Sunday 17th of January 2021 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    31-Dec-2020

شخصية الرسول الأكرم في الشعر بين التقليد والتجديد

 الدستور-الدكتورة امتنان الصمادي/ جامعة قطر

 
لا شك أن تتبع صورة الرسول صلى الله عليه وسلم في الشعر العربي تندرج تحت تصنيف المدائح النبوية أو ما يعرف بالمَوْلِديّات بعيدا عن المدح المصنوع للتكسب كما عرفه الشعر العربي، وما التكسب فيها إلا من باب الضراعة وطلب الشفاعة.
 
وقد عد الدارسون المدائح النبوية فنا من فنون الشعر التي أسهم في نشرها التصوف، تعبيرا عن العواطف الدينية، وتنطوي على تعداد صفات الرسول صلى الله عليه وسلم وأخلاقه وبيان سيرته، متخذين من القرآن والسنة مصدرين أساسيين لهم. ولا شك أن ديوان الشعر العربي حافل بهذا اللون الشعري من المدائح عبر العصور، يسعى المادح إلى التوصل بالنبي مشيرا إلى حاجته له شفيعا، فيتطرق إلى التقصير في العبادات وكثرة الذنوب.
 
ويعد أول ظهور لشعر المديح النبوي ما ينسب إلى العباس عم الرسول صلى الله عليه وسلم قوله:
 
وأنت لما ولدت أشرقت
 
الأرض وضاءت بنورك الأفق
 
من هذه الصورة الفنية التي ترتكز على النور والضياء والإشراق تنبلج كل الصور الفنية التي تأتي بعدها حتى يومنا هذا. ولعل أقدم من مدح الرسول صلى الله عليه وسلم هو الأعشى رغم ما شاب قصيدته من التشكيك
 
نبيٌّ يرىْ ما لا ترونَ وذكرُهُ
 
أغارَ لعمري في البلادِ؛ وأنْجدَا
 
ومما اشتهر في مدح النبي الأكرم لامية كعب بن زهير التي أضحت نموذجا يحتذى في مسيرة شعر المديح حتى يومنا هذا، ومطلعها:
 
بَانتْ سعادُ فقلبي اليومَ مَتْبولُ
 
مُتَيَّمٌ عندَها لمْ يُجْزَ مكبولُ
 
وكذلك ما سطره حسان بن ثابت من مدائح نبوية تعلي الروح الدينية في عديد قصائده لا مجال لتناولها هنا. ومن القديم أيضا اشتهرت مدائح كعب بن مالك والفرزدق والشريف الرضي ودعبل الخزاعي وصولا إلى البوصيري في القرن 7 هـ الذي يعد من المؤسسين الفعليين للقصيدة المدحية النبوية التي تجسدها عدة قصائد أهمها البردة ومطلعها:
 
أمن تذكر جيــــــران بذي سلم
 
مزجتَ دمعا جرى من مقلــــة بـــدمِ
 
ورغم أنه ينتمي إلى العصر المملوكي الذي يتسم بالركاكة والضعف، إلا أن بردته أصبحت نموذجا يحتذى في الشعر المولدي العربي الحديث، موضوعا وإيقاعا وتصويرا. كما تجلت وفي الأندلس مدائح لسان الدين بن الخطيب والقاضي عياض وغيرها خير تجل في ذكر صفاته والتغني بخصاله والتقرب لشفاعته.
 
وصولا إلى العصر الحديث فقد استند من الناحية الفنية على المعارضات والتقليد في المديح النبوي وخاصة في بدايات عصر النهضة ومرحلة ما يعرف بالكلاسيكية، وكثيرون هم الذين عارضوا مدائح البوصيري وكعب بن زهير، حيث يفتتح هذا العصر بما جاد به البارودي على حركة الشعر العربي في مرحلة الإحياء، ومن أشهر ما قال:
 
(مُحمَّدٌ) خَاتَمَ الرسْلِ الذي خَضَعَتْ
 
لهُ البَريَّةُ منْ عُرْبٍ ومنْ عَجَمِ
 
وتلاه أحمد شوقي أمير الشعراء في معارضته لبردة البوصيري، حتى يمكننا القول إن لعصر النهضة الحديث الفضل في إعادة الرونق للمدائح النبوية.
 
كما تذكر كتب الأدب في بدايات عصر النهضة مدحيات الشيخ محمد عبدالمطلب، وغيره لدى عدد من المتصوفين، حيث اهتموا بالمديح النبوي تشكيلا ودلالة ورؤية، وتأثروا بالمديح النبوي كما عند البوصيري وغيره من القدامى، فتمثلوه معارضة وتناصا.
 
ولإبراهيم طوقان قصيدة أشواق الحجاز مشحونة بالوهج المنير والخصال العطرة للنبي صلى الله عليه وسلم ومنها:
 
ذِكْرَى الهَادِي والأمْجَاد
 
مِلءُ الوَادِي والأنْجَادِ
 
ومن المعاصرين الذين تغنوا بالحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم فاروق شوشة الذي وظف المناسبات الدينية ليصور ما تحياه الأمة الأسلامية من صراعات وانقسامات وتحديدا قضية فلسطين (مسرى الرسول صلى الله عليه وسلم) يقول:
 
أيُّ نجْمٍ لهُ كمثلِكَ أفْقٌ
 
حينَ أشرَقْتَ تُدْحَضُ الظلمَاءَ
 
ولم يبتعد البردوني كثيرا عن هذا الإيقاع المتشبث بالانتماء للحضرة المحمدية، ووصف حال الأمة المتعثر لأنه مبتعد عن سيرة الحبيب:
 
يا أحمد النور عفوا إن ثأرت ففي
 
صدري جحيم تشظّت بيـن أشعـاري
 
نحن اليمانين يا «طـه» تطيـر بنـا
 
إلـى روابـي العـلا أرواح أنصـار
 
وللسياب إضافة لرصيده الشعري المميز شكلا ومضمونا، قصيدة عمودية بمناسبة المولد النبوي، قالها عام 1961:
 
نبيَّ الهدى، كن لي لدى الله شافعاً
 
فإني، ككل الناس، عـانٍ محـيـَّرُ
 
ولا تؤشر المرحلة المعاصرة على نسج ثوب التجديد فيما يقال مدحا نبويا مرتبطا بمناسبة دينية خروجا على ما نعرف من خيط ناظم لمسيرة القصيدة المولدية إلا ما قدمته تجربة جائزة كتارا شاعر الرسول في الوقت الراهن من نماذج أفرزتها المسابقة في بعضها التميز والتفرد إلى حد ما عن كامل السياق السابق لهذا اللون المدحي المصطفوي ولعل في ذلك بعث القصيدة المحمدية بعد طول غياب، ومنها نجد في النماذج الفائزة ما يوضح صورة المدح النبوي ومساره فمن قصيدة الفائز الأول جمال بن عبدلله الملا «النبي» يقول:
 
أنسلُّ من عتْمة المعنى أغيب سدى
 
خلعت نعليّ لا ظلا ولا جسدا!
 
وللشاعر المصري أحمد بخيت في قصيدته «المشكاة « يتضوع مسك النبوة بطريقة بنائية مغايرة قليلا عما سلف:
 
هذا صِراطُكَ، هؤلاءِ مُشاةُ
 
سِفْرُ الحياةِ مَشيمةٌ ورفات
 
من ذلك كله يمكننا الخلوص إلى أهم مميزات هذا الشعر أنه، ينطلق من رؤية روحية لا تخلو من تجليات الصوفية، عبر التركيز على الحقيقة المحمدية التي تتجلى في التفرد والتجلي والنورانية. فسادت فكرة الإشادة بالرسول الأكرم سيد الكون والمخلوقات، وأفضل البشر خلقة وخلقا، وكينونته النورانية لذلك، يجدون الممدوح يستحق كل تعظيم وتشريف، وهو أحق بالتمثل، واحتذاء منهجه في الحياة.وقد تقاطعت النصوص في كثير من الأحيان مع شعر السياسي المجسد لواقع الأمة وضياعها وحاجتها إلى قبس من نوره للعودة إلى الطريق. ونلاحظ أن أغلب قصائد المديح النبوي القديمة والحديثة تعتمد الشكل العمودي لبناء القصيدة، والبحور العروضية الطويلة واعتماد التصريع والتقفية.
 
وتتسم القصائد النبوية الحديثة في المرحلة الكلاسيكية بتعدد الأغراض والمواضيع، على غرار الشعر العربي القديم، والسبب في هذا التعدد هو معارضة القصائد الأصلية، كقصائد البوصيري، وقصائد ابن الفارض، وغيرهما. فلا تخلو من اتساق لغوي على مستوى الظاهر، وانسجام على مستوى العمق الدلالي.كما يمتاز المعجم الشعري بالجزالة، وفخامة الكلمات، وقوة السبك، ورصانة الصياغة، وهيمنة المعجم التراثي، وعلى صعيد الصور لم تخرج على تكرار صورة الإشراق والنور والضياء، إضافة إلى أن بناء القصائد النبوية المعاصرة يقوم على ثنائيات الواقع المهين وكثرة الذنوب مقابل الطهر والنقاء، وكأنها استدعاء لتجليات هذا الطهر المقدس.
 
ويظل السؤال: هل الشعر المولدي الجيد هو الناقل للحقيقة والمجسد للصفات والأخلاق؟ أم أنها في حالة التماهي والتجلي الروحاني لقيمة خير البرية معنويا لا حسيا؟ لعل هذا ما جسده بعض الشعراء المعاصرين الذين مازجوا بين المديح والواقع المؤلم، من جهة والبحث عن الذات التائهة من جهة أخرى.