Thursday 28th of May 2020 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    17-May-2020

هل تنهي الكورونا عصر الحضارة الورقية؟

 الدستور-د. غسان إسماعيل عبد الخالق

 
رغم مئات الحروب والمجاعات والكوارث والأوبئة، فضلاً عن كل الثورات المتوالية على صعيد تكنولوجيات الاتصال، فقد صمدت الواجهة الأبرز للمجتمع البشري، الحديث والمعاصر، وأعني بها الورق طبعاً؛ لقد صمدت وقاومت سحر السينيما والراديو والتلفزيون والكمبيوتر. ومع أنها تلقت ضربات قاسية خلال العقد المنصرم تحديدا، جراء اضطرار العديد من الصحف والمجلات ودور النشر العالمية للتوقف عن العمل، إلا أنها واصلت التحامل على نفسها تحامل الأسد الجريح، حتى أطلّت جائحة الكورونا، فأطلقت عليها رصاصة الرحمة! فإذا بأغلى وأثمن أنواع الورق المتداول(النقود ) يستأثر بوزر الاتهام بأنه أبرز ناقلي الفيروس المشؤوم؛ فهل سيتردد الانسان في إعدام الورق بعد أن امتلك الجرأة لإجلاس (النقود) في كرسي الاتهام؟
 
لقد خيب الورق توقعات كل من راهنوا على اختفائه طوال قرن كامل من الزمن؛ فالورق ليس مجرد سلعة تباع وتشترى، بل هو صانع التاريخ الحديث والمعاصر بلا منازع؛ وكيف لا يكون كذلك وهو حامل خطاب الرّسالات السماويّة، بكل ما تشتمل عليه هذه الرسالات من سلطات رمزيّة وأخلاقية ومقدّسة؟!وكيف لا يكون كذلك وهو الذي احتمل آلاف الأفكار والمشاعر والبيانات التي صاغت واقع ومستقبل المجتمع البشري؟!وحتى الكتاب الإلكتروني والصحف الإلكترونية، بكل ما تتمتع به من ميزات لم تنه بريق الكتاب الورقي والصحيفة الورقية، وظلّ مئات الملايين مخلصين لفكرة اقتناء الكتاب الورقي والصحيفة الورقية، وامتياح تلك النشوة التي تجتاح أجسادهم فور حدوث ذلك التلامس بين أصابعهم وصفحات الكتب أو الصحف!
 
وها هي الكورونا التي يُجمع كل الخبراء، على أنها ليست الحلقة الأقوى من سلسلة الأوبئة التي اجتاحت البشرية؛ ها هي تغلق أبواب الصّحف والمجلات ودور النشر والمكتبات والمدارس والجامعات، وها هي تجبر الجميع على التوجه للكتابة الرقمية والتوثيق الرقمي والتواصل الرقمي، إلى درجة يمكن الزّعم معها بأن ما سطره الإنسان خلال الشهور القليلة الماضية عبر الأثير الإلكتروني، يتجاوز كلما سطره خلال عقود الثورة الحاسوبية كلها! فهل سيتعامل المجتمع البشري مع هذا الاستثناء على أنه مجرد ظرف عابر اضطرته الأزمة إلى اللّجوء إليه وسوف يستعيد علاقته التاريخية مع الورق فور انفراج الأزمة؟ أم أنه سيزاوج بين النمطين؛ نمط الحضارة الورقية ونمط الحضارة الرقمية من باب الاحتياط وحرصاً على التقليل من مشاعر الذنب ؟ أم أنه سيدير ظهره للتاريخ الورقي بعد أن ثبت له أن مئات الكتب لن تأتي له بشطيرة واحدة فيما أن تطبيقاً واحداً من تطبيقات الهاتف الذكي يمكن أن يجلب له رفوفاً من الغذاء والدواء والأدوات؟ كلّنا طبعاً، وبحكم المحمول الثقافي والأخلاقي الذي راكمناه حتى بزوغ عصر الكورونا، ميّالون وبقوة إلى الاحتفاظ بركائز هذا المحمول التي يمثل الورق حاملها الرئيس... لكن المنظومة الثقافية والأخلاقية التي فرضتها واقعة الكورونا على امتداد الكرة الأرضية، تدفعنا إلى خفض سقف توقعاتنا، في ضوء تصاعد أولويات البقاء على قيد الحياة، والتي أجبرت كل المجتمعات بغض الطرف عن أديانها وقوميّاتها وايدولوجياتها، إلى إغلاق دور العبادة والجامعات والمدارس، وهي الأماكن التي تستأثر بالتبجيل الرمزي الأعلى في هرم الحضارة الورقية!.
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات