Friday 29th of May 2020 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    11-May-2020

كتاب «في الجماليات» لإدغار موران: الشعر مقاومة لقسوة العالم والحياة والإنسان

 القدس العربي-عاطف محمد عبد المجيد

في مقدمة ترجمته لكتاب «في الجماليات» لإدغار موران، يصف المترجم يوسف تيبس، المؤلفَ بأنه متنبئ بمستقبل سياسة الحضارة الإنسانية، إلى جانب جمعه بين صفة الأنثروبولوجي وعالم الاجتماع والفيلسوف، ما مكّنه من دراسة مواضيع عديدة ومتنوعة، كالموت والسينما وتحولات بعض المجتمعات كالفرنسي والروسي. في هذا الكتاب، يقول المترجم: يعرض موران ما جمعه من ملاحظات عن الجمال والفن والشعور الجمالي، بصفته عالمَ اجتماع وفيلسوفًا مهتمًّا بالجماليات. كما يقول موران إن «الجميل» لم يعد كما كان عليه، فقد تجاوزت الأصالة الجميل، وأدى اكتشاف رسم الأشياء القبيحة بطريقة جميلة إلى إدراك أن الجمال يوجد في العمل الفني، وليس في الواقع. هنا يدعو موران إلى الربط بين ضرورة إعادة تربية الإنسان على فهم الغير، وعدم تأطيره وحصره في الصفات التي تلغي حياته. هنا أيضًا، يقول المترجم، يلمّح موران إلى ضرورة التربية على الجماليات، حتى لا تعاني الفنون الجديدة في المستقبل ما عانت منه السينما والمسلسلات في بداياتها، من احتقار وازدراء، فالجماليات عنصر مهم في الثقافة وفي حياة الإنسان. في كتابه هذا يؤكد موران على أن الموسيقى والشعر والأدب ظلت حاضرة، نشيطة، مشعة، ومغذية له طوال حياته، ورغم ثقافته الثانوية في الفلسفة والعلوم الإنسانية، لم يتوقف أبدًا عن قراءة، أو إعادة قراءة، الروايات والقصائد ودخول السينما. كما يرى هنا أن علم الجمال، أو الجماليات تمثل، قبل أن تكون الصفة المميزة للفن، معطًى أساسيًّا لملكة الحساسية لدى الإنسان.
 
ثنائية القطب
 
موران الذي يرى أن الشعور الجمالي انفعال يأتينا من الأشكال والألوان والأصوات، ومن السرديات والمشاهد والقصائد والأفكار، يرى في الوقت نفسه أن الإحساس بالجمال شعور باللذة والإعجاب يتحول إلى تعجب، وإلى سعادة، ويمكن إثارته بعمل فني أو بمشهد طبيعي. ومما يؤكده موران هنا أنه يتم تشارك الشعور الجمالي على نطاق واسع، ونظرًا لأنه إنساني بشكل عميق، فإنه يتقوى ويتطور في ظل ظروف شخصية أو ثقافية أو تاريخية أو اجتماعية، معينة. هنا أيضًا نعرف أن الحياة البشرية ثنائية القطب بين جزئها النثري، نفعل أشياء بالضرورة وبدون متعة، وجزئها الشعري، حيث نزدهر ونتشارك.
في جمالياته، يطرح موران عدة أسئلة بالغة الأهمية منها، هل يوجد قانون أو نوع مثالي، أو معيار مشترك بين جميع أنواع الجمال؟ وهل هناك جمال كوني داخل أنواع الجمال المفردة؟ أم ليس لكل نوع من الجمال أي شيء مشترك مع الأنواع الأخرى؟ موران الذي لا يكتفي بأسئلته هذه، يعود ليسأل: ألا تشعر الحيوانات بالمتعة الجمالية تقريبًا ،عند تجربة متعة العيش، والتمدد والقفز والركض والتحليق؟ هنا يتحدث موران عن طبيعة الجماليات وعن منحها إيانا اللذة والتعجب، وعن الشعور الجمالي الذي ينقلنا إلى حالة ثانية يُطلق عليها موران الحالة الشعرية، مقابل الحالة النثرية التي تخص ما هو بلا لذة أو تعجب. هذه الحالة الشعرية يمكن أن نجدها، يقول موران، في المشاركة وفي الحب وفي اللعب وفي الاحتفال. موران، متحدثًا عن سحر الفن، يقول إن الفن يتم إنتاجه من خلال قدرة الإنسان على إبداع الأعمال والأشكال والألوان والأصوات، التي تحدث أو يجب أن تحدث الانفعال الجمالي. هنا أيضًا، وبعد أن يتحدث عن مسألة الفن للفن وأصالة الفن، يقول إن الفنان سيُلعن إذا كان أصيلًا للغاية أو منحرفًا بالمقارنة مع المعايير الجمالية لعصره، ثم يعترف به رسميًّا، فيُطلق اسمه على أحد الشوارع، وهكذا ننتقل من الفنان الملعون إلى الفنان الشهير، وربما إلى الفنان الرسمي. وفي سياق حديثه عن الإبداع يورد موران مقولة فرانك بارون عن المبدعين، التي نصها: «المبدعون أكثر بدائية وأكثر ثقافة، أكثر تدميرًا وأكثر بناءً، وأحيانًا أكثر جنونًا، لكنهم قطعًا أكثر اتزانًا من الآخرين»، واصفًا عملية الإبداع بعملية الولادة التي تحمل مزيجًا من الألم والفرح. هنا يذكر موران أن هناك طريقين في الفنون والروايات والرسم والنحت والسينما، يمكن أن يندمجا مع بعضهما: الطريق الواقعي الذي يسعى للتشبه بالحياة وعكس الواقع من خلال الشخصيات والأحداث الخيالية، والطريق الرائع الذي يخترع كونًا ينفلت من معايير واقعنا.
 
مفهوم حربائي
 
في جمالياته يقارن موران بين اللغة النثرية واللغة الشعرية، ذاكرًا أن الأولى لغة إشارة، تسعى إلى توضيح وموضعة الأشياء التي تتحدث عنها، في حين تنطلق الثانية من الذاتية وتخاطبها، وتبدأ من العاطفة الجمالية لنقل هذه المشاعر، وتحب اللجوء إلى المماثلة والاستعارة. مضيفًا أن الشعر يحاول أن يعبر بالكلمات إلى ما لا تستطيع الكلمات أن تقوله، حيث يتقدم الشعر إلى حدود اللغة، وإلى حدود ما يُقال، وإلى حدود الوعي، إنه يرى من خلال المرئي ما وراء المرئي، وهذا ما يطلق عليه رامبو الاستبصار. من هنا، يقول المؤلف، إن السيرياليين أدركوا أن في الكتابة الشعرية ظاهرة لا تنتمي إلى الوعي الواضح، بل إلى قوى اللاوعي، ولهذا السبب قاموا باستكشاف الكتابة التلقائية، وقاموا بوصف أحلامهم. فيما يصف موران المسرح بأنه، في المقام الأول، وريث الفن الاحتفالي. هنا أيضًا يتحدث موران عن السينما، وعن الرسم وعن الموسيقى، واصفًا إياها باللغز الأسمى لعلوم الإنسان، حيث تعبر، أفضل من سواها، عن حياة الإنسان العاطفية. كذلك لا يفوت موران أن يتحدث هنا عن الفنون الجديدة ذاكرًا منها فن التصوير الفوتوغرافي، والرسوم المتحركة والمسلسلات والفنون التطبيقية. وفي سياق حديثه عن الجماليات والثقافة يذكر موران أن كلمة ثقافة مفهوم حربائي، إذ توجد ثقافة راقية في المؤلفات والآداب والموسيقى والمسرح، وتوجد ثقافة بالمعنى الأثنوغرافي، وهي ثقافة الشعب وطقوسه وعاداته ومعتقداته، وهناك ثقافة بالمعنى الأنثروبولوجي وهي كل ما ليس فطريًّا، أي ما يجب أن نتعلمه كاللغة والتقنيات والفنون. أما الخلاصة التي توصل إليها موران في نهاية حديثه عن الجماليات فهي أن الحياة ليس لها معنى، غير أن الشعر يعطي لها معنًى. كما أن الفضول والحب يمنحان هذه الحياة معنًى أيضًا. وبعد أن يذكر تعريف وردزورث للشعر: «الشعر أول المعارف وآخرها»، يقول موران إن الشعر أول وآخر مهارات حسن العيش، مضيفًا أن الشعر تمسك بجمال العالم والحياة والإنسان، وفي الوقت نفسه، مقاومة لقسوة العالم والحياة والإنسان.
 
٭ شاعر ومترجم مصري
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات