Friday 18th of September 2020 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    09-Sep-2020

مجالس الأدباء مع الملك عبدالله الأول ابن الحسين

 الراي- وليد سليمان

مع قدوم الأمير عبد الله الأول ابن الحسين واستقراره في عمان منذ العام 1921 فقد أظهر اهتماماً بالأدب والأدباء والشعراء, فجمع من حوله وفي بلاطه عدداً من سياسيي العرب وأدبائهم وكتابهم وشعرائهم الذين وفدوا إليه.
 
ويذكر المؤرخ الشهير » سليمان الموسى» في بعض مؤلفاته التاريخية انَّ
 
الأمير عبد الله الأول- الملك المؤسس- كان مشجعاً للشعراء والأدباء للقدوم إلى الإمارة الأردنية.
 
فكان من أبرز الشعراء الوافدين على عمان خير الدين الزركلي ومصطفى الغلاييني وعبد المحسن الكاظمي وفؤاد الخطيب وتيسير ظبيان ومحمد الشريقي ومحمد أديب العامري.
 
أما الشعراء الأردنيون فمنهم مصطفى وهبي التل «عرار» وعبد المنعم الرفاعي ورفعت الصليبي وحسني فريز وحسني زيد الكيلاني وعيسى الناعوري ورشيد زيد الكيلاني.
 
أما الأدباء فهم أديب عباسي وروكس بن زائد العزيزي ويعقوب العودات وأمين أبو الشعر.
 
وقد حفل قصر رغدان العامر في عمان والمشتى في الشونة بالمساجلات الشعرية بمشاركة الأمير وبعدد من الشعراء، إضافة إلى مناقشات دينية وعلمية، ومطارحات أديبة وحوار سياسي, إذ كانت المجالس تضم عدداً من رجال العلم والأدب والشعر والوزراء وكبار الموظفين.
 
ووصف الأديب عيسى الناعوري مجالس الأمير الشعرية والأدبية بقوله:
 
كانت شرق الأردن وقصر الأمير بشكل خاص ملتقى الأدباء العرب وشعرائهم الزائرين.. يستقبلهم الأمير ببشاشته ويطارحهم الشعر.. فكانت مجالس الأدب تتناقل أخبارها ومساجلاتها الشعرية الصحف والمجالس الأدبية.
 
وكان الأمير عبد الله يحب سماع الغناء القديم والموسيقى, ويفضل سماع الموشحات؛ فقد حضر إلى عمان سنة 1940 م المطرب محمد البكار لإحياء بعض الحفلات, فاستدعاء الأمير الى قصره, حيث أنشد فيها المغني محمد البكار بعض المقطوعات الشعرية لعمر بن أبي ربيعة، ولغيره من الشعراء القدامى.
 
وهكذا نشأت في عمان خلال تلك الفترة القديمة وخاصة في بلاط الأمير عبد الله بن الحسين حركة فكرية وثقافية وأدبية وشعرية, رعاها الأمير عبد الله بنفسه, وكان لهذه الحركة أهمية كبيرة في إثراء الحياة الثقافية في بلاد الإمارة.. حيث انعكس على ذلك على الحياة الاجتماعية في المدنية, برصدها كثيراً من الظواهر الاجتماعية للمجتمع العماني نتيجة تأثرها بالأوضاع الاقتصادية والاجتماعية للمواطنين.
 
الصحفي تيسير ظبيان
 
أما الصحفي الكبير تيسير ظبيان صاحب جريدة الجزيرة الاردنية فقد جاء في كتاب ذكرياته القديم والذي كان بعنوان"الملك عبدالله الأول كما عرفته"ما يلي:
 
لم تكتحل عيناي في جميع سني حياتي بمشاهدة مجلس أبهى وأشد هيبة وأرفع قدراً, وأنبه ذكراً، وأطيب أثراً، وأوقع في النفس، وأحب إلى القلب من تلك المجالس الخاصة التي كانت تُعقد من حين لآخر في قصر رغدان أو بسمان أو المشتی (في الشونة) برعاية الملك عبدالله بن الحسين؛ لِما كان يدور فيها من مساجلات شعرية، ومطارحات أدبية، ومناقشات دينية وعلمية، وحوار سياسي على مستوی رفيع.
 
وكانت تضم هذه المجالس نخبة من عيون أهل الفكر، وجهابذة العلم، ورجال الأدب والشعر بالإضافة إلى جمهرة الوزراء وكبار المسؤولين وبعض الأدباء والمفكرين الذين كانوا يفدون من الأقطار العربية الشقيقة أمثال: عمر أبي ريشة وعبدالمحسن الكاظمي وإسعاف النشاشيبي وكامل شعيب العاملي وعبدالله النجار وحبيب جاماتي ويوسف حنا.
 
وكان الملك بما أتاه الله من ذكاء وقَّاد، وذاكرة قوية، وبما حباه به من طلاوة في الحديث، ورشاقة في الأسلوب، وسرعة في البديهة، وبما كان يتمتع به من اطلاع واسع، ودراسات خاصة، واستظهار لآي الذكر الحكيم والأحاديث الشريفة، وحفظ للجيد المختار من أشعار العرب ونثرهم، ووعي لأخبارهم يضفي على تلك المجالس جواً من الوقار والجلال, مشوباً بشيء من الفكاهة والمرح.
 
وقد يستغرق المجلس الساعة والساعتين أو الساعات الطوال فلا نشعر بأية سآمة أو ملل؛ بل نتمنى لو أن تلك المجالس (وكان أكثرها يعقد في المساء) قد طالت حتى بزوغ الفجر.. وكثيراً ما كانت تدبج فيها المقالات وتنطلق الألسنة بروائع الشعر والنثر.
 
وكان الملك راوية للشعر من الطراز الأول ولا سيما الشعر القدیم، وحين كنا نستمع إليه نحس كأننا نستمع إلى روايات الأصمعي أو أبي عبيدة، وطالما وقفنا مشدوهين حیال بعض القصائد والأبیات التي كنا نسمعها لأول مرة ولا نعرف أصحابها.
 
وقد علمت أن الفقيد كان يحفظ عن ظهر قلب مفضليات الضبي وجزء غير يسير من ديوان الحماسة لأبي تمام والأغاني للأصفهاني والعقد الفرید.
 
امتحان شعري صعب
 
وعلى سبيل المثال يقول ضبيان: أذكر أنني دعيت ذات مرة لتناول طعام الإفطار في شهر رمضان المبارك عام 1939 على مائدة جلالته، وكان من عادته أن يوجه في كل يوم من أيام الصيام دعوة إلى فريق معين من رجال الحكم أو فئة من طبقات الشعب.. وكانت المأدبة التي دعیت إليها في تلك الأمسية خاصة بقواد الجيش وكبار ضباطه، وقد حضرها بعض رجال الحاشية.
 
وما كاد المدعوون يأخذون أماكنهم حول المائدة ويباشرون بتناول الطعام حتی بادر جلالته بقوله: إن في الشعر العربي القدیم مقطوعات فريدة تنطوي على أجمل المعاني وأسمى الغايات وهي بأسلوبها الجزل، وديباجتها المشرقة. وألفاظها المنتقاة تصلح لأن تكون نبراساً لتوجيه الأمة ومنهاجاً للعمل.
 
ثم تابع جلالته حديثه قائلا: وأنه ليحضرني في هذا المقام مقطوعة شعرية قديمة رائعة لا أدري من قائلها وهي:
 
نذودهم عنا بمستنة
 
ذات عرانين ودفاع
 
كأنهم أسد لدى أشبل
 
ينهتن في غيل وأجزاع
 
حتى تجلّت ولنا غاية
 
من بين جمع غير جماع.
 
وقد ألقاها جلالته بنبرة قوية ولهجة حماسية ثم أردف قائلا:
 
من منكم يا رجال القلم والأدب والشعر يستطيع أن يشرح لنا هذه الأبيات ويفسر ألفاظها الغريبة ومعانيها الدقيقة؟!.
 
وكان جلالته يوجه كلامه إلى بعض الذين حضروا المأدبة من المدنيين أذكر منهم السادة: محمد الأنسي رئيس الديوان الملكي، والشيخ حمزة العربي الإمام الخاص لجلالته، والأستاذ عبد المنعم الرفاعي الشاعر المعروف، والأستاذ صبحي زيد الكيلاني صاحب جريدة الوفاء التي كانت تصدر في ذلك الحين، وكاتب هذه السطور.
 
والواقع أن أحدا منا لم يستطع أن يتفهم تماماً المعاني التي تنطوي عليـها هذه الأبيات!! وأخذنا نخبط خبط عشواء، والتمست من جلالته أن يسمح لنا بمراجعة معاجم اللغة بعد انتهاء الطعام لأن اللغة العربية خضم واسع ليس من السهل ركوب غاربه.
 
فأبی جلالته قائلاً: لا لن أسمح لكم بمراجعة المعاجم وعليكم أن تعترفوا بأنكم سقطتم في هذا الامتحان!! ولمَّا انتهى الطعام نهض جلالته ونهضنا معه وسرنا إلى غرفة الاستقبال فأمسك جلالته بسماعة الهاتف واتصل بالشيخ فؤاد الخطيب في منزله وطلب إليه الحضور حالاَ.. فاعتذر بسبب انحراف صحته.. فقال له جلالته: إن لديّ طائفة من الأدباء عجزوا عن شرح بعض الأبيات فهل لك أن تشرحها لنا وأنت شاعرنا وإمامنا في اللغة؟؟ وأملاها جلالته عليه فاستمهله الشيخ بضع دقائق لكي يعود إلى المعجم، فابتسم جلالته وخاطبه قائلاً: لقد سقطت أنت معهم یا شيخ فؤاد في هذا الامتحان!.
 
وهنا تفضل جلالته فشرح لنا الألفاظ الغريبة في هذه الأبیات والمعاني التي يقصدها الشاعر وقد تبين أن (المستنة) هي قطعة من الجيش. وكنا نعتقد أنها مشتقة من السنان أي الرمح و(العرانين) هم قواد الجيش. وقد فسرناها نحن بالأنوف...الخ.
 
جريدة الجزيرة والنهضة الأدبية
 
أمَّا عن جريدة (الجزيرة) فقد لعبت دوراً رئيساً هاماً في تنشيط الحركة الأدبية في الاردن, فقد عمدت إلى إلهاب مشاعر الشباب، واستثمار مواهبهم وشحذ أقلامهم فكانت أشبه بحديقة فيحاء أو جنة غناء تتألق فوق أفنانها غرر الشعر، وتزدهر على صفحاتها روائع النثر، وتتبارى في جنباتها الأقلام والقرائح، وكان جلالته يرعى هذه الحركة الناشطة بحسن توجيهه وتشجيعه، ويغذيها بما كان ينفح به الجريدة من كلمات وقصائد وتعلیقات.
 
في الأغوار الأردنية
 
ويقول تيسير ضبيان: بينما كنت ذات ليلة في الغور على تعطش للغيث بعد جفاف في السنة كلها، وبعد أن أخذ القنوط بالناس كل مأخذ.. وأنا ومثقال ابن فايز في مضربي بالزور.. واذا بالبرق يلمع من وراء جبال (نابلس) وهو آخذ ذات اليمين يضيء ویتبلج.. ثم ما زال يتتابع حتى سمعنا رعدة، ثم غشينا رُبَّانه، ثم أنهمر، ثم سال فحلَّ البِشر محل القنوط وكان الشهر رمضان المبارك عام 1352.
 
فاجتمعنا في الخيمة وكان المنظر من الروعة والبهجة فوق حد الوصف..
 
فوقع كثير من الصحاب زالقاً من أثر الغيث، فعلى اثر هذا جاءت هذه القصيدة:
 
آهٍ للبرق أضاء/ أيمن الغور عشاء
 
عنّ علوياً فلم/ يهدنا الا العناء
 
واصفاً تلك الوجوه/ العربيات الوضاء
 
يا له من ضاحك/ علَّم عيني البكاء
 
كان لي داء/ وللأطلال أقوين دواء
 
من رأى جذوة نار/ قبله تحمل ماء
 
صنعة الرحمن ربي/ قدّر الله فشاء.
 
تهنئة شاعر والرد عليها
 
وبعث الشاعر اللبناني الكبير حليم دموس بطاقة تهنئة بالعيد الى الملك عبد الله الأول رُسمت صورة جلالته في إحدى زوايا البطاقة، وفي زاوية أخرى كتبت كلمة (كرم), وكتبت الابيات التالية في وسطها، وفي أسفلها توقيع الشاعر، أما الابيات فهي:
 
هذه البطاقة يا مولاي من كرم
 
زهت برسم مليك الجود والكرم
 
نجل الحسين زعيم العرب قاطبة
 
نجل النبي العظيم المفرد العلم
 
عادت إليك أيا زين الملوك كما
 
يعود للبحر ماء السحب والديم
 
فأقبل عواطف من يرجو الخلود لكم
 
بالتاج والعرش والصمصام والقلم.
 
فأملى الملك ارتجالاً على أحد موظفي المقر القصيدة التالية من نفس البحر والقافية:
 
سحت سحابة شعر فاض عن ألم
 
لطول عهد مضى عن جيرة الحرم
 
وأقبلت وهي عجلى تجتلي خبراً
 
عن الأحبة إذ كانت بذي سلم
 
بقول عادت أيا زين الملوك كما
 
يعود للبحر ماء السحب والديم
 
صدقت عادت بأجزاء مجزأة
 
وسوف ترجع مع أصل الى العلم
 
إن العروبة تعلو يوم وحدتها
 
كيما تصول وفيَّ عهدٌ لم ينم...الخ.
 
 
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات