Friday 4th of December 2020 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    06-Nov-2020

الحروف المقطعة في القرآن إعجاز بياني موسيقي

 الدستور-أ. د. خليل الرفوع/ أستاذ الأدب العربي بجامعة مؤتة

 
قبل تنزل القرآن الكريم كان الشعر العربي قد نضج لغويا وفنيًّا، وكان علمَ العرب الذي حوى تاريخهم وفلسفتهم وأساطيرهم وفكرهم وأحلامهم، وكانت أسس ذلك الشعر اللغة والتصوير والإيقاع، وقد سمي بالشعر الغنائي لأنه يغنّى لحظة تأليفه ويدفع به للقيان ( المطربات) كي ينشدْنَه بمصاحبة العزف على الآت موسيقية تهدف إلى التطريب والاستمتاع، وفي جمالية هذا يقول حسان بن ثابت مشبهًا غناء الشعر بميدانِ تسابقِ الخيل حتى تصبح بالتدريب محكمة البناء:
 
تغنَّ في كل شعرٍ أنت قائلهُ
 
إن الغناء لهذا الشعر مِضْمارُ
 
وفي ذلك الشعر موسيقى داخلية من خلال تجانس الحروف وائتلافها إيقاعيا وكذلك من خلال انسجام الكلمات، وأما الموسيقى الخارجية فكانت متوافرة في لحن البحر الذي تُنْظَمُ عليه القصيدة وكذلك في تنغيم مقاطع القوافي الموحدة صوتيًّا، فكل قصيدة لها مقطع صوتي موسيقى تنتهي به، لا يجوز كسره أو كسر إيقاع البحر الذي لُحِّنتْ عليه.
 
فكانت الموسيقى الأساس الذي يميز الشعر؛ لذا كان انتشاره وحفظه سهلا، وكان أغلبه في تخليد أيامهم الحربية والغزل، وهما موضوعان إنسانيان، ولأنه غنائي لم نجد قصائد طويلة تزيد على مئة بيت إلا نادرا.
 
وحينما تنزّلَ القرآن الكريم مُفرّقًا على ثلاث وعشرين سنة تنزل على سَنَنِ العرب في التعبير، أي على أسلوبهم في نظم الكلام وتجويده، وكان للإيقاع الترتيلي (ورتل القرآن ترتيلا) أثر وجداني متوافق مع الميراث الشعري الذي قرّ في ذاكرة العرب، وحيثما قرأتَ القرآن ستجد إيقاعات صوتية في الألفاظ ونهايات الآيات، ومن هنا رافق قراءتَه التجويدُ : تنغيمًا وغنةً وإظهارا وإخفاءً وقلقلةً وقلبًا ومدودًا وتفخيمًا وترقيقًا.. وبالتجويد يقرأ القرآن، وقد عبر الرسول عليه السلام عن ذلك بقوله ( ليس منَّا مَنْ لم يتغنَّ بالقرآن) رواه البخاري، 7527. والتغني هنا تحسين الصوت ترنُّمًا وإعطاء كل حرف حقه، وأما التجويد فهو القراءة المحكمة. وفي حديث رواه ابن ماجه والنسائي وغيرهما (زينوا القرآن بأصواتكم) ويكتمل التغني والتزيين بالتجويد.
 
ولقد اُختلِف حول تفسير (الحروف المقطعة) في القرآن التي ذكرت في مطلع تسع وعشرين سورةً، بحرف واحد أو بحرفين أو بثلاثة أو بأربعة أو بخمسة، ذهب بعض العلماء إلى أنها سر الله في القرآن أو أنها من علم الله وحدَه لا معنى لها أو أنها من أسماء الله أو أن فيها إعجازًا عدديًّا،وقال بعضهم إنها من المتشابه الذي لا يجوز الحديث فيه، وهناك تفسيرات لا يمكن قبولها عقليًّا كقول بعض أهل البلاغة إنها من الابتداءت التي تجذب السامع ، وفي رأيي : أن جميع الحروف المقطعة هي إعجاز إيقاعي، وإنْ شئتَ فقل موسيقي، فكما يُعلم أن الموسيقى أنغام صوتية لا معنى لها بالمطلق لكن يمكن لأي متذوق أن يتخيل معنًى لها، وكذلك الحروف المقطعة ليس لها معنًى لكن سماعها منغّمةً يشيع في المستمع أو المتلقي معاني مطلقة كالفرح أو الحزن أو الأمل أو البكاء، ويعتمد ذلك على أمرين: حالة المستمع أولا، وقراءة المرتِل ثانيا.
 
إن حال الذي يستمع لموسيقى هذه الحروف أو يقرؤها منغمةً يشابه حال الذي لا يعرف اللغة العربية ويستمع لصوت القرآن، وكلا الفريقين لا يفهم دلالات معاني الحروف والألفاظ لكن وقعهما مؤثر، وهذا ملمح إعجازي يؤكد أن القرآن إلاهيُّ المصدر. وقد أسلم كثير من غير العرب لتأثرهم صوتيا بالقرآن الكريم،. والشعر العربي قديما يُقرَأ بالأذن لا بالعين، وربما أن المتلقِّي لا يفهم معاني المفردات بل يطرب للإنشاد أو للانسجام الصوتي، وكذلك مقاطع الحروف ليس لها معنى لكنها مؤثرة إذا قُرِأتْ بالتجويد أولا وبالتنغيم ثانيا، فمثلا: (ص) (الم) (كهيعص) تقرأ حروفها جميعا بمدودها وقلقلتها وهمسها وتفخيمها وترقيقها منغمةً لتصبح حين القراءة التنظيمية بالتجويد : (صاد)، (ألف لام مِيم)، (كاف ها يا عَين صاد)، ثم تعتمد قراءتها على طبيعة صوت القارئ وقدرته في إخراجها صوتيًّا بتنغيم إيقاعي مؤثر في الأذن والقلب معا، ولكل قارئٍ صوتُه الخاص، مثل : محمد رفعت أو محمود الحصري أو محمد صديق المنشاوي أو عبدالباسط عبد الصمد وغيرهم، ولكل منهم أثره الخاص وطابعه في التنويع الإيقاعي وديناميكية الصوت وغزارة التنغيم والإثارة الوجدانية.
 
وبعدُ، فإن ما يجمع الشعر العربي والقرآن جودة النظم والإيقاع الموسيقي وبلاغة العبارة والصورة الأدبية الفائقة مع الإشارة إلى أن مستوى التعبير القرآني أعلى منزلةً وأكثر جماليةً وأرقى بيانًا وأشد تأثيرًا في القارئ والمتلقي، وأما الحروف المقطعة ففيها إيقاع موسيقي مدهش يؤثر فيمن يقرأ ويستمع شريطة التجويد والتنغبم، وإذا كان الأمر كذلك وهو كذلك فإنها محمّلةٌ بطاقة جمالية تشحن المستمع بحالة نفسية وجدانية حسب تلاوتها وترتيلها دون تكلف أو إخلال بقواعد التجويد.
 
وحتى لا يَظُننَّ ظانٌّ أنني أقارب بين القرآن والموسيقى، أقول قولي هذا بعيدًا عن آلات العزف، أي أنني أتحدث عن : الأصوات تجانسًا وعذوبةً وجودةً وإيقاعًا وتنغيمًا جرَسيًّا وتأثرًا وتأثيرًا، فالحروف المقطّعة ليس لها معنى في ذاتها مكتوبةً، لكنها حينما ترتل أصواتًا تثير في المتلقي عواطف مطلقة من الفرح أو الحزن أو الخوف أو الأمل أو الهدوء أو التوتر بمستويات متباينة حسب صوت القارئ، ولعل هذا يذكرنا بالمقاربة بين أصوات هذه الحروف وبين أصوات الطيور أو الأنهار أو الأشجار أو همهمات الأطفال بما تثيره من تغيير للمزاج، ولجمالية القراءة القرآنية المتواترة لم يُرْوَ أن مشركي العرب قد أنكروا الحروف المقطعة في بداية تنزُّلها لما كانوا يستشعرونه فيها من دهشة صوتية تغري بالاستماع والاستمتاع وإعجاز بيانيٌّ موسيقي صدعتْ له آذانهم وقلوبهم.