Friday 18th of September 2020 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    13-Sep-2020

زهور ليليّة

 الشرق الاوسط-حيدر عبد المحسن

كاكاو، وحساء الشعير مع كثير من الزبدة والشاي بالفراولة، هذه الخلطة الغريبة من الطعام كان الأديب الروسي تشيخوف يحارب بها مرض السلّ، وصفها له الطبيب الألماني. في يومه الأخير كان يعاني من جفاف فظيع في لسانه، وكان يحسّ به كأنه قطعة من الجلد، وطلب من زوجته محلول ملح البرثوليت لمداواته، لكنها أرسلت في طلب الطبيب لأن تشيخوف بدأ يهذي.
 
نحن في شهر يوليو (تموز) من عام 1904، في مستشفى بادينفيلير بألمانيا وتشيخوف يتحدث عن بحّارة مجهولين وعن مواعيد سكك الحديد. أدرك الطبيب أن أجل الكاتب العظيم حان، لأن حقنة الكافور لم تأت بأي نتيجة. التمعت في عينيه دمعة لا إرادية واختار أن يسقيه شراباً، ولبّت إدارة الفندق طلبه بزجاجة شمبانيا وثلاث كؤوس. كان الفندق يسبح في صمت كبير وسكون عميق. أولغا، وهذا هو اسم زوجة تشيخوف، لا يكاد يرمش لها جفن، وكان في الجوّ رائحة عطنة غامضة، وتنبّه الطبيب إلى طوق الزعفران حول شعرها، وعلى عنقها دبّوس زينة.
 
دخل صبي الفندق الغرفة وكانت فيها أصوات نشيج يائس مخيفة ومؤثرة. كانت الزوجة تتابع الوضع بنظرات نافذة، وشفتين رفيعتين شاحبتين. حاول الطبيب أن يكتم فرقعة الزجاجة، وملأ ثلاث كؤوس. وضعت أولغا وسادة أخرى خلف رقبة زوجها، ثم جعلت يده (التي كانت تلهب أصابعها، كما ستكتب لاحقاً) تمسك بالكأس. تنبّه تشيخوف وتمتم:
 
«لم أشرب شمبانيا منذ وقت طويل».
 
حاول أن يتذكر أمراً. آه! إنه لم يكتب شيئاً منذ أنهى قبل أسبوع، وبمشقة بالغة، مسرحية «بستان الكرز». لم يسمع أي موسيقى أو غناء منذ الخريف الماضي، كما أن الأشياء التي يريد أن يكتبها غدت بعيدة جداً وخالية من المعنى. حتى هذه الكأس، عندما لا يستطيع أن يكتب عنها، كأنه لا وجود لها.
 
«ظننت أني سأموت أمس، واليوم الذي قبله، وقبله..»..
 
قال تشيخوف، وغزته نوبة سعال، أحسّ بعدها بشيء من الراحة، ثم بلّل شفتيه بالشراب وعاد إلى رقدته.
 
«طوال الشهور الماضية كانت تمزقني مسألة الجذور. الآن أنا بخير باستثناء ومضات تظهر أمام عيني. أريد أن أقبّل يدك الصغيرة، يا غاليتي..».
 
 
قال، واسترخى فمه داخل نور ابتسامته. كان يسمع الريح خلف النافذة، والطبيب يهجس نبضه يخفت لأنه بدأ يستسلم للألم. بذل جهداً كبيراً كي يرفع عينيه المطرقتين، وظهر عندها بسحنة بلون الزبدة وعينين زرقاوين باهتتين وشعر أحمر بلون القرميد، أما الطبيب فقد كان طويل القامة، معضّلاً، وله كتفان مربعتان وشارب شائك. كان من نوع الرجال الحيِييْن المرتبكين، شديدو التقدير لكلّ ما يحدث. منذ الصباح وهو يشعر بالنكد الدائم دون أن يفهم سبباً لذلك، وكان في مزاج سيئ طوال النهار ومستعد للعراك. تحسّن حاله بعد أن غسل جسده بالصابون، لكن الشعور بالنكد عاوده الآن. إنها المرة الأولى التي لم يفكّر فيها بالمال الذي يتقاضاه لقاء أتعابه، وأبعد عن ذهنه أنه سيطلب من الزوجة ثمن زجاجة الشمبانيا. حدّق في وجه الرجل الذي يحتضر، ولأنه طبيب مثله أحسّ بأن بشرته تشعر بالحزن بسبب مرضه، ولأنه كاتب القصص التي سلبت لبّ الجميع، ودّ لو أنه يحتضن هذا الجسد الضئيل، عندها سوف يشعر أنه يحتضن، مطمئناً، العالم بأكمله. فهمت أولغا من تعابير وجهه أنه يريد أن يكلمها. قال:
 
- عليّ أن أخبرك أن النهاية محتومة ومؤكدة.
 
- أتوسّل إليك أن تفعل ما بوسعك.
 
قالت أولغا، والتمعت الدموع في عينيها. كان الطقس في النهار مستقراً دافئاً وكانت الشمس قد بدأت في الانحدار، والنهار أخذ يبرد. النوافذ مغلقة في الغرفة، والنار مشتعلة في الموقد، وها هو الوابل يتدافع في الريح الليلية في النافذة. كانت أنفاس تشيخوف تتسارع غير أنه طلب من زوجته أن تفتح النافذة، وأحسّ بالريح تدنو وتلمس جبهته، وبعينين نصف مغمضتين ظلّ يحدّق في المدى المظلم. يا لها من مشاعر حبّ عميقة وهادئة، تلك التي أعادت الدماء إلى وجهه! غامت عندها أنداء السقم على محيّاه وصار متورداً كأنه شفي تماماً من المرض. رفع صوته قليلاً، قال: «عافاك الله! يا سعادتي، شكراً لك لأنك بهذه الطيبة. فلتكوني مرحة وسعيدة!».
 
سكت، وكان الأسى منعقداً بين عينيه حين تابع قائلاً:
 
«أنا متأكد يا عزيزتي أنك فنانة رائعة. بالنسبة للمخرج أنت متميزة، وبالنسبة للمؤلف أنت بالغة النفاسة، ولدي مفاجأة لك!» لم يكمل كلامه بسبب الوهن الشديد، وضاعت آخر كلماته وسط لهاثه الذي بدأ يخفت شيئاً فشيئاً بسبب ضعفه. ساد بعد ذلك جوٌّ من الصمت، وكانت الساعة الثالثة فجراً عندما دخلت فراشة بجناحين أسودين من النافذة، واتجهت مباشرة إلى اللمبة المضاءة.
 
في الخارج كانت السماء الصافية تحتضن غيمة يتيمة، وفي الداخل كان الموت يتفتح بطيئاً مثل زهور ليلية. كانت الغرفة موضبة على أكمل وجه، كما لو أن أحداً لم يقض ليلته فيها. كتبت أولغا في مذكراتها: «كان اضطراب الحياة اليومية غائباً، ولم يبق إلّا الجمال والدعة وجلال الموت». أما عامل الفندق الذي جاء بالشمبانيا فقد ذكر، وهو يصف تلك الليلة بعد سنين، «كان الطبيب يقف بجوار الحائط ساهماً. توجهّت إليَّ السيدة بالقول، وكانت تنتحب: إنه تشيخوف، وهو يحتضر. هل تستطيع أن تفعل شيئاً لأجله؟ الموقف في غاية الحراجة». الكلمات الأخيرة التي قالها تشيخوف يتذكرها الصبي جيداً. لقد عاد إليه صفاء صوته، ومثل عاشق ولهان قال: «أقبل يدك الصغيرة، وأنحني لاثماً قدميك الصغيرتين..».
 
أعادت السيدة الرجاء إلى العامل من أجل أن يصلّي. القديسون عديدون، لكن الصبي لم يكن يعرف إلى أي قديس يبتهل. اجتاح قلبه في تلك اللحظات حزن لم يجرّبه من قبل، وتمنّى أن يتمدد لا على الآجر المنثلم لأرضية الفندق، إنما تحت سماء فسيحة مرصّعة بالنجوم، ويصلّي بصوت عال صلاة ليست هي «أبانا» أو «السلام عليك يا مريم»، إنما صلاة أخرى من تأليفه هو. صلاة راهنة ملموسة وتعطي نتائج حتمية، تُشفي في الحال هذا الرجل الذي كان يحتضر، والذي يحمل الاسم ذا النبرة الساحرة: أنطوان تشيخوف!
 
- كاتب عراقي
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات