخطط لهما، وبقيت الحجة أو التبرير، وهنا يقع أنجلز على تبرير واه «القرصنة» وهو عذر أقبح من ذنب، والغريب حقا أن يلوذ أنجلز بالمسيحية، وهو المتنكر للدين برمته فيلوذ بمصطلحات كفرسان مالطة، الروح المسيحية..
 
تصور ماركس للاستعمار عفا عليه الزمن، فالاستعمار هو استيطان المعمرين، وهو مظهر من مظاهر الهجرات الأوروبية إلى أمريكا مثلا.
 
حجب وإلغاء وإخفاء
 
وجدير بالذكر أن كثيرا من المقاطع المحرجة، تم حذفها في الطبعة التي ظهرت في موسكو، وهكذا لم يجد النظام الشمولي السوفييتي إلا عملية الحجب والإلغاء والإخفاء لمداراة هذه الفضيحة الفكرية، وكأن الحجب سيمتد إلى الأبد، فمصير الحقيقة أنها ستظهر.
أما المقالة الثانية فقد كانت عن الجزائر كتبها أنجلز عام 1857 بتكليف من الموسوعة الأمريكية الجديدة، ومعظم ما جاء فيها من معلومات جغرافية اقتبسه من معجم ويغانذ الصادر في لايبزغ، وفي هذا المقال المنشور في موسكو حذفت مقاطع، أو فقرات كاملة، لأنها تشكل إحراجا للفكر الاشتراكي، الذي يدعو إلى الإنسانية، ويدين الظلم والاستغلال والطبقية، ويناصر الحركات التحررية ويدعمها، فإذا بماركس وأنجلز يزكيان الاستعمار، ويدينان الأهالي، فهذا أنجلز ينتصر لبيجو على عبد القادر رمز الكفاح في شمال افريقيا يقول أنجلز: «وقد ثابر الفرنسيون على اللجوء إلى هذا الأسلوب الحربي الهمجي، إلى ضرب عرض الحائط بما توصي به الإنسانية والحضارة والديانة المسيحية». نسجل اعتراض أنجلز على ظاهرة الثأر عند الفرنسيين بعد قتل واحد منهم ورد المعمرين بقتل دزينة كاملة من الأهالي، ويقر أنجلز بفشل سياسة الاستيطان، ويشيد ببسالة الشعب الجزائري في مقاومته، فقد انتزعت المقاومة اعترافه، لكن في الوقت ذاته يبارك التعمير على حد وصفه، وقد حكم عليه بالفشل مستقبلا فأي تناقض هذا؟ ويصادق أنجلز على حادثة احتلال الجزائر لخلاف مع الداي، ويؤكد طرابيشي على أن حادثة المروحة مفتعلة، فالغرض استعمار ونهب وتخطيط قديم.
أما مقالة بيجو لكارل ماركس: فقد كتبها لصالح الموسوعة الأمريكية الجديدة، ونشرت في نوفمبر/تشرين الثاني عام 1857 وصف ماركس شعر بيجو بالطفح الشعري، وقد بدأ الجنرال بيجو حياته يحاول كتابة الشعر، لكنه يبدو أنه كان بعيدا جدا عن حقيقة الشعر وإلهامه ولذا كان شعره مصدر سخرية ماركس، وفي المقالة تقزيم للجهاد الجزائري في الحديث عن عبد القادر، وتزكية لمقولة الجنرال بيجو وسائر المعمرين، إن فتح الجزائر تم بالسيف والمحراث، أي التعمير والبناء وقد نصب تمثال للجنرال بيجو في شارع «أسلي» سابقا، «العربي بن مهيدي» اليوم، ونقشت في قاعدته هذه العبارة «بالسيف والمحراث» لكن عقب الاستقلال، تمت إزالة تمثال الجنرال ونصب تمثال للأمير عبد القادر.
ثم ترد في الكتاب مقالة: «الجزائر مدرسة عسكرية» لأنجلز كتبها عام 1860 وفيها إشارة إلى حمل العرب على قتال العرب، وهي استراتيجية عسكرية، لجأ إليها الجنرالات الفرنسيون، عقب انتشار المقاومات المسلحة وعدم خضوع الجزائريين للاستعمار كحتمية نهائية، وهذه الفكرة هي التي كانت وراء إنشاء فيلق الزواويين Zouaves.
أما المقالة الأخيرة فهي هواش ماركس على كتاب كوفاليفسكي «الملكية الجماعية للأرض أسباب انحلالها وتاريخه ونتائجها» نشر في موسكو عام 1879 وهي في الواقع ملاحظات ماركس على فصل خاص بالجزائر، وقد دافع كوفاليفسكي عن كون الملكية الجماعية هي نمط في الإنتاج الزراعي أدخله العرب، ويبدو هذا الأمر مجافيا للحقيقة، فالملكية الجماعية للأرض نمط كان معروفا لدى القبائل الأمازيغية، قبل الفتح الإسلامي، حيث تقوم الرابطة الاجتماعية على الدم (القرابة ) ويقر ماركس بأن الملكية الجماعية (المشاعية ) شجعت الميول الشيوعية في التفكير، ولا ندري هل هي شيوعية ماركس أم شيوعية من قبيل آخر؟
وأهم ما في الفصل المتعلق بالجزائر في هذا الكتاب، تبيان الكيفية التي دمرت بها فرنسا الاستعمارية البنى الزراعية والاجتماعية، ونمط الإنتاج لدى الشعب الجزائري، بنزع الملكيات الأسرية والجماعية، وتشجيع الملكيات الفردية، وأغلبها للمعمرين وعملائهم، وهكذا شتت صلة الفلاح بالأرض، وفتت الروابط الأسرية والاجتماعية.
وقد علق ماركس على ذلك بأنها لصوصية سافرة مسميا المعمرين ببنات آوى. وهذا الموقف يحسب له في فضح نوايا الاستعمار، لكنه في الوقت ذاته، يطرح تناقض الفكر الماركسي وازدواجية المقولات الماركسية. إن الجنرال نييل لاحظ في عام 1879 أن المجتمع الجزائري قائم على الدم (القرابة) وعليه وعن طريق تحويل الملكية العقارية إلى ملكية فردية، يتم بالضربة نفسها بلوغ الهدف السياسي بتدمير أسس ذلك المجتمع بالذات.
الفصل الأخير هو عبارة عن رسائل ماركس، التي كتبها وأرسلها من الجزائر، فقد حل بها للاستشفاء في 20 فبراير/شباط من عام 1882 وغادرها يوم 2 مايو/أيار من العام نفسه، لكن حالته الصحية لم تتحسن كثيرا، فقد كان يعاني من التهاب القصبة التنفسية وذات الجنب، وقد نصحه أطباؤه ورفاقه بمن فيهم أنجلز بالتعرض لشمس شمال افريقيا وهوائها المعتدل، ونفذ رغبتهم، لكن الجو في ذلك العام كان باردا وممطرا ومتلبدا واستثنائيا، فأقام على مضض ولم يتحسن كثيرا وقد حرر 16 رسالة إلى ابنتيه لورا وجيني ورفيقه أنجلز، يشكو فيها من تفاقم حالته، ويعبر عن رغبته في العودة إلى أوروبا، التي عاد إليها ليموت بعد ذلك بأشهر قليلة.