Wednesday 25th of November 2020 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    28-Oct-2020

فيتنام تحارب “كوفيد” من دون وضع الاقتصاد في مواجهة الصحة

 الغد-تران لو ثوي* – (الغارديان) 20/10/2020

ترجمة: علاء الدين أبو زينة
 
بدا أن بلدي يحتوي على جميع المكونات اللازمة لحدوث كارثة بسبب فيروس كورونا. ولكن ما الذي فعله بالشكل الصحيح؟
عندما تم الإعلان عن ظهور أول حالات “كوفيد” في فيتنام، تم اتخاذ تدابير احترازية أعلى وأبعد من توصيات منظمة الصحة العالمية، بما في ذلك طلب تقرير صحي وفحص درجة الحرارة في كل نقطة دخول حدودية، ووقف الرحلات الجوية من وإلى ووهان. وتم تنفيذ الاستعدادات للوباء قبل أسبوع من إعلان تفشي المرض رسميًا كحالة طوارئ صحية عامة تثير قلقًا دوليًا، وقبل أكثر من شهر من إعلان منظمة الصحة العالمية أن “كوفيد-19” هو جائحة.
 
* *
في مساء يوم 7 آذار (مارس) 2020، تلقيت رسالة بالبريد الإلكتروني من مدير مبنى المكاتب حيث أعمل في وسط هانوي. وقالت الرسالة إن والد نغوين هونغ نهونغ، المريض السابع عشر في البلاد والأول في المدينة، تناول العشاء في الطابق الثالث من المبنى في الليلة السابقة. وعلى الرغم من أن نتيجة فحصه للفيروس كانت سلبية مرتين، قام مديرو المبنى بإبلاغ السلطات عن تواجده في المبنى. وعلى الأثر، عزل سبعة من العاملين الذين كانوا على اتصال معه، وتم تنظيف المبنى على الفور برذاذ مطهر.
حتى كتابة هذه السطور، سجلت فيتنام (عدد السكان: 95 مليونا) 35 حالة وفاة فقط بسبب فيروس كورونا المستجد. وكانت استجابة المبنى الذي يقع فيه مكتبي نموذجًا لاستراتيجية تتبع الاتصال القوية التي اعتمدتها الدولة منذ بداية الوباء. وخلال المرحلة الأولى، تمكنت الحكومة من قطع جميع طرق انتقال الفيروس بشكل سريع وشامل. وتم نقل كل شخص مصاب إلى المستشفى. وجرى اقتفاء أثر الأشخاص الذين كانوا على اتصال بهم حتى الطبقة الرابعة وعزلوا. وقام الجيش بإغلاق منازلهم وأحيائهم محليًا وتعقيمها. كان البلد يتصرف بشكل فعال كما لو كانت هذه حربًا بيولوجية.
كانت لدى فيتنام جميع المكونات اللازمة لوصفة الكارثة الكاملة التي يمكن أن يسببها “كوفيد-19”. فلديها حدود بطول 1300 كيلومتر (800 ميل) مع الصين، مع الكثير من التجارة غير الرسمية التي تتم عبر مسارات جبلية سرية؛ ولديها نظام رعاية صحية غير متطور (وإن كان يعمل بشكل جيد). وإذن، بخلاف تتبع الاتصال، لماذا كانت فيتنام بارعة جدًا في التعامل مع الوباء؟
ربما يكون السبب الرئيسي هو الطريقة التي نزعت بها الحكومة السياسة من الوباء، وعاملته على أنه أزمة صحية بحتة، ما سمح لها بممارسة الحوكمة الفعالة. لم يكن هناك دافع سياسي لدى المسؤولين الحكوميين لإخفاء المعلومات، حيث إنهم لا يتعرضون للتوبيخ إذا ظهرت حالات إيجابية في مناطق سلطتهم والتي لم تحدث نتيجة لأخطاء منهم. ولم أسمع عن أي معارضة دينية لاستراتيجية الحكومة أيضًا. ومع إلقاء القبض على رئيس مركز هانوي لمكافحة الأمراض للاشتباه في فساده فيما يتعلق بشراء مجموعات الاختبار، وتغريم صغار التجار بسبب تلاعبهم بأسعار أقنعة الوجه، كانت الحكومة واضحة أيضًا في أن الصحة العامة لا يمكن أن تتشابك مع المصالح الاقتصادية.
السبب الثاني هو أن فيتنام تعرف الصين جيدًا -وقد تعلمت من خبرة تفشي مرض الـ”سارس” في العام 2003 أن السلطات الصينية قد تقلل من شأن المرض. وفي كانون الثاني (يناير)، عندما أعلنت ووهان عن أول حالة وفاة، شددت فيتنام القيود على حدودها ومطاراتها أمام الزوار الصينيين. ولم يكن هذا قرارًا سهلاً، نظرًا لأن التجارة عبر الحدود مع الصين تمثل جزءًا كبيرًا من الاقتصاد الفيتنامي. وعندما تم الإعلان عن ظهور أول حالات “كوفيد” في فيتنام -أب وابنه من الصين– تم اتخاذ تدابير احترازية أعلى وأبعد من توصيات منظمة الصحة العالمية، بما في ذلك طلب تقرير صحي وفحص درجة الحرارة في كل نقطة دخول حدودية، ووقف الرحلات الجوية من وإلى ووهان. وتم تنفيذ الاستعدادات للوباء قبل أسبوع من إعلان تفشي المرض رسميًا كحالة طوارئ صحية عامة تثير قلقًا دوليًا، وقبل أكثر من شهر من إعلان منظمة الصحة العالمية أن “كوفيد-19” هو جائحة.
كما قررت الحكومة أيضًا تبني مبدأ حرية المعلومات في الأمور المتعلقة بـ”كوفيد”. وعلى الرغم من أن وسائل الإعلام الفيتنامية مملوكة للدولة، وتخضع لسيطرة أيديولوجية مماثلة لتلك الموجودة في الصين، إلا أنها تمتعت بالحرية في الإبلاغ عن الوباء. وعندما أصيب أحد أعضاء المجلس النظري المركزي للجنة المركزية، دماغ الحزب الشيوعي الفيتنامي، بالفيروس في رحلة إلى المملكة المتحدة، وشكل ذلك احتمالاً لإصابة وزير التخطيط والاستثمار الذي تواجد في الرحلة نفسها التي كان فيها، تم نشر مكان وجوده من أجل تتبع المخالطين. وكان هذا درسًا آخر تعلمه البلد من تجربة الـ”سارس”.
كان شعار المرحلة الأولى في البلد هو أننا إذا بقينا على قيد الحياة، فيمكن أن تأتي مسألة الثروة والاقتصاد لاحقًا. وقد عانى الأشخاص العاديون حقاً، مثل عمال اقتصاد الوظائف المؤقتة: كلما طلبت سيارة “غرابكار” (نسخة جنوب شرق آسيا من “أوبر”) هذه الأيام، تكون السيارة التي تصل دائمًا أحدث وأغلى مما اعتدت على رؤيته؛ وكما أوضح أحد السائقين، ترتب على أولئك الذين اعتادوا اصطحابي بسياراتهم القديمة الأرخص أن يبيعوها لكي يبقوا واقفين على أقدامهم، ولم يتبق سوى أولئك الذين لديهم جيوب أعمق في السوق.
لكن الحكومة حولت الآن استراتيجيتها لمحاربة “كوفيد” نحو الاقتصاد. وأصبحت تكتيكات الموجة الثانية أكثر تطوراً. ما يزال تتبع الاتصال سريعًا وجسوراً، لكن الإغلاق والعزل أصبحا أكثر انتقائية؛ فقد تم فتح الرحلات الجوية الدولية للعمال الأجانب، مثل المهندسين من شركة “إل جي” في كوريا الجنوبية، المطلوبين للإبقاء على الاقتصاد عاملاً.
في الوقت الحالي، يبدو أن فيتنام قد تمكنت من درء خطر الموجة الثانية. وستكون هناك تحديات في المستقبل -ما تزال المحلات التجارية والفنادق في أكثر الشوارع فخامة في هانوي ومدينة هوشي منه فارغة، وتضغط كوريا الجنوبية، أحد أكبر المستثمرين في فيتنام، من أجل تقصير وقت العزل الإجباري للعمال الأجانب. ولكن، بالنظر إلى أن فيتنام هي واحدة من الدول القليلة في العالم التي تشهد حاليًا نموًا إيجابيًا في الناتج المحلي الإجمالي، فإن المفاضلة المفترضة بين الاقتصاد والصحة العامة، التي تتفاوض عليها البلدان حول العالم، تبدو خيارًا خاطئًا.
*مدير مركز مبادرات الإعلام والتنمية في هانوي، فيتنام.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Vietnam is fighting Covid without pitting economic growth against public health