Tuesday 12th of November 2019 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    22-Oct-2019

“داعش” ينهض من الرماد: الغزو التركي لسورية يعزز انبعاث الجهادية

 الغد-ترجمة: علاء الدين أبو زينة

برَيان كاتز؛ ومايكل كاربنتر* – (فورين أفيرز) 16/10/2019
سيكون لدى “داعش” سرد جديد لينشره، حيث يضع نفسه كطليعة للمقاومة العربية السنية -سواء ضد الأتراك أو الأكراد أو الأسد أو كل ما سبق.
* * *
نجح تحالف عسكري بقيادة الولايات المتحدة في الإطاحة بالخلافة المعلنة ذاتيا لتنظيم الدولة الإسلامية في العراق وسورية، المعروف باسم “داعش”، في آذار (مارس) الماضي فقط. ومن الجدير بالملاحظة أن حوالي 2.000 جندي أميركي فقط شاركوا في هذا الجهد، وهو عدد ضئيل مقارنة بالجنود الذين تم نشرهم في العراق أو أفغانستان في ذروة تلك الحروب. وكان مفتاح النجاح في سورية هو أن الولايات المتحدة عملت “بِ، ومع، ومن خلال” قوات ميليشيا محلية، وبالتحديد “قوات سورية الديمقراطية”، التي تكوّن عمودها الفقري من الميليشيا الكردية المعروفة باسم وحدات حماية الشعب.
ومع ذلك، بمكالمة هاتفية واحدة مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، قيل إن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أعطى الضوء الأخضر لهجوم تركي يُشن على نفس الشركاء الأكراد، الذين كانت علاقاتهم الوثيقة بالمسلحين الأكراد في تركيا تثير قلق أنقرة منذ وقت طويل.
أمر ترامب بسحب القوات الأميركية التي كانت تقوم بتدريب قوات سورية الديمقراطية ومساعدتها كجزء من جهد للحفاظ على المكاسب التي حققها التحالف ضد “داعش”. وبعد ذلك، شنت تركيا حملة دموية بقصد إبعاد الأكراد عن الحدود التركية السورية. ومع تشتيت قوات سورية الديمقراطية، يبدو “داعش”، المتّسم دائماً بالتكيف والمرونة، مستعداً لاستغلال الفوضى الناجمة. وقد أثارت التقارير التي أفادت بأن مقاتلي “داعش” هربوا بالفعل من السجون التي يديرها الأكراد مخاوف من أن التطرف قد يصعد من الرماد في سورية.
الحقيقة هي أن “داعش” و”القاعدة” كانا يشهدان عودة جديدة حتى قبل انسحاب ترامب الأخير والغزو التركي –”داعش” في شرق سورية و”القاعدة” في غرب البلاد. والآن، مع توجه الولايات المتحدة إلى المخارج، واشتباك الأكراد في القتال ضد تركيا، وتركيز نظام الأسد وداعميه على أولويات أخرى، لا تتبقى أي قوة لمواجهة انبعاث التطرف في البلد. ولن ينجب المزيد من الصراع سوى المزيد من تأجيج التطرف، الأمر الذي سيؤدي مرة أخرى إلى زعزعة استقرار المنطقة ويشكل تهديدا لإسرائيل وأوروبا -وحتى الولايات المتحدة نفسها. وللأسف، سوف تعود سورية، بعد بضع سنوات من الآن، إلى الوضع الذي كانت عليه قبل الحملة ضد “داعش”: المعاناة من الفوضى والصراع، مع تصاعد الإرهاب.
العاصفة تتجمع
سقطت آخر قطعة من خلافة “داعش”، في الباغوز، سورية، في أيدي قوات التحالف في آذار (مارس). وقد وصل الأمر إلى انهماك قادة “داعش” في إعادة هيكلة مجموعتهم لتكون حركة تمرد ريفية. وكان عشرات الآلاف من المقاتلين الذين يدافعون عن معاقل “داعش” في وادي نهر الفرات قد لقوا مصرعهم -لكن آلافا من الآخرين تراجعوا إلى ملاذات آمنة في الريف السوري والعراقي وتمكنت من البقاء. ومن بين هؤلاء كان قائد المجموعة، أبو بكر البغدادي.
أمضى “داعش” الأشهر الأخيرة في إعادة تجميع صفوفه في ملاذات ريفية، وشن هجمات وحرب عصابات على دوريات قوات سورية الديمقراطية، وجمَّع قواته لشن هجمات لاحقة على مدن وبلدات مهمة. وفي الرقة ودير الزور، تقوم خلايا “داعش” السرية بجمع المعلومات الاستخباراتية لمساعدة المجموعة في التخطيط لعمليات الاغتيال والهجمات الانتحارية وعمليات الاختطاف. وتهدف هذه العمليات إلى القضاء على قادة قوات سورية الديمقراطية القادرين، والضغط على زعماء العشائر العربية للعمل مع “داعش بدلاً من قوات سورية الديمقراطية. وباختصار، يقوم “داعش” بتهيئة ساحة المعركة عسكرياً، وسياسياً ونفسياً، حتى يتمكن من الانتقال إلى الهجوم بمجرد انسحاب التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة.
وبالمثل، يتكيف تنظيم القاعدة ويستجمع القوة في غرب سورية. وقد ازدهرت المجموعة في فوضى محافظة إدلب، آخر معاقل المعارضة المتبقية، والتي تعرضت لهجوم القوات الموالية للنظام في وقت سابق من هذا العام. واليوم، أصبحت إدلب التي كانت ذات يوم موطناً لمزيج من الجماعات المعتدلة والمتشددة والمتطرفة، معقلاً للجهاديين السلفيين الذين تهيمن عليهم جماعة “هيئة تحرير الشام” التي ارتبطت سابقاً بتنظيم القاعدة. وقد انفصل كادر من قدامى المحاربين القدامى في تنظيم القاعدة عن “هيئة تحرير الشام” في العام 2017 لتشكيل مجموعة جديدة تسمى “حراس الدين”. وتحت إشراف زعيم القاعدة، أيمن الظواهري، كرست هذه المجموعة نفسها، أولاً وقبل كل شيء، لمهاجمة الغرب. ووجدت مجندين راغبين من بين الآلاف من المقاتلين المتحالفين أيديولوجياً الذين قسّتهم المعارك في إدلب.
زاد نظام الأسد الأمور سوءاً في إدلب باتباعه قواعد كتابه القديم في حمص وحلب وضواحي دمشق. وبدعم من إيران وروسيا، سعت قوات الأسد إلى زيادة الخسائر المدنية إلى أقصى حد من أجل ترهيب السكان وإجبارهم على الخضوع. وقد أسفرت هذه التكتيكات عن تحقيق انتصارات قصيرة المدى في ميدان المعركة، لكنها ستؤدي على المدى الطويل إلى تطرف السكان المحليين وتوفير الشرعية والملاذ والقوى العاملة لتنظيم القاعدة. وبالإضافة إلى ذلك، ومن أجل زيادة الضغط على إدلب، اضطرت القوات الموالية للنظام إلى تقليص العمليات ضد “داعش” في وسط وجنوب شرق سورية. كما ركزت روسيا اهتمامها على إدلب، في حين أن إيران وحزب الله يهتمان أكثر بالتحضير لحرب محتملة مع إسرائيل -وكل ذلك يعطي “داعش” مساحة أكبر لإعادة تجميع نفسه.
لقد أتيحت لـ”داعش” و”القاعدة” فعلياً فرصة لإعادة بناء نفسيهما بفضل فك الارتباط الأميركي. وابتداء من نيسان (أبريل)، بعد سقوط الخلافة، خفضت الولايات المتحدة وجودها في سورية بمقدار النصف، إلى 1.000 جندي. وذكرت وزارة الدفاع الأميركية في آب (أغسطس) أن “تخفيض القوات الأميركية قلل من الدعم المتاح للقوات السورية الشريكة”، وأن قوات سورية الديمقراطية لم تعد قادرة على “إدامة عمليات طويلة الأمد ضد مقاتلي ‘داعش’”.
الآن، أصبح الدعم الأميركي للقوات الكردية في شرق سورية، والذي شمل التدريب المتخصص في الدوريات والشرطة والحكم وجمع المعلومات الاستخبارية، مقبلاً على الانتهاء بالكامل مع مغادرة القوات الأميركية. كما أن الوضع في غرب سورية قاتم بنفس المقدار: فقد اعتادت الضربات الجوية الأميركية من حين لآخر على استهداف قادة تنظيم القاعدة في إدلب، بمساعدة المعلومات الاستخباراتية التي تجمعها القوات المعتدلة على الأرض. لكن الولايات المتحدة قطعت الدعم عن مقاتلي المعارضة هناك في العام 2017، ولم تتمكن منذ ذلك الحين من إحباط السيطرة الجهادية.
صعود المتطرفين
يساعد غزو تركيا لسورية في جعل انبعاث “داعش” حقيقة واقعة. والهدف الأسمى لأنقرة هو إبادة شبه دولة “روجافا” الكردية في شمال سورية، التي تعتبر حالياً حصناً منيعاً ضد سيطرة “داعش” على تلك المنطقة. وفي مواجهة هذا التهديد الوجودي، ستستخدم وحدات حماية الشعب بالتأكيد صلاتها الوثيقة بالمسلحين الأكراد داخل تركيا لتكثيف التمرد الكردي هناك. وسوف تحول وحدات حماية الشعب انتباهها عن قمع “داعش” إلى قتال تركيا.
يبدو أن قوات سورية الديمقراطية قد أصبحت مسبقاً غير قادرة على تأمين الآلاف من مقاتلي “داعش” المحتجزين لديها. كما لا يمكنها الاحتفاظ بعشرات الآلاف من أفراد عائلات “داعش” الذين كانت تحتجزهم في مخيم الهول للاجئين تحت حراسة أمنية مشددة، ومن دون دعم دولي تقريباً. وإذا ما اجتاحت الفوضى شمال شرق سورية في الأشهر المقبلة، فسيكون بإمكان “داعش” أن يستولي مرة أخرى على مساحات شاسعة من الأراضي لإقامة خلافة جديدة، وإرسال مقاتلين عبر الحدود غير المؤمنة لتنفيذ هجمات إرهابية.
يدفع الهجوم التركي قوات سورية الديمقراطية أيضاً إلى عقد صفقة مع دمشق. ويهدف نظام الأسد إلى إعادة تأكيد سيادته على كل سورية ومنع المزيد من الغارات الأجنبية. وعلى هذا النحو، تشترك الحكومة السورية مع قوات سورية الديمقراطية في رؤية تركيا كعدو مشترك، وقد تعاون الطرفان في بعض الأحيان طوال الحرب الأهلية. ففي حلب في العام 2016، عملا معاً للقضاء على ما تبقى من المعارضة السورية في شرق المدينة. وفي مقابل الحصول على دعم النظام ضد تركيا، وربما نوعٍ من الوضع شبه المستقل لروجافا، قد تكون وحدات حماية الشعب على استعداد للسماح للأسد برفع العلم السوري وممارسة السلطة الاسمية في المدن التي يسيطر عليها الأكراد. ويبدو الأكراد مستعدين مسبقاً للتنازل عن السيطرة على بلدات منبج وكوباني الشماليتين، ومواقع المعارك المحورية ضد “داعش”، للنظام والقوات الروسية.
سوف تدفع مثل هذه الصفقة إلى عودة ظهور “داعش”. وكان الكثير من العرب السنة في شرق سورية قد تمردوا على الأسد واعتبروا وحدات حماية الشعب مغتصبين. وبالنسبة لهؤلاء السكان، لن تنبئ صفقة تبرمها وحدات حماية الشعب الكردية مع دمشق بخير. وسيكون لدى “داعش” سرد جديد لينشره أيضاً، حيث يصوِّر نفسه كطليعة للمقاومة العربية السنية -سواء ضد الأتراك، أو الأكراد أو الأسد، أو كل المذكورين جميعاً.
سوف يستغل داعش الإحباط العربي السني العربي لكسب الدعم الشعبي بغض النظر عما تختار قوات سورية الديمقراطية أن تفعله. قبل الغزو التركي، كانت قوات سورية الديمقراطية تعمل، بتشجيع من الولايات المتحدة، تعمل على تحسين علاقاتها مع السكان العرب الخاضعين لسيطرتها. وكانت الحملة المناهضة لـ”داعش” قد دمرت المناطق المأهولة بالسكان العرب في المنطقة، وكان السكان المحليون هناك متشككين في وحدات حماية الشعب، لكن المجموعة كانت تتخذ خطوات نحو إدارة أفضل وأكثر شمولاً. ومع اشتباك وحدات حماية الشعب مع تركيا، سوف تنهار جهود الحوكمة هذه ويتصاعد التوتر بين الفصائل الكردية والعربية وربما تلك المدعومة من النظام. وفي العام 2013، عندما ثارت مدينتا الرقة ودير الزور ضد الأسد، استغل “داعش” الفوضى الناتجة عن طريق طرح نفسه باعتباره المجموعة الوحيدة القادرة على توفير الأمن والعدالة. ومن المحتمل أن تكون هذه هي خطته اليوم.
الأشياء تتداعى
من هو الذي سيسيطر على هذا المرجل الجهادي بمجرد انسحاب الولايات المتحدة؟ الجواب: ربما لا أحد. فبعد ثماني سنوات من الحرب التي تبلغ ذروتها في إدلب، أصبح الجيش السوري يفتقر إلى القوة البشرية والدافع لخوض معركة أخرى. كما أن إيران وحزب الله مرهقان من الحرب ولن يكونا راغبين في محاربة “داعش” منبعث من جديد -إلا إذا هددت المجموعة مواقع رئيسية في غرب سورية وعلى طول الحدود اللبنانية. وبالإضافة إلى ذلك، سوف يمكِّن السماح للتهديد الجهادي بالتجدد في سورية كلتا القوتين الشيعيتين من تبرير الحفاظ على تواجد مستمر لمكافحة الإرهاب هناك، والذي سيكون هدفه الحقيقي هو الاستعداد لخوض صراع مع إسرائيل.
ومن جهتها، ليس لدى روسيا الكثير من الحوافز أيضاً لمواجهة الجهاديين الناهضين. ويريد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن يصبح وسيط القوة الذي لا غنى عنه في الشرق الأوسط. وهو أقل اهتماماً بتدفقات اللاجئين وتصاعد التطرف وعدم الاستقرار الإقليمي. بل على النقيض من ذلك، كلما أصبحت سورية أكثر هشاشة، زادت قوة بوتين في المنطقة.
كمسؤولَين في البنتاغون، كنا قد شاركنا في المفاوضات مع روسيا مسألة وقف الأعمال القتالية في سورية في العام 2016. وقد فهم مسؤولو الجيش والمخابرات الروس على طاولة التفاوض أن التكتيكات العسكرية الوحشية لنظام الأسد كانت تدفع السنة إلى التطرف وتوجههم نحو مجموعات مثل “داعش” و”القاعدة”. لكن موسكو رأت أن الفوز في الحرب لصالح الأسد هو هدفها الأساسي، ورأت في نمو الجماعات الإرهابية مشكلة لخصومها -أوروبا والولايات المتحدة- أكثر من كونها مشكلة لها هي.
الآن، بعد عقود من تورط الولايات المتحدة في نزاعات الشرق الأوسط، والتي تسببت لها بخسائر لا حصر لها، واستنزفت مواردها الاقتصادية، وصوّرت الولايات المتحدة كقوة محتلة، فإن الأميركيين محقون في الحذر من أن يعلقوا في حروب لا تنتهي أو الانخراط في بناء دولة لا يمكن الدفاع عنها. لكن التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة، والذي أطاح بالخلافة الإقليمية لـ”داعش” في وقت سابق من هذا العام كان من بين التحالفات الأكثر كفاءة وفعالية من حيث التكلفة في التاريخ. وهكذا، لا يقتصر الأمر الآن على تخلي إدارة ترامب عن مكاسبها التي تحققت بشق الأنفس من خلال سحب القوات الأميركية والتخلي عن الشركاء الأكراد؛ سوف يكفل هذا فقط عودة ظهور تهديد التطرف للمنطقة وأوروبا والولايات المتحدة. وقريباً، سيتعين على الولايات المتحدة أن تتعامل مع العواقب الوخيمة لهذا القرار.
 
*برايان كاتز: زميل برنامج الأمن الدولي بمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية. عمل سابقًا كمدير قطري لسورية في مكتب وزير الدفاع ومحللاً عسكرياً يركز على الشرق الأوسط في وكالة الاستخبارات المركزية.
*مايكل كاربنتر: المدير الإداري لمركز بن بايدن للدبلوماسية والمشاركة العالمية، كما شغل منصب نائب مساعد وزير الدفاع لشؤون روسيا وأوكرانيا وأوراسيا من 2015 إلى 2017.
 
*نشر هذا المقال تحت عنوان: ISIS Is Already Rising From the Ashes
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات